All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Al-Baqarah 2:269 Juzʾ 3 Page 45

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

He gives wisdom to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

(p-٧٧)قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وإنْ لَمْ تَكُنْ أمْرًا بِالصَدَقَةِ فَهي جالِبَةٌ لِلنُّفُوسِ إلى الصَدَقَةِ - بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ فِيها نَزَغاتِ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ وعَداوَتَهُ. وذَكَّرَ بِثَوابِهِ هو لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذَكَّرَ بِتَفَضُّلِهِ بِالحِكْمَةِ، وأثْنى عَلَيْها، ونَبَّهَ أنَّ أهْلَ العُقُولِ هُمُ المُتَذَكِّرُونَ الَّذِينَ يُقَيِّمُونَ بِالحِكْمَةِ قَدْرَ الإنْفاقِ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عِلْمَهُ بِكُلِّ نَفَقَةٍ ونَذْرٍ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ في الإعْلانِ والإخْفاءِ وكَذَلِكَ إلى آخِرِ المَعْنى.

والوَعْدُ في كَلامِ العَرَبِ - إذا أُطْلِقَ - فَهو في الخَيْرِ، وإذا قُيِّدَ بِالمَوْعُودِ ما هُوَ، فَقَدْ يُقَيَّدُ بِالخَيْرِ، وقَدْ يُقَيَّدُ بِالشَرِّ، كالبِشارَةِ - فَهَذِهِ الآيَةُ مِمّا قُيِّدَ الوَعْدُ فِيها بِمَكْرُوهٍ وهو الفَقْرُ.

والفَحْشاءُ: كُلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذِكْرُهُ ومَعاصِي اللهِ كُلُّها فَحْشاءُ، ورَوى حَيْوَةُ (p-٧٨)عن رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِباطِ أنَّهُ قَرَأ "الفُقْرَ" بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الآيَةِ اثْنَتانِ مِنَ الشَيْطانِ، واثْنَتانِ مِنَ اللهِ تَعالى.

ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنَ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَرِّ، وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالخَيْرِ، وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ السَلامُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الآيَةَ.»

والمَغْفِرَةُ: هي السَتْرُ عَلى عِبادِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، والفَضْلُ: هو الرِزْقُ في الدُنْيا والتَوْسِعَةُ فِيهِ، والنَعِيمُ في الآخِرَةِ وبِكُلٍّ قَدْ وعَدَ اللهُ تَعالى.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأْنَسُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفَقْرَ أفْضَلُ مِنَ الغِنى، لِأنَّ الشَيْطانَ إنَّما يُبْعِدُ العَبْدَ مِنَ الخَيْرِ وهو بِتَخْوِيفِهِ الفَقْرَ يَبْعُدُ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ إلّا أنَّ المُعارَضَةَ بِها قَوِيَّةٌ - ورُوِيَ أنَّ في التَوْراةِ: "عَبْدِي، أنْفِقْ مِن رِزْقِي أبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ عَلى كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ". وفي القُرْآنِ مِصْداقُهُ وهُوَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سبإ: ٣٩] و"واسِعٌ" لِأنَّهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ يُعْطِيها لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، (p-٧٩)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الحِكْمَةِ في هَذا المَوْضِعِ - فَقالَ السُدِّيُّ: الحِكْمَةُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ فِقْهِهِ ونَسْخِهِ ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ وعَرَبِيَّتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: الحِكْمَةُ: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الحِكْمَةُ: الإصابَةُ في القَوْلِ والفِعْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُوهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الحِكْمَةُ: العَقْلُ في الدِينِ، وقالَ مالِكٌ: الحِكْمَةُ: المَعْرِفَةُ في الدِينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: الحِكْمَةُ: التَفَكُّرُ في أمْرِ اللهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، وقالَ أيْضًا: الحِكْمَةُ: طاعَةُ اللهِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلُ بِهِ، وقالَ الرَبِيعُ: الحِكْمَةُ: الخَشْيَةُ. ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ خَشْيَةُ اللهِ تَعالى"». وقالَ إبْراهِيمُ: الحِكْمَةُ: الفَهْمُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقالَ الحَسَنُ: الحِكْمَةُ: الوَرَعُ.

وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ما عَدا قَوْلِ السُدِّيِّ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِأنَّ الحِكْمَةَ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عَمَلٍ أو قَوْلٍ - وكِتابُ اللهِ: حِكْمَةٌ - وسُنَّةُ نَبِيِّهِ: حِكْمَةٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فَهو جُزْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي هي الجِنْسُ - وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ ويَعْقُوبُ: "وَمَن يُؤْتِ" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مَعْنى: ومَن يُؤْتِ اللهُ الحِكْمَةَ، فَـ "مَن" مَفْعُولٌ أوَّلٌ مُقَدَّمٌ، و"الحِكْمَةَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، وقَرَأ الأخْفَشُ: "وَمَن يُؤْتِهِ الحِكْمَةَ"،، وقَرَأ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ "تُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن تَشاءُ" بِالتاءِ في "تُؤْتِي"، وفي "تَشاءُ" مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ، "وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ" بِالياءِ.

وباقِي الآيَةِ تَذَكُّرُ بَيِّنَةٍ وإقامَةٌ لِهِمَمِ الغَفْلَةِ. والألْبابُ: العُقُولُ، واحِدُها: لُبٌّ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

(p-٨٠)قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏

كانَتِ النُذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ، تُكْثِرُ مِنها، فَذَكَرَ تَعالى النَوْعَيْنِ: ما يَفْعَلُهُ المَرْءُ تَبَرُّعًا، وما يَفْعَلُهُ بَعْدَ إلْزامِهِ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَذَرَ الرَجُلُ كَذا إذا التَزَمَ فِعْلَهُ يَنْذُرُ بِضَمِّ الذالِ ويَنْذِرُ بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْصِيهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، أيْ مَن كانَ خالِصَ النِيَّةِ فَهو مُثابٌ، ومَن أنْفَقَ رِياءً أو لِمَعْنىً آخَرَ مِمّا يَكْشِفُهُ المَنُّ والأذى ونَحْوُ ذَلِكَ فَهو ظالِمٌ، يَذْهَبُ فِعْلُهُ باطِلًا، ولا يَجِدُ ناصِرًا فِيهِ، ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "يَعْلَمُهُ" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أو نَصَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةُ. ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في صَدَقَةِ التَطَوُّعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ السِرِّ في التَطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها، يُقالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها يُقالُ: بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، قالَ: وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "صَلاةُ الرَجُلِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في المَسْجِدِ إلّا (p-٨١)المَكْتُوبَةَ"،» وذَلِكَ أنَّ الفَرائِضَ لا يَدْخُلُها رِياءٌ والنَوافِلَ عُرْضَةٌ لِذَلِكَ.

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَصارى، وكانَ يُأْمَرُ بِقَسْمِ الزَكاةِ في السِرِّ - وهَذا مَرْدُودٌ لا سِيَّما عِنْدَ السَلَفِ الصالِحِ، فَقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ إظْهارَ الواجِبِ أفْضَلُ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ فَرْضُ الزَكاةِ، وما تُطُوِّعَ بِهِ، فَكانَ الإخْفاءُ فِيهِما أفْضَلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ الناسِ بَعْدَ ذَلِكَ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ الفَرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ بِأحَدٍ المَنعُ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلْآثارِ، ويُشْبِهُهُ في زَمَنِنا أنْ يَحْسُنَ التَسَتُّرُ بِصَدَقَةِ الفَرْضِ فَقَدْ كَثُرَ المانِعُ لَها وصارَ إخْراجُها عُرْضَةً لِلرِّياءِ - وقالَ النَقّاشُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧٤] الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ثَناءٌ عَلى إبْداءِ الصَدَقَةِ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ الإخْفاءَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ الإبْداءِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏، فَقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ ورْشٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ: "فَنِعْما" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ: "فَنِعِما" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَنَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ وكُلُّهم شَدَّدَ المِيمَ. (p-٨٢)قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، الأوَّلُ مِنهُما لَيْسَ بِحَرْفِ مَدٍّ ولِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، إذِ المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا مِنَ الحَرَكَةِ، وهَذا نَحْوُ: دابَّةٍ وضَوالَّ، وشَبَهِهِ، ولَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى الحَرَكَةَ واخْتَلَسَها، كَأخْذِهِ بِالإخْفاءِ في "بارِيكم ويَأْمُرُكُمْ" فَظَنَّ السامِعُ الإخْفاءَ إسْكانًا لِلُطْفِ ذَلِكَ في السَمْعِ وخَفائِهِ.

