All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Ghāfir 40:12 Juzʾ 24 Page 468

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[They will be told], "That is because, when Allah was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allah, the Most High, the Grand."

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِحالِ الكَفَرَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَقِبَ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَبِينَ الفَرْقُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الحالَ تَكُونُ لِلْكُفّارِ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ؛ فَإنَّهم إذا أُدْخِلُوا فِيها مَقَتُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: مَقَتَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَمْقُتَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، فَإنَّ العِبارَةَ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، و"المَقْتُ" هو احْتِقارٌ وبُغْضٌ عن ذَنْبٍ ورِيبَةٍ، هَذا حَدُّهُ، وإذا مَقَتَ الكُفّارُ أنْفُسَهم نادَتْهم مَلائِكَةُ العَذابِ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَقَتُ اللهِ إيّاكم في الدُنْيا - إذْ كُنْتُمْ تَدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ - أكْثَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ، هَذا هو مَعْنى الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. وأضافَ تَعالى المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ القَوْلَ يَقْتَضِيهِ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَمَقْتُ]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ أو لامَ القَسَمِ، وهو أصْوَبُ. و[أكْبَرُ] خَبَرُ الِابْتِداءِ. والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "مَقَتَكم إذْ"، وقَدَّرَهُ قَوْمٌ: "اذْكُرُوا إذْ"، وذَلِكَ ضَعِيفٌ يَحُلُّ رَبْطَ الكَلامِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ مَقْتَ اللهِ لَهم هو في الآخِرَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، فَيَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ المُضْمَرُ: "اذْكُرُوا"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَقْتُ" لِأنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ قَدْ حالَ بَيْنَ "المَقْتِ" و"إذْ"، إذْ هي في صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: أرادُوا بِمَوْتِهِمْ كَوْنَهم ماءً في (p-٤٢٦)الأصْلابِ، ثُمَّ أحْياءَهم في الدُنْيا، ثُمَّ إماتَتَهُمُ المَوْتَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ إحْياءَهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا وهي كالَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨]، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وقْتَ أخْذِهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أحْياهم في الدُنْيا، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ الإحْياءَ فِيهِ ثَلاثُ مَرّاتٍ.

