All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Baqarah 2:29 Juzʾ 1 Page 5

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النِّعْمَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي عَمَّتِ المُكَلَّفِينَ بِأسْرِهِمْ وما أحْسَنَ ما رَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا التَّرْتِيبَ؛ فَإنَّ الِانْتِفاعَ بِالأرْضِ والسَّماءِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الحَياةِ، فَلِهَذا ذَكَرَ اللَّهُ أمْرَ الحَياةِ أوَّلًا ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ، أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢١]، وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُورَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏ لِأجْلِ انْتِفاعِنا في الدِّينِ والدُّنْيا، أمّا في الدُّنْيا فَلِيُصْلِحَ أبْدانَنا ولِنَتَقَوّى بِهِ عَلى الطّاعاتِ، وأمّا في الدِّينِ فَلِلِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ والِاعْتِبارِ بِها، وجَمَعَ بِقَوْلِهِ:

صفحة ١٤٢
‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ جَمِيعَ المَنافِعِ، فَمِنها ما يَتَّصِلُ بِالحَيَوانِ والنَّباتِ والمَعادِنِ والجِبالِ، ومِنها ما يَتَّصِلُ بِضُرُوبِ الحِرَفِ والأُمُورِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها العُقَلاءُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما خَلَقَها كَيْ يُنْتَفَعَ بِها، كَما قالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم، وكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وقَدْ خَلَقَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا، أوْ يُقالُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإعادَةِ وقَدْ أحْياكم بَعْدَ مَوْتِكم، ولِأنَّهُ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا، فَكَيْفَ يَعْجَزُ عَنْ إعادَتِكم، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَفاصِيلَ هَذِهِ المَنافِعِ في سُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ كَما قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [عبس: ٢٥]، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]، إلى آخِرِهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَفْعَلُ فِعْلًا لِغَرَضٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَكْمَلًا بِذَلِكَ الغَرَضِ، والمُسْتَكْمَلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإنْ قِيلَ: فِعْلُهُ تَعالى مُعَلَّلٌ بِغَرَضٍ غَيْرِ عائِدٍ إلَيْهِ بَلْ إلى غَيْرِهِ، قُلْنا: عَوْدُ ذَلِكَ الغَرَضِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ، هَلْ هو أوْلى لِلَّهِ تَعالى مِن عَوْدِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلَيْهِ أوْ لَيْسَ أوْلى ؟ فَإنْ كانَ أوْلى فَهو تَعالى قَدِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ الفِعْلِ فَيَعُودُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الغَرَضِ المَذْكُورِ لِذَلِكَ الغَيْرِ غَرَضًا لِلَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ.

وثانِيها: أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ كانَ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ إلّا بِواسِطَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ، والعَجْزُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ إنْ كانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الفِعْلِ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا كانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الغَرَضِ لِغَرَضٍ آخَرَ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.

ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ لَكانَ ذَلِكَ الغَرَضُ هو رِعايَةُ مَصْلَحَةِ المُكَلَّفِينَ، ولَوْ تَوَقَّفَتْ فاعِلِيَّتُهُ عَلى ذَلِكَ لَما فَعَلَ ما كانَ مَفْسَدَةً في حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ كَلَّفَ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ.

ثُمَّ إنَّهم تَكَلَّمُوا في اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفي قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأجْلِ الغَرَضِ، لا جَرَمَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَفْظَ الغَرَضِ بِسَبَبِ هَذِهِ المُشابَهَةِ.

* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أهْلُ الإباحَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الكُلَّ لِلْكُلِّ فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ اخْتِصاصٌ بِشَيْءٍ أصْلًا، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قابَلَ الكُلَّ بِالكُلِّ، فَيَقْتَضِي مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ، والتَّعْيِينُ يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، والفُقَهاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ أكْلِ الطِّينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ لَنا ما في الأرْضِ دُونَ نَفْسِ الأرْضِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ في جُمْلَةِ الأرْضِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ في الأرْضِ، فَيَكُونُ جَمْعًا لِلْمَوْضِعَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ المَعادِنَ داخِلَةٌ في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ عُرُوقُ الأرْضِ وما يَجْرِي مَجْرى بَعْضٍ لَها، ولِأنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنَّهُ لا تَصِحُّ الحاجَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإلّا لَكانَ قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لِنَفْسِهِ أيْضًا لا لِغَيْرِهِ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الِاسْتِواءُ في كَلامِ العَرَبِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْتِصابِ وضِدُّهُ الِاعْوِجاجُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فاللَّهُ تَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ، ولِأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ:

صفحة ١٤٣
‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِواءِ العُلُوَّ بِالمَكانِ لَكانَ ذَلِكَ العُلُوُّ حاصِلًا أوَّلًا، ولَوْ كانَ حاصِلًا أوَّلًا لَما كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ ما في الأرْضِ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي التَّراخِيَ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا وجَبَ التَّأْوِيلُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الِاسْتِواءَ هو الِاسْتِقامَةُ، يُقالُ: اسْتَوى العُودُ: إذا قامَ واعْتَدَلَ، ثُمَّ قِيلَ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ آخَرَ، ومِنهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ خَلَقَ بَعْدَ الأرْضِ السَّماءَ ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما زَمانًا ولَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا آخَرَ بَعْدَ خَلْقِهِ الأرْضَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٩، ١٠]، بِمَعْنى تَقْدِيرِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ وتَقْدِيرِ الأقْواتِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: مِنَ الكُوفَةِ إلى المَدِينَةِ عِشْرُونَ يَوْمًا، وإلى مَكَّةَ ثَلاثُونَ يَوْمًا، يُرِيدُ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ هو هَذا القَدْرُ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةُ أيّامٍ عَلى ما قالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] .

* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُ المُلْحِدَةِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، وكَذا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقالَ في سُورَةِ النّازِعاتِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ النّازِعاتِ: ٢٧: ٣٠ ]، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضَ بَعْدَ السَّماءِ، وذَكَرَ العُلَماءُ في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ إلّا أنَّهُ ما دَحاها حَتّى خَلَقَ السَّماءَ؛ لِأنَّ التَّدْحِيَةَ هي البَسْطُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ مُشْكِلٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ فامْتَنَعَ انْفِكاكُ خَلْقِها عَنِ التَّدْحِيَةِ، وإذا كانَتِ التَّدْحِيَةُ مُتَأخِّرَةً عَنْ خَلْقِ السَّماءِ كانَ خَلْقُها أيْضًا لا مَحالَةَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ السَّماءِ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ كُلِّ ما فِيها مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، لَكِنَّ خَلْقَ الأشْياءِ في الأرْضِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَتْ مَدْحُوَّةً، فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقَدُّمَ كَوْنِها مَدْحُوَّةً قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّناقُضُ.

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ خَلْقِ السَّماءِ عَلى الأرْضِ ولا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ تَسْوِيَةُ السَّماءِ مُقَدَّمَةً عَلى خَلْقِ الأرْضِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَزُولُ التَّناقُضُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ خَلْقُ السَّماءِ وتَسْوِيَتُها مُقَدَّمًا عَلى تَدْحِيَةِ الأرْضِ، ولَكِنَّ تَدْحِيَةَ الأرْضِ مُلازِمَةٌ لِخَلْقِ ذاتِ الأرْضِ، فَإنَّ ذاتَ السَّماءِ وتَسْوِيَتَها مُتَقَدِّمَةٌ عَلى ذاتِ الأرْضِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ.

وثالِثُها: وهو الجَوابُ الصَّحِيحُ أنَّ قَوْلَهُ: ”ثُمَّ“