All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Al-Muṭaffifīn 83:5 Juzʾ 30 Page 588

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

For a tremendous Day -

Read in the muṣḥaf

(p-٤٣٨)سُورَةُ المُطَفِّفِينَ مَكِّيَّةٌ وهي سِتٌّ وثَلاثُونَ آيَةً

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ١١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ١٢] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٣] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٤] ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٧] ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ١٨] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٩] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٠] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢١] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ٢٢] ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٣] ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٤] ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ٢٥] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٦] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٧] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٨] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٩] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٣٠] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ٣١] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٣٢] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ٣٣] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٣٤] ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٣٥] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٣٦]

التَّطْفِيفُ النُّقْصانُ وأصْلُهُ مِنَ الطَّفِيفِ، وهو النُّزُلُ الحَقِيرُ، والمُطَفِّفُ الآخِذُ في وزْنٍ أوْ كَيْلٍ طَفِيفًا أيْ شَيْئًا حَقِيرًا خَفِيًّا. رانَ غَطّى وغَشّى كالصَّدَأِ يُغَشِّي السَّيْفَ، قالَ الشّاعِرُ:

؎وكَمْ رانَ مِن ذَنْبٍ عَلى قَلْبِ فاجِرٍ فَتابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رانَ فانْجَلا

وأصْلُ الرَّيْنِ الغَلَبَةُ، يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها ورانَ الغَشْيُ عَلى عَقْلِ المَرِيضِ. قالَ أبُو زُبَيْدٍ:

؎ثُمَّ لَمّا رَآهُ رانَتْ بِهِ الخَمْرُ ∗∗∗ وأنْ لا يَرِينَهُ بِانْتِقاءِ

وقالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ رِينَ بِالرَّجُلِ يُرانُ بِهِ رَيْنًا إذا وقَعَ فِيما لا يَسْتَطِيعُ مِنهُ الخُرُوجَ. الرَّحِيقُ: قالَ الخَلِيلُ: أجْوَدُ الخَمْرِ. وقالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ الشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَ حَسّانُ:

بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

نافَسَ في الشَّيْءِ رَغِبَ فِيهِ، ونَفُسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أنْفُسُ نَفاسَةً إذا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ. التَّسْنِيمُ أصْلُهُ الِارْتِفاعُ ومِنهُ تَسْنِيمُ القَبْرِ وسَنامُ البَعِيرِ، وتَسَنَّمْتُهُ: عَلَوْتَ سَنامَهُ. الغَمْزُ الإشارَةُ بِالعَيْنِ والحاجِبِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ١١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المطففين: ١٢] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٣] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٤] ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٥] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٧] .