وقالَ السُدِّيُّ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم في الدُنْيا ثُمَّ أماتَهُمْ، تَمَّ أحْياهم في القُبُورِ وقْتَ سُؤالِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ ثُمَّ أماتَهم فِيهِ، ثُمَّ أحْياهم في الحَشْرِ. وهَذا أيْضًا يَدْخُلُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي في القَوْلِ قَبْلَهُ، والأوَّلُ أثْبَتُ الأقْوالِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أرادُوا أنَّ الكافِرَ في الدُنْيا هو حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ، فَكَأنَّ حالَهم في الدُنْيا جَمَعَتْ إحْياءً وإماتَةً، ثُمَّ أماتَهم حَقِيقَةً، ثُمَّ أحْياهم بِالبَعْثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والخِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ مَقُولٌ كُلُّهُ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ مِنها أنَّ مَعْناها مُنْقَطِعٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الآيَتانِ مُتَّصِلَتا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ كُفْرَهم في الدُنْيا كانَ أيْضًا بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا حَشْرَ ولا عَذابَ، ومَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما عَظَّمَهُ، لِأنَّ هَذا المُعْتَقَدَ كَذِبُهُمْ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَقَتَهم لِأنْفُسِهِمْ ورَأوا خِزْيًا طَوِيلًا عَرِيضًا، رَجَعُوا إلى المَعْنى الَّذِي كانَ كُفْرُهم بِهِ وهو البَعْثُ، وخَرَجَ الوُجُودُ مُقْتَرِنًا بِعَذابِهِمْ، فَأقَرُّوا بِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: كُنّا قَدْ كَفْرَنا بِإنْكارِنا البَعْثَ، ونَحْنُ اليَوْمُ نُقِرُّ أنَّكَ أحْيَيْتِنا اثْنَتَيْنِ وأمَتَّنا اثْنَتَيْنِ، كَأنَّهم قَصَدُوا تَعْظِيمَ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِرْضاءَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا عَقِبَ هَذا الإقْرارِ طَمَعًا مِنهُمْ، فَها نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِنا، فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ؟ وهَذا كَما تُكَلِّفُ إنْسانًا أنْ يُقِرَّ لَكَ بِحَقٍّ وهو يُنْكِرُ، فَإذا رَأى الغَلَبَةَ وصُرِعَ، أقَرَّ بِذَلِكَ (p-٤٢٧)الأمْرَ مُتَمَّمًا أوفى مِمّا كُنْتَ تَطْلُبُهُ بِهِ أوَّلًا، وفِيما بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: لا إسْعافَ لِطَلَبَتِكُمْ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ الرَدِّ والزَجْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أو إلى المَنعِ والزَجْرِ والإهانَةِ الَّتِي قُلْنا إنَّها مَقَدَّرَةٌ مَحْذُوفَةُ الذِكْرِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِ اللهِ تَعالى إيّاهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ بِـ"ذَلِكُمْ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ فى الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ عامَّةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: بِحالَةِ تَوْحِيدٍ ونَفْيٍ لِما سِواهُ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: إذا ذُكِرَتِ اللاتُ والعُزّى وغَيْرُهُما صَدَّقْتُمْ واسْتَقَرَّتْ نُفُوسُكُمْ، فالحُكْمُ اليَوْمَ بِعَذابِكم وتَخْلِيدِكم في النارِ لِلَّهِ لا لِتِلْكَ الَّتِي كُنْتُمْ تُشْرِكُونَها مَعَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، و"العَلِيِّ الكَبِيرِ" صِفَتا مَدْحٍ لا في المَكانِ ومُضادَّةِ السُفْلِ والصِغَرِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ في مَعْنى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وتَبْيِينِ عَلاماتِ ذَلِكَ. وآياتُ اللهِ: تَعُمُّ آياتِ قُدْرَتِهِ وآياتِ قُرْآنِهِ والمُعْجِزاتِ الظاهِرَةِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وتَنْزِيلُ الرِزْقِ: هو في تَنْزِيلِ المَطَرُ وفي تَنْزِيلِ القَضاءِ والحُكْمِ، بِنَيْلِ ما يَنالُهُ المَرْءُ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "[وَيُنْزِلُ]" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى وجَماعَةٌ بِالتَشْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ: وما يَتَذَكَّرُ تَذَكُّرًا يُعْتَدُّ بِهِ ويَنْفَعُ صاحِبَهُ؛ لِأنّا نَجِدُ مَن لا يُنِيبُ يَتَذَكَّرُ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ عُدَّ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، و"ادْعُوا": مَعْناهُ: اعْبُدُوا.

(p-٤٢٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدَرَجاتِ صِفاتَهُ العُلى، وعَبَّرَ تَعالى بِما يَقْرُبُ لِأفْهامِ السامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: رَفِيعُ الدَرَجاتِ الَّتِي يُعْطِيها لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَتَفَضَّلُ بِها عَلى عِبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ. و"العَرْشُ" هو الجِسْمُ المَخْلُوقُ الأعْظَمُ، الَّذِي السَماواتُ السَبْعُ والأرَضُونَ فِيهِ كالدَنانِيرِ في الفَلاةِ مِنَ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏. قالَ الضَحّاكُ: الرُوحُ هُنا هو الوَحْيُ والقُرْآنُ وغَيْرُهُ مِمّا لَمْ يُتْلَ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الرُوحُ النُبُوَّةُ ومَكانَتُها، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسَمّى هَذا رُوحًا لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الأُمَمَ والأزْمانَ كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِرُوحِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرَوْحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِهِ الإيمانَ والمَعْقُولاتِ الشَرْعِيَّةِ. والمُقَدَّرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - هو اللهُ تَعالى. قالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ الناسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ كالمَيِّتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ إنْ جَعَلْتَهُ جِنْسًا لِلْأُمُورِ فَـ"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإنْ جَعْلَنا الأمْرَ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَـ"مِن" إمّا لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَعْنى الباءِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بَتَّةً.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وجَماعَةٌ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ وكَسْرِ الذالِ، وفي الفِعْلِ ضَمِيرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أو عَلى الرُوحِ، أو عَلى "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "لِيُنْذَرَ" بِالياءِ وفَتْحِ الذالِ، وضَمِّ المِيمِ مِن "يَوْمُ"، وجَعَلَ اليَوْمَ مُنْذِرًا عَلى الِاتِّساعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"يَوْمَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وجَماعَةٌ: "التَلاقِ" بِدُونِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: "التَلاقِي" بِالياءِ، والخِلافُ فِيها كالخِلافِ الَّذِي مَرَّ في "يَوْمِ التَنادِ"، ومَعْناهُ: تَلاقِي جَمِيعِ العالِمِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: تَلاقِي أهْلِ السَماءِ وأهْلِ الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَلاقِي الناسِ مَعَ بارِئِهِمْ، وهَذا المَعْنى الأخِيرُ هو أشَدُّها تَخْوِيفًا، وقِيلَ: يَلْتَقِي المَرْءُ وعَمَلَهُ.

