All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Al-Maʿārij 70:31 Juzʾ 29 Page 569

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But whoever seeks beyond that, then they are the transgressors -

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

(p-٤٠٨)قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ، وقَوْمٌ: "الحَقُّ المَعْلُومُ" هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الحُقُوقِ الَّتِي سِوى الزَكاةِ، وهي ما نَدَبَتِ الشَرِيعَةُ إلَيْهِ مِنَ المُواساةِ، وقَدْ قالَ ابْنُ عُمَرَ، والثَعْلَبِيُّ، ومُجاهِدٌ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَكاةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا هو الأصَحُّ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ وفَرْضُ الزَكاةِ وبَيانُها إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ.

و"السائِلُ": المُتَكَفِّفُ، "والمَحْرُومُ": الَّذِي قَدْ ثَبَتَ فَقْرُهُ ولَمْ تَنْجَحْ سِعايَتُهُ لِدُنْياهُ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: هو الَّذِي لا يَكادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَحْرُومُ مَنِ احْتَرَقَ زَرَعَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: المَحْرُومُ مَن ماتَتْ ماشِيَتِهِ.

وهَذِهِ أنْواع الحِرْمانِ، لا أنَّ الِاسْمَ يَسْتَلْزِمُ هَذا خاصَّةً.

وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المَحْرُومُ: الكَلْبُ، أرادَ، واللهُ أعْلَمُ، أنْ يُعْطِيَ مِثالًا مِنَ الحَيَوانِ ذِي الكَبِدِ الرَطْبَةِ لِما فِيهِ مِنَ الأجْرِ حَسَبَ الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: أعْيانِي أنْ أعْلَمَ ما المَحْرُومُ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ وهو ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً سَألْتُ عنهُ وأنا غُلامٌ فَما وجَدْتُ شِفاءً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَرْحَمُ اللهُ الشَعْبِيَّ فَإنَّهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَحْرُومٌ، ولَوْ أخَذَهُ اسْمُ جِنْسِ فِيمَن عَسَرَتْ مَطالِبُهُ بِأنَّ لَهُ، وإنَّما كانَ يَطْلُبُهُ نَوْعًا مَخْصُوصًا كالسائِلِ.

و"يَوْمَ الدِينِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ، والدِينُ: الجَزاءُ، (p-٤٠٩)كَما تَقُولُ العَرَبُ: "كَما تَدِينُ تُدانُ". ومِنهُ قَوْلُ الفَنَدِ الزَمانِيِّ:

؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا

و"الإشْفاقُ" الخَوْفُ مِن أمْرٍ يُتَوَقَّعُ؛ لِأنَّ نَيْلَ عَذابِ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَوَقَّعٌ، والأكْثَرُ ناجٍ بِحَمْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، لَكِنَّ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَأْمَنُهُ إلّا مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ. وُ"الفُرُوجُ" في هَذِهِ الآيَةِ هي الفُرُوجُ المَعْرُوفَةُ، والمَعْنى: "يَحْفَظُونَها" مِنَ الزِنى، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أرادَ فَرُوجَ الثِيابِ، وإلى مَعْنى الوَطْءِ يَعُودُ، ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى الوَطْءَ الَّذِي أباحَهُ الشَرْعُ في الزَوْجاتِ والمَمْلُوكاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏، حَسَنٌ دُخُولُ "عَلى" في هَذا المَوْضُوعِ قَوْلُهُ تَعالى: "غَيْرُ مَلُومِينَ"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا أنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى أزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ابْتَغى" مَعْناهُ: طَلَبَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَراءَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: سِوى ما ذَكَرَ، كَأنَّهُ أمْرٌ قَدْ حُدَّ فِيهِ حَدٌّ فَمَن طَلَبَ بُغْيَتَهُ وراءَ الحَدِّ فَهو كَمُسْتَقْبَلٍ حُدَّ في (p-٤١٠)الأجْرامِ وهو يَتَعَدّى وراءَهُ أيْ: خَلْفَهُ، و"العادُونَ": الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ حُدُودَ الأشْياءِ الَّتِي لَها حُدُودٌ، كانَ ذَلِكَ في الأجْرامِ أو في المَعْنى.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And those who are to their trusts and promises attentive