(p-٤٣٩)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ ومُقاتِلٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مَدَنِيَّةٌ إلّا مِن ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٩] إلى آخِرِها، فَهو مَكِّيٌّ، ثَمانِ آياتٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ لَهُ مَكِيلانِ، يَأْخُذُ بِالأوْفى ويُعْطِي بِالأنْقَصِ، فَنَزَلَتْ. ويُقالُ: إنَّها أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ، ونَزَلَ أمْرُ التَّطْفِيفِ بِالمَدِينَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ النّاسِ فَسادًا في هَذا المَعْنى، فَأصْلَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ السُّورَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ لِيُصْلِحَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهم قَبْلَ وُرُودِ رَسُولِهِ. والمُناسَبَةُ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ ظاهِرَةٌ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى السُّعَداءَ والأشْقِياءَ ويَوْمَ الجَزاءِ وعَظَّمَ شَأْنَ يَوْمِهِ ذَكَرَ ما أعَدَّ لِبَعْضِ العُصاةِ، وذَكَّرَهم بِأخَسِّ ما يَقَعُ مِنَ المَعْصِيَةِ، وهي التَّطْفِيفُ الَّذِي لا يَكادُ يُجْدِي شَيْئًا في تَثْمِيرِ المالِ وتَنْمِيَتِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قَبَضُوا لَهم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أقْبَضُوهم. وقالَ الفَرّاءُ: مِن وعَلى يَعْتَقِبانِ هُنا، اكْتَلْتُ عَلى النّاسِ، واكْتَلْتُ مِنَ النّاسِ. فَإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، والظّاهِرُ أنَّ (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ(اكْتالُوا) كَما قَرَّرْناهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانَ اكْتِيالُهم مِنَ النّاسِ اكْتِيالًا يَضُرُّهم ويُتَحامَلُ فِيهِ عَلَيْهِمْ، أبْدَلَ عَلى مَكانٍ مِن لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(يَسْتَوْفُونَ)، أيْ يَسْتَوْفُونَ عَلى النّاسِ خاصَّةً، فَأمّا أنْفُسُهم فَيَسْتَوْفُونَ لَها. انْتَهى. وكالَ ووَزَنَ مِمّا يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، فَتَقُولُ: كِلْتُ لَكَ ووَزَنْتُ لَكَ، ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ، كَقَوْلِكَ: نَصَحْتُ لَكَ ونَصَحْتُكَ، وشَكَرْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ، والضَّمِيرُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، أيْ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ الفِعْلَ بِنَفْسِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وهو المَكِيلُ والمَوْزُونُ، وعَنْ عِيسى وحَمْزَةَ: المَكِيلُ لَهُ والمَوْزُونُ لَهُ مَحْذُوفٌ، وهم ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَرْفُوعِ الَّذِي هو الواوُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مَرْفُوعًا لِلْمُطَفِّفِينَ، لِأنَّ الكَلامَ يَخْرُجُ بِهِ إلى نَظْمٍ فاسِدٍ، وذَلِكَ أنَّ المَعْنى: إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا، وإذا أعْطَوْهم أخْسَرُوا، وإنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ لِلْمُطَفِّفِينَ، انْقَلَبَ إلى قَوْلِكَ: إذا أخَذُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا، وإذا تَوَلَّوُا الكَيْلَ أوِ الوَزْنَ هم عَلى الخُصُوصِ أخْسَرُوا، وهو كَلامٌ مُتَنافِرٌ، لِأنَّ الحَدِيثَ واقِعٌ في الفِعْلِ لا في المُباشِرِ. انْتَهى. ولا تَنافُرَ فِيهِ بِوَجْهٍ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُؤَكَّدَ الضَّمِيرُ وأنْ لا يُؤَكَّدَ، والحَدِيثُ واقِعٌ في الفِعْلِ، غايَةُ ما في هَذا أنَّ مُتَعَلِّقَ الِاسْتِيفاءِ، وهو (عَلى النّاسِ)، مَذْكُورٌ وهو في ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهم لا يُخْسِرُونَ الكَيْلَ والمِيزانَ إذا كانَ لِأنْفُسِهِمْ، إنَّما يُخْسِرُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ لا قِيلَ أوِ اتَّزَنُوا، كَما قِيلَ أوْ وزَنُوهم ؟ قُلْتُ: كَأنَّ المُطَفِّفِينَ كانُوا لا يَأْخُذُونَ ما يُكالُ ويُوزَنُ إلّا بِالمَكايِيلِ دُونَ المَوازِينِ لِتَمَكُّنِهِمْ بِالِاكْتِيالِ مِنِ الِاسْتِيفاءِ والسَّرِقَةِ؛ لِأنَّهم يُدَعْدِعُونَ ويَحْتالُونَ في المَلْءِ، وإذا أعْطَوْا كالُوا أوْ وزَنُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ البَخْسِ في النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا. (يُخْسِرُونَ): يُنْقِصُونَ. انْتَهى. و(يُخْسِرُونَ) مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، يُقالُ: خَسِرَ الرَّجُلُ وأخْسَرَهُ غَيْرُهُ.

‏‏ ‏‏‏ تَوْقِيفٌ عَلى أمْرِ القِيامَةِ وإنْكارٌ عَلَيْهِمْ في فِعْلِهِمْ ذَلِكَ.

أيْ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، و(يَوْمَ) ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ، أيْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ. ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَبْعُوثُونَ، ويَكُونَ مَعْنى (لِيَوْمٍ) أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هو بَدَلٌ مِن يَوْمٍ عَظِيمٍ، لَكِنَّهُ (p-٤٤٠)بُنِيَ.

وقُرِئَ (يَوْمِ يَقُومُ) بِالجَرِّ، وهو بَدَلٌ مِن (لِيَوْمٍ) حَكاهُ أبُو مُعاذٍ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يَوْمُ) بِالرَّفْعِ، أيْ ذَلِكَ يَوْمٌ، ويَظُنُّ بِمَعْنى يُوقِنُ، أوْ هو عَلى وضْعِهِ مِنَ التَّرْجِيحِ. وفي هَذا الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعِظَمِ وقِيامِ النّاسِ لِلَّهِ خاضِعِينَ، ووَصْفِهِ بِرَبِّ العالَمِينَ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ هَذا الذَّنْبِ وهو التَّطْفِيفُ. (كَلّا) رَدْعٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّطْفِيفِ، وهَذا القِيامُ تَخْتَلِفُ النّاسُ فِيهِ بِحَسَبِ أحْوالِهِمْ، وفي هَذا القِيامِ إلْجامُ العَرَقِ لِلنّاسِ، وأحْوالُهم فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. والفُجّارُ: الكُفّارُ، وكِتابُهم هو الَّذِي فِيهِ تَحْصِيلُ أعْمالِهِمْ. و(سِجِّينٌ) قالَ الجُمْهُورُ: فِعِّيلٌ مِنَ السِّجْنِ، كَسِكِّيرٍ، أوْ في مَوْضِعِ ساجِنٍ، فَجاءَ بِناءَ مُبالَغَةٍ، فَسَجِّينٌ عَلى هَذا صِفَةٌ لِمَوْضِعِ المَحْذُوفِ. قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