وأمّا مَن قَرَأ "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ فَحُجَّتُهُ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نِعِمْ بِكَسْرِ الفاءِ مِن أجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: "هَذا قَدَمُ مَلِكٍ"، فَيُدْغِمُ "هَؤُلاءِ قَوْمُ مَلِكٍ" و"جِسْمُ ماجِدٍ".

وقالَ سِيبَوَيْهِ: "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ لَيْسَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعْمَ" فَأسْكَنَ العَيْنَ، ولَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعِمْ" فَحَرَّكَ العَيْنَ، وحَدَّثَنا أبُو الخَطّابِ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلٍ، وكَسْرُها -كَما قالَ- لَعِبٌ ولَوْ كانَ الَّذِي قالَ: "نِعِمّا" مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَجُزِ الإدْغامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّ هَذا يَمْتَنِعُ لِأنَّهُ يَسُوقُ إلى اجْتِماعِ ساكِنَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ: "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ فَإنَّما جاءَ بِالكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهو نَعِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٨٣)

؎ ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ الساعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ

ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ قَبْلَ الإدْغامِ: "نِعْمَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وذَلِكَ جائِزٌ مُحْتَمَلٌ، وتُكْسَرُ العَيْنُ بَعْدَ الإدْغامِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"ما" مِن قَوْلِهِ: نِعِمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: "هِيَ" تَفْسِيرٌ لِلْفاعِلِ المُضْمَرِ قَبْلَ الذِكْرِ، والتَقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، وقَوْلُهُ: والإبْداءُ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ إلّا أنَّ المُضافَ حُذِفَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ، فَكَما أنَّ الضَمِيرَ هُنا لِلْإخْفاءِ لا لِلصَّدَقاتِ، فَكَذَلِكَ أوَّلًا الفاعِلُ هو الإبْداءُ وهو الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الضَمِيرُ فَحُذِفَ الإبْداءُ، وأُقِيمَ ضَمِيرُ الصَدَقاتِ مَقامَهُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنُكَفِّرُ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَنُكَفِّرْ" بِالنُونِ والجَزْمِ في الراءِ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَيُكَفِّرُ" بِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَتُكَفِّرْ" بِالتاءِ وكَسْرِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَتُكَفَّرْ" بِالتاءِ وفَتْحِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيُكَفِّرْ" بِالياءِ وجَزْمِ الراءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ و"يُكَفِّرَ" بِالياءِ ونَصْبِ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الأعْمَشُ: "يُكَفِّرْ" بِالياءِ دُونَ واوٍ قَبْلَها وبِجَزْمِ الراءِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أنَّهُ قَرَأ "وَتُكَفَّرُ" بِالتاءِ ورَفْعِ الراءِ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنَّهُما قَرَآ بِتاءٍ ونَصْبِ الراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ فَهي نُونُ العَظَمَةِ، وما كانَ مِنها بِالتاءِ فَهي الصَدَقَةُ (p-٨٤)فاعِلَةٌ إلّا ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ مِن فَتْحِ الفاءِ فَإنَّ التاءَ في تِلْكَ القِراءَةِ إنَّما هي لِلسَّيِّئاتِ. وما كانَ مِنها بِالياءِ فاللهُ تَعالى هو المُكَفِّرُ - والإعْطاءُ في خَفاءٍ هو المُكَفِّرُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَهو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أو: وهي تُكَفِّرُ، أعْنِي الصَدَقَةَ، أو واللهُ يُكَفِّرُ، والثانِي: القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وألّا تَكُونَ الواوُ العاطِفَةُ لِلِاشْتِراكِ لَكِنْ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وأمّا الجَزْمُ في الراءِ فَإنَّهُ حَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ إذْ هو في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ أعْظَمَ لِأجْرِكُمْ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ، كَما جاءَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرْهُمْ" بِجَزْمِ الراءِ وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ.