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

"الأماناتُ" جَمْعُ أمانَةٍ، وجَمَعَها لِأنَّها تَكُونُ مُتَنَوِّعَةً مِن حَيْثُ هي في الأمْوالِ والأسْرارِ، وفِيما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ فِيما أمَرَهُ ونَهاهُ عنهُ، قالَ الحَسَنُ: الدِينُ كُلُّهُ أمانَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "لِأمانَتِهِمْ" بِالإفْرادِ، و"العَهْدُ": كُلُّ ما تَقَلَّدَهُ الإنْسانُ مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ أو مَوَدَّةٍ، إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى طَرِيقِ البَرِّ فَهو عَهْدٌ يَنْبَغِي رَعْيُهُ وحِفْظُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "حَسَنُ العَهْدِ مِنَ الإيمانِ".» و"راعُونَ" جَمْعُ راعٍ أيْ: حافِظٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ -فِي قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ- أنَّهم يَحْفَظُونَ ما يَشْهَدُونَ فِيهِ ويَتَيَقَّنُونَهُ ويَقُومُونَ بِمَعانِيهِ حَتّى لا يَكُونَ لَهم فِيهِ تَقْصِيرٌ، وهَذا هو وصْفٌ مِن تَمْثِيلِ قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ « "عَلى مِثْلِ الشَمْسِ فاشْهَدْ"،» وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الَّذِينَ إذا كانَتْ عِنْدَهم شَهادَةٌ ورَأوا حَقًّا يَدْرُسُ، أو حُرْمَةً لِلَّهِ تَعالى تُنْتَهَكُ قامُوا بِشَهادَتِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: شَهادَتُهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ الشُهَداءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يَسْألَها".» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا في الآيَةِ: إحْداهُما أنْ يَكُونَ يَحْفَظُهُما مُتْقَنَةٌ فَيَأْتِي بِها ولا يَحْتاجُ أنْ يُسْتَفْهَمَ (p-٤١١)عن شَيْءٍ مِنها ولا أنْ يُعارِضَ، والثانِي إذا ما رَأى حَقًّا يَعْمَلُ بِخِلافِهِ وعِنْدَهُ في إحْياءِ الحَقِّ شَهادَةٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "سَيَأْتِي قَوْمٌ يُخَوَّنُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِمَنُ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ يَتَعَرَّضُونَ ويَحْرِصُونَ عَلى وضْعِ أسْمائِهِمْ في وثائِقِ الناسِ، ويَنْصِبُونَ لِذَلِكَ الحَبائِلَ مِن زِيٍّ وهَيْئَةٍ، وهم غَيْرُ عُدُولٍ في أنْفُسِهِمْ، فَيَغُرُّونَ بِذَلِكَ ويَضُرُّونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا في ابْتِداءِ الشَهادَةِ لا في أدائِها، ويَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَلا يُسْتَشْهَدُونَ"،» أيْ: وهم غَيْرُ أهْلِ لِذَلِكَ.

وقالَ آخَرُونَ مِنَ العُلَماءِ: هم شُهُودُ الزُورِ، يُؤَدُّونَها والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُشْهِدْهم ولا الآخَرُ.

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِشَهاداتِهِمْ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، والباقُونَ "بِشَهادَتِهِمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ. و"المُحافَظَةُ عَلى الصَلاةِ" إقامَتُها في أوقاتِها بِشُرُوطِ صِحَّتِها وكَمالِها، وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ: يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ التَطَوُّعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةُ. نَزَلَتْ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ أحْيانًا ويَقْرَأُ القُرْآنَ، فَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ يَقُومُونَ مِن مَجالِسِهِمْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ يَتَسَمَّعُونَ قِراءَتَهُ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: شاعِرٌ وكاهِنٌ ومُفْتَرٍ وغَيْرُ ذَلِكَ. و"قِبَلَكَ" مَعْناهُ: فِيما يَلِيكَ، و"المُهْطِعُ" الَّذِي يَمْشِي مُسْرِعًا إلى شيءٍ قَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِبَصَرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَطْرِفُ.