؎ورُفْقَةٌ يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضاحِيَةً ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما سِجِّينٌ ؟ أصِفَةٌ هو أمِ اسْمٌ ؟ قُلْتُ: بَلْ هو اسْمُ عَلَمٍ مَنقُولٍ مِن وصْفٍ كَحاتِمٍ، وهو مُنْصَرِفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو التَّعْرِيفُ. انْتَهى. وكانَ قَدْ قُدِّمَ أنَّهُ كِتابٌ جامِعٌ، وهو دِيوانُ الشَّرِّ، دَوَّنَ اللَّهُ فِيهِ أعْمالَ الشَّياطِينِ وأعْمالَ الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ مِنِ الجِنِّ والإنْسِ، وهو: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَسْطُورٌ بَيْنَ الكِتابَةِ، أوْ مُعَلَّمٌ يَعْلَمُ مَن رَآهُ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ، والمَعْنى: أنَّ ما كُتِبَ مِن أعْمالِ الفُجّارِ مُثْبَتٌ في ذَلِكَ الدِّيوانِ. انْتَهى. واخْتَلَفُوا في سِجِّينٍ إذا كانَ مَكانًا اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا حَذَفْنا ذِكْرَهُ، والظّاهِرُ أنَّ سِجِّينًا هو كِتابٌ، ولِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ . وقالَ عِكْرِمَةُ: سِجِّينٌ عِبارَةٌ عَنِ الخَسارِ والهَوانِ، كَما تَقُولُ: بَلَغَ فُلانٌ الحَضِيضَ إذا صارَ في غايَةِ الجُمُودِ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: سِجِّينٌ، نُونُهُ بَدَلٌ مِن لامٍ، وهو مِنَ السِّجِّيلِ، فَتَلَخَّصَ مِن أقْوالِهِمْ أنَّ سِجِّينًا نُونُهُ أصْلِيَّةٌ، أوْ بَدَلٌ مِن لامٍ، وإذا كانَتْ أصْلِيَّةً، فاشْتِقاقُهُ مِنَ السِّجْنِ، وقِيلَ: هو مَكانٌ، فَيَكُونُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو كِتابٌ. وعَنى بِالضَّمِيرِ عَوْدَهُ عَلى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أوْ عَلى سِجِّينٍ عَلى حَذْفٍ، أيْ هو مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ، و‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَفْسِيرٌ لَهُ عَلى جِهَةِ البَدَلِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، والضَّمِيرُ المُقَدَّرُ الَّذِي هو عائِدٌ عَلى سِجِّينٍ، أوْ كِنايَةٌ عَنِ الخَسارِ والهَوانِ، هَلْ هو صِفَةٌ أوْ عَلَمٌ ؟ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُ، مَرْقُومٌ: أيْ مُثْبَتٌ كالرَّقْمِ لا يَبْلى ولا يُمْحى. قالَ قَتادَةُ: رُقِمَ لَهم بِشَرٍّ، لا يُزادُ فِيهِمْ أحَدٌ ولا يُنْقَصُ مِنهم أحَدٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ: مَرْقُومٌ: مَخْتُومٌ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وأصْلُ الرَّقْمِ الكِتابَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎سَأرْقُمُ في الماءِ القُراحِ إلَيْكم ∗∗∗ عَلى بُعْدِكم إنْ كانَ لِلْماءِ راقِمُ

وتَبَيَّنَ مِنَ الإعْرابِ السّابِقِ أنَّ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَدَلٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وكانَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ قالَ: إنَّ سِجِّينًا مَوْضِعُ ساجِنٍ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وعِبارَةٌ عَنِ الخَسارِ عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ، مَن قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ في سِجِّينٍ، فَكِتابٌ مُرْتَفِعٌ عِنْدَهُ عَلى خَبَرِ إنَّ، والظَّرْفُ الَّذِي هو ‏‏ ‏‏‏ مُلْغًى. ومَن قالَ في سِجِّينٍ بِالقَوْلِ الثّانِي، فَكِتابٌ مَرْقُومٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ التَّقْدِيرُ هو كِتابٌ مَرْقُومٌ ويَكُونُ هَذا الكِتابُ مُفَسِّرًا لِسِجِّينٍ ما هو. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: والظَّرْفُ الَّذِي هو ‏‏ ‏‏‏ مُلْغًى قَوْلٌ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ اللّامَ الَّتِي في ‏‏ ‏‏‏ داخِلَةٌ عَلى الخَبَرِ، وإذا كانَتْ داخِلَةً عَلى الخَبَرِ فَلا إلْغاءَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، بَلْ هو الخَبَرُ، ولا جائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللّامُ دَخَلَتْ في ‏‏ ‏‏‏ عَلى فَضْلَةٍ هي مَعْمُولَةٌ لِلْخَبَرِ أوْ لِصِفَةِ الخَبَرِ، فَيَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ مُلْغًى لا خَبَرًا؛ لِأنَّ (كِتابٌ) مَوْصُوفٌ بِمَرْقُومٍ فَلا يَعْمَلُ؛ ولِأنَّ مَرْقُومًا الَّذِي هو صِفَةٌ لِكِتابٍ لا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ في مَعْمُولِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُهُ عَلى المَوْصُوفِ، فَتَعَيَّنَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏ هو خَبَرُ إنَّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Muṭaffifīn 83:5