(p-٤٢٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ويَسْمَعُهُمُ الداعِي، ونُصِبَ "يَوْمَ" عَلى البَدَلِ مِنَ الأوَّلِ، فَهو نَصْبُ المَفْعُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَرْفِ ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةَ بَنِاءٍ؛ لِأنَّ الظَرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَيَوْمِئِذٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

وكَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ١١٩]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ أمْرٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: "جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ" فَلا يَجُوزُ البِناءُ،فَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مِن بَواطِنِهِمْ وسَرائِرِهِمْ ودَعَواتَ صُدُورِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: [لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ] بِضَمِيرِ بَدَلِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏. رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَقْرِيرَ ويَسْكُتُ (p-٤٣٠)العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ هو نَفْسَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، قالَ الحَسَنُ: هو تَعالى السائِلُ وهو المُجِيبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ فَيُجِيبُ العالَمُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: يُنادِي بِالتَقْرِيرِ مَلَكٌ فَيُجِيبُ الناسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإذا تَأمَّلَ المُؤْمِنُ أنَّهُ لا حَوْلَ لِمَخْلُوقٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، فالزَمانُ كُلُّهُ وأيّامُ الدَهْرِ أجْمَعُ إنَّما المُلْكُ فِيها لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ يَتَّضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ تَسْخِيرَ أهْلِ السَمَواتِ وعِبادَتِهِمْ ونُفُوذِ القَضاءِ في الأرْضِ فَأيُّ مُلْكٍ لِغَيْرِ اللهِ؟

ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ المَوْقِفِ بِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ بِالأعْمالِ صالِحِها وسَيِّئِها، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ، وأنَّهُ يَوْمٌ لا يُوضَعُ فِيهِ أمْرٌ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏. ثُمَّ أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وتِلْكَ عِبارَةٌ عن إحاطَتِهِ بِالأشْياءِ عِلْمًا، فَهو يُحاسَبُ الخَلائِقَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَرْزُقُهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وفِكْرٍ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقْبَلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النارِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So invoke Allah, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

هَذا ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ في مَعْنى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وتَبْيِينِ عَلاماتِ ذَلِكَ. وآياتُ اللهِ: تَعُمُّ آياتِ قُدْرَتِهِ وآياتِ قُرْآنِهِ والمُعْجِزاتِ الظاهِرَةِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وتَنْزِيلُ الرِزْقِ: هو في تَنْزِيلِ المَطَرُ وفي تَنْزِيلِ القَضاءِ والحُكْمِ، بِنَيْلِ ما يَنالُهُ المَرْءُ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "[وَيُنْزِلُ]" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى وجَماعَةٌ بِالتَشْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ: وما يَتَذَكَّرُ تَذَكُّرًا يُعْتَدُّ بِهِ ويَنْفَعُ صاحِبَهُ؛ لِأنّا نَجِدُ مَن لا يُنِيبُ يَتَذَكَّرُ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ عُدَّ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، و"ادْعُوا": مَعْناهُ: اعْبُدُوا.