(p-٤١٢)وَ"عِزِينَ" جَمْعُ عِزَّةٍ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: أصْلُها عِزْوَةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ، أصْلُها عِزْهَةٌ وجُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا مِمّا انْحَذَفَ مِنها نَحْوُ سَنَةٍ وسُنُونَ، ومَعْنى العِزَّةِ: الجَمْعُ اليَسِيرُ، فَكَأنَّهم قالُوا: ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً، ومِنهُ قَوْلُ الراعِي:

؎ أخَلِيفَةُ الرَحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ النَبِيُّ ﷺ عَلى أصْحابِهِ وهم حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: "ما لِي أراكم عِزِينَ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ نَزَلَتْ لِأنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَتْ: إنْ كانَتْ ثَمَّ آخِرَةً وجَنَّةً فَنَحْنُ أهْلُها وفِيها؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْنا في الدُنْيا بِالمالِ والبَنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ إلّا لِرِضاهُ عَنّا. وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، والجُمْهُورُ: "يَدْخُلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ: "يَدْخُلُ" بِفَتْحِ وضَمِّ الخاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وطَمَعِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَلْقِهِمْ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ، فَأحالَ في العِبارَةِ عنها إلى عِلْمِ الناسِ، أيْ: مِن خُلِقَ مِن ذَلِكَ فَلَيْسَ بِنَفْسِ خَلْقِهِ يُعْطى الجَنَّةَ، بَلْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ إنْ كانَتْ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِها: إنَّما خُلِقْتَ مِن قَذَرٍ يا ابْنَ آدَمَ فاتَّقِ اللهَ تَعالى، وقالَ أنَسٌ: كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا خَطَبَنا ذَكَرَ مَناتِنَ ابْنِ آدَمَ، ومُرُورَهُ في مَجْرى البَوْلِ مَرَّتَيْنِ، وكَوْنَهُ نُطْفَةً في الرَحِمِ ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَخْرُجَ فَيَتَلَوَّثَ في نَجَساتِهِ طِفْلًا، فَلا يُقْلِعُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حَتّى يَقْذِرَ أحَدُنا نَفْسَهُ.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And those who are in their testimonies upright

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

"الأماناتُ" جَمْعُ أمانَةٍ، وجَمَعَها لِأنَّها تَكُونُ مُتَنَوِّعَةً مِن حَيْثُ هي في الأمْوالِ والأسْرارِ، وفِيما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ فِيما أمَرَهُ ونَهاهُ عنهُ، قالَ الحَسَنُ: الدِينُ كُلُّهُ أمانَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "لِأمانَتِهِمْ" بِالإفْرادِ، و"العَهْدُ": كُلُّ ما تَقَلَّدَهُ الإنْسانُ مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ أو مَوَدَّةٍ، إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلى طَرِيقِ البَرِّ فَهو عَهْدٌ يَنْبَغِي رَعْيُهُ وحِفْظُهُ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "حَسَنُ العَهْدِ مِنَ الإيمانِ".» و"راعُونَ" جَمْعُ راعٍ أيْ: حافِظٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ -فِي قَوْلِ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ- أنَّهم يَحْفَظُونَ ما يَشْهَدُونَ فِيهِ ويَتَيَقَّنُونَهُ ويَقُومُونَ بِمَعانِيهِ حَتّى لا يَكُونَ لَهم فِيهِ تَقْصِيرٌ، وهَذا هو وصْفٌ مِن تَمْثِيلِ قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ « "عَلى مِثْلِ الشَمْسِ فاشْهَدْ"،» وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: الَّذِينَ إذا كانَتْ عِنْدَهم شَهادَةٌ ورَأوا حَقًّا يَدْرُسُ، أو حُرْمَةً لِلَّهِ تَعالى تُنْتَهَكُ قامُوا بِشَهادَتِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: شَهادَتُهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ الشُهَداءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يَسْألَها".» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ بِحَسَبِ المَعْنَيَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْنا في الآيَةِ: إحْداهُما أنْ يَكُونَ يَحْفَظُهُما مُتْقَنَةٌ فَيَأْتِي بِها ولا يَحْتاجُ أنْ يُسْتَفْهَمَ (p-٤١١)عن شَيْءٍ مِنها ولا أنْ يُعارِضَ، والثانِي إذا ما رَأى حَقًّا يَعْمَلُ بِخِلافِهِ وعِنْدَهُ في إحْياءِ الحَقِّ شَهادَةٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "سَيَأْتِي قَوْمٌ يُخَوَّنُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِمَنُ"،» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ يَتَعَرَّضُونَ ويَحْرِصُونَ عَلى وضْعِ أسْمائِهِمْ في وثائِقِ الناسِ، ويَنْصِبُونَ لِذَلِكَ الحَبائِلَ مِن زِيٍّ وهَيْئَةٍ، وهم غَيْرُ عُدُولٍ في أنْفُسِهِمْ، فَيَغُرُّونَ بِذَلِكَ ويَضُرُّونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا في ابْتِداءِ الشَهادَةِ لا في أدائِها، ويَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَلا يُسْتَشْهَدُونَ"،» أيْ: وهم غَيْرُ أهْلِ لِذَلِكَ.