وأمّا نَصْبُ الراءِ فَعَلى تَقْدِيرِ "أنْ" وتَأمَّلْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ. والجَزْمُ في الراءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ، لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى.

و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن سَيِّئاتِكُمْ" لِلتَّبْعِيضِ المَحْضِ، والمَعْنى في ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: "مِن" زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ. (p-٨٥)وَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

(p-٨٠)قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏

كانَتِ النُذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ، تُكْثِرُ مِنها، فَذَكَرَ تَعالى النَوْعَيْنِ: ما يَفْعَلُهُ المَرْءُ تَبَرُّعًا، وما يَفْعَلُهُ بَعْدَ إلْزامِهِ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَذَرَ الرَجُلُ كَذا إذا التَزَمَ فِعْلَهُ يَنْذُرُ بِضَمِّ الذالِ ويَنْذِرُ بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْصِيهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، أيْ مَن كانَ خالِصَ النِيَّةِ فَهو مُثابٌ، ومَن أنْفَقَ رِياءً أو لِمَعْنىً آخَرَ مِمّا يَكْشِفُهُ المَنُّ والأذى ونَحْوُ ذَلِكَ فَهو ظالِمٌ، يَذْهَبُ فِعْلُهُ باطِلًا، ولا يَجِدُ ناصِرًا فِيهِ، ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "يَعْلَمُهُ" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أو نَصَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةُ. ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في صَدَقَةِ التَطَوُّعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ السِرِّ في التَطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها، يُقالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها يُقالُ: بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، قالَ: وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ « "صَلاةُ الرَجُلِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في المَسْجِدِ إلّا (p-٨١)المَكْتُوبَةَ"،» وذَلِكَ أنَّ الفَرائِضَ لا يَدْخُلُها رِياءٌ والنَوافِلَ عُرْضَةٌ لِذَلِكَ.

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَصارى، وكانَ يُأْمَرُ بِقَسْمِ الزَكاةِ في السِرِّ - وهَذا مَرْدُودٌ لا سِيَّما عِنْدَ السَلَفِ الصالِحِ، فَقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ إظْهارَ الواجِبِ أفْضَلُ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ فَرْضُ الزَكاةِ، وما تُطُوِّعَ بِهِ، فَكانَ الإخْفاءُ فِيهِما أفْضَلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ الناسِ بَعْدَ ذَلِكَ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ الفَرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ بِأحَدٍ المَنعُ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلْآثارِ، ويُشْبِهُهُ في زَمَنِنا أنْ يَحْسُنَ التَسَتُّرُ بِصَدَقَةِ الفَرْضِ فَقَدْ كَثُرَ المانِعُ لَها وصارَ إخْراجُها عُرْضَةً لِلرِّياءِ - وقالَ النَقّاشُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧٤] الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ثَناءٌ عَلى إبْداءِ الصَدَقَةِ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ الإخْفاءَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ الإبْداءِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏، فَقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ ورْشٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ: "فَنِعْما" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ: "فَنِعِما" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَنَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ وكُلُّهم شَدَّدَ المِيمَ. (p-٨٢)قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، الأوَّلُ مِنهُما لَيْسَ بِحَرْفِ مَدٍّ ولِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، إذِ المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا مِنَ الحَرَكَةِ، وهَذا نَحْوُ: دابَّةٍ وضَوالَّ، وشَبَهِهِ، ولَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى الحَرَكَةَ واخْتَلَسَها، كَأخْذِهِ بِالإخْفاءِ في "بارِيكم ويَأْمُرُكُمْ" فَظَنَّ السامِعُ الإخْفاءَ إسْكانًا لِلُطْفِ ذَلِكَ في السَمْعِ وخَفائِهِ.