(p-٤٢٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدَرَجاتِ صِفاتَهُ العُلى، وعَبَّرَ تَعالى بِما يَقْرُبُ لِأفْهامِ السامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: رَفِيعُ الدَرَجاتِ الَّتِي يُعْطِيها لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَتَفَضَّلُ بِها عَلى عِبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ. و"العَرْشُ" هو الجِسْمُ المَخْلُوقُ الأعْظَمُ، الَّذِي السَماواتُ السَبْعُ والأرَضُونَ فِيهِ كالدَنانِيرِ في الفَلاةِ مِنَ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏. قالَ الضَحّاكُ: الرُوحُ هُنا هو الوَحْيُ والقُرْآنُ وغَيْرُهُ مِمّا لَمْ يُتْلَ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الرُوحُ النُبُوَّةُ ومَكانَتُها، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسَمّى هَذا رُوحًا لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الأُمَمَ والأزْمانَ كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِرُوحِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرَوْحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِهِ الإيمانَ والمَعْقُولاتِ الشَرْعِيَّةِ. والمُقَدَّرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - هو اللهُ تَعالى. قالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ الناسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ كالمَيِّتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ إنْ جَعَلْتَهُ جِنْسًا لِلْأُمُورِ فَـ"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإنْ جَعْلَنا الأمْرَ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَـ"مِن" إمّا لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَعْنى الباءِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بَتَّةً.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وجَماعَةٌ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ وكَسْرِ الذالِ، وفي الفِعْلِ ضَمِيرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أو عَلى الرُوحِ، أو عَلى "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "لِيُنْذَرَ" بِالياءِ وفَتْحِ الذالِ، وضَمِّ المِيمِ مِن "يَوْمُ"، وجَعَلَ اليَوْمَ مُنْذِرًا عَلى الِاتِّساعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"يَوْمَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وجَماعَةٌ: "التَلاقِ" بِدُونِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: "التَلاقِي" بِالياءِ، والخِلافُ فِيها كالخِلافِ الَّذِي مَرَّ في "يَوْمِ التَنادِ"، ومَعْناهُ: تَلاقِي جَمِيعِ العالِمِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: تَلاقِي أهْلِ السَماءِ وأهْلِ الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَلاقِي الناسِ مَعَ بارِئِهِمْ، وهَذا المَعْنى الأخِيرُ هو أشَدُّها تَخْوِيفًا، وقِيلَ: يَلْتَقِي المَرْءُ وعَمَلَهُ.

(p-٤٢٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ويَسْمَعُهُمُ الداعِي، ونُصِبَ "يَوْمَ" عَلى البَدَلِ مِنَ الأوَّلِ، فَهو نَصْبُ المَفْعُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَرْفِ ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةَ بَنِاءٍ؛ لِأنَّ الظَرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَيَوْمِئِذٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

وكَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ١١٩]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ أمْرٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: "جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ" فَلا يَجُوزُ البِناءُ،فَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مِن بَواطِنِهِمْ وسَرائِرِهِمْ ودَعَواتَ صُدُورِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: [لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ] بِضَمِيرِ بَدَلِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏. رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَقْرِيرَ ويَسْكُتُ (p-٤٣٠)العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ هو نَفْسَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، قالَ الحَسَنُ: هو تَعالى السائِلُ وهو المُجِيبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ فَيُجِيبُ العالَمُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: يُنادِي بِالتَقْرِيرِ مَلَكٌ فَيُجِيبُ الناسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإذا تَأمَّلَ المُؤْمِنُ أنَّهُ لا حَوْلَ لِمَخْلُوقٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، فالزَمانُ كُلُّهُ وأيّامُ الدَهْرِ أجْمَعُ إنَّما المُلْكُ فِيها لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ يَتَّضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ تَسْخِيرَ أهْلِ السَمَواتِ وعِبادَتِهِمْ ونُفُوذِ القَضاءِ في الأرْضِ فَأيُّ مُلْكٍ لِغَيْرِ اللهِ؟

ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ المَوْقِفِ بِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ بِالأعْمالِ صالِحِها وسَيِّئِها، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ، وأنَّهُ يَوْمٌ لا يُوضَعُ فِيهِ أمْرٌ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏. ثُمَّ أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وتِلْكَ عِبارَةٌ عن إحاطَتِهِ بِالأشْياءِ عِلْمًا، فَهو يُحاسَبُ الخَلائِقَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَرْزُقُهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وفِكْرٍ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقْبَلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النارِ.

You read 40:12–14 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Ghāfir 40:12