وقالَ آخَرُونَ مِنَ العُلَماءِ: هم شُهُودُ الزُورِ، يُؤَدُّونَها والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ لَمْ يُشْهِدْهم ولا الآخَرُ.

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِشَهاداتِهِمْ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، والباقُونَ "بِشَهادَتِهِمْ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ. و"المُحافَظَةُ عَلى الصَلاةِ" إقامَتُها في أوقاتِها بِشُرُوطِ صِحَّتِها وكَمالِها، وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ: يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ التَطَوُّعُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةُ. نَزَلَتْ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ أحْيانًا ويَقْرَأُ القُرْآنَ، فَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الكُفّارِ يَقُومُونَ مِن مَجالِسِهِمْ مُسْرِعِينَ إلَيْهِ يَتَسَمَّعُونَ قِراءَتَهُ، ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: شاعِرٌ وكاهِنٌ ومُفْتَرٍ وغَيْرُ ذَلِكَ. و"قِبَلَكَ" مَعْناهُ: فِيما يَلِيكَ، و"المُهْطِعُ" الَّذِي يَمْشِي مُسْرِعًا إلى شيءٍ قَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِبَصَرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يَطْرِفُ.

(p-٤١٢)وَ"عِزِينَ" جَمْعُ عِزَّةٍ، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: أصْلُها عِزْوَةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ، أصْلُها عِزْهَةٌ وجُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا مِمّا انْحَذَفَ مِنها نَحْوُ سَنَةٍ وسُنُونَ، ومَعْنى العِزَّةِ: الجَمْعُ اليَسِيرُ، فَكَأنَّهم قالُوا: ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً، ومِنهُ قَوْلُ الراعِي:

؎ أخَلِيفَةُ الرَحْمَنِ إنَّ عَشِيرَتِي ∗∗∗ أمْسى سُراتُهم إلَيْكَ عِزِينا

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ النَبِيُّ ﷺ عَلى أصْحابِهِ وهم حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقالَ: "ما لِي أراكم عِزِينَ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ نَزَلَتْ لِأنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَتْ: إنْ كانَتْ ثَمَّ آخِرَةً وجَنَّةً فَنَحْنُ أهْلُها وفِيها؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْنا في الدُنْيا بِالمالِ والبَنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ إلّا لِرِضاهُ عَنّا. وقَرَأ السَبْعَةُ، والحَسَنُ، والجُمْهُورُ: "يَدْخُلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وأبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ: "يَدْخُلُ" بِفَتْحِ وضَمِّ الخاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ وطَمَعِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن خَلْقِهِمْ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ، فَأحالَ في العِبارَةِ عنها إلى عِلْمِ الناسِ، أيْ: مِن خُلِقَ مِن ذَلِكَ فَلَيْسَ بِنَفْسِ خَلْقِهِ يُعْطى الجَنَّةَ، بَلْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ إنْ كانَتْ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِها: إنَّما خُلِقْتَ مِن قَذَرٍ يا ابْنَ آدَمَ فاتَّقِ اللهَ تَعالى، وقالَ أنَسٌ: كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا خَطَبَنا ذَكَرَ مَناتِنَ ابْنِ آدَمَ، ومُرُورَهُ في مَجْرى البَوْلِ مَرَّتَيْنِ، وكَوْنَهُ نُطْفَةً في الرَحِمِ ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى أنْ يَخْرُجَ فَيَتَلَوَّثَ في نَجَساتِهِ طِفْلًا، فَلا يُقْلِعُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حَتّى يَقْذِرَ أحَدُنا نَفْسَهُ.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And those who [carefully] maintain their prayer:

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

They will be in gardens, honored.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

Loading…

You read 70:31–35 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Maʿārij 70:31