وأمّا مَن قَرَأ "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ فَحُجَّتُهُ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نِعِمْ بِكَسْرِ الفاءِ مِن أجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: "هَذا قَدَمُ مَلِكٍ"، فَيُدْغِمُ "هَؤُلاءِ قَوْمُ مَلِكٍ" و"جِسْمُ ماجِدٍ".

وقالَ سِيبَوَيْهِ: "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ لَيْسَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعْمَ" فَأسْكَنَ العَيْنَ، ولَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعِمْ" فَحَرَّكَ العَيْنَ، وحَدَّثَنا أبُو الخَطّابِ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلٍ، وكَسْرُها -كَما قالَ- لَعِبٌ ولَوْ كانَ الَّذِي قالَ: "نِعِمّا" مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَجُزِ الإدْغامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّ هَذا يَمْتَنِعُ لِأنَّهُ يَسُوقُ إلى اجْتِماعِ ساكِنَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ: "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ فَإنَّما جاءَ بِالكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهو نَعِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٨٣)

؎ ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ الساعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ

ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ قَبْلَ الإدْغامِ: "نِعْمَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وذَلِكَ جائِزٌ مُحْتَمَلٌ، وتُكْسَرُ العَيْنُ بَعْدَ الإدْغامِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"ما" مِن قَوْلِهِ: نِعِمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: "هِيَ" تَفْسِيرٌ لِلْفاعِلِ المُضْمَرِ قَبْلَ الذِكْرِ، والتَقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، وقَوْلُهُ: والإبْداءُ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ إلّا أنَّ المُضافَ حُذِفَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ، فَكَما أنَّ الضَمِيرَ هُنا لِلْإخْفاءِ لا لِلصَّدَقاتِ، فَكَذَلِكَ أوَّلًا الفاعِلُ هو الإبْداءُ وهو الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الضَمِيرُ فَحُذِفَ الإبْداءُ، وأُقِيمَ ضَمِيرُ الصَدَقاتِ مَقامَهُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنُكَفِّرُ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَنُكَفِّرْ" بِالنُونِ والجَزْمِ في الراءِ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَيُكَفِّرُ" بِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَتُكَفِّرْ" بِالتاءِ وكَسْرِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَتُكَفَّرْ" بِالتاءِ وفَتْحِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيُكَفِّرْ" بِالياءِ وجَزْمِ الراءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ و"يُكَفِّرَ" بِالياءِ ونَصْبِ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الأعْمَشُ: "يُكَفِّرْ" بِالياءِ دُونَ واوٍ قَبْلَها وبِجَزْمِ الراءِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أنَّهُ قَرَأ "وَتُكَفَّرُ" بِالتاءِ ورَفْعِ الراءِ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنَّهُما قَرَآ بِتاءٍ ونَصْبِ الراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ فَهي نُونُ العَظَمَةِ، وما كانَ مِنها بِالتاءِ فَهي الصَدَقَةُ (p-٨٤)فاعِلَةٌ إلّا ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ مِن فَتْحِ الفاءِ فَإنَّ التاءَ في تِلْكَ القِراءَةِ إنَّما هي لِلسَّيِّئاتِ. وما كانَ مِنها بِالياءِ فاللهُ تَعالى هو المُكَفِّرُ - والإعْطاءُ في خَفاءٍ هو المُكَفِّرُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَهو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أو: وهي تُكَفِّرُ، أعْنِي الصَدَقَةَ، أو واللهُ يُكَفِّرُ، والثانِي: القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وألّا تَكُونَ الواوُ العاطِفَةُ لِلِاشْتِراكِ لَكِنْ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. وأمّا الجَزْمُ في الراءِ فَإنَّهُ حَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ إذْ هو في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ أعْظَمَ لِأجْرِكُمْ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ، كَما جاءَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرْهُمْ" بِجَزْمِ الراءِ وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ.

وأمّا نَصْبُ الراءِ فَعَلى تَقْدِيرِ "أنْ" وتَأمَّلْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ. والجَزْمُ في الراءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ، لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى.

و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن سَيِّئاتِكُمْ" لِلتَّبْعِيضِ المَحْضِ، والمَعْنى في ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: "مِن" زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ. (p-٨٥)وَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

You read 2:269–271 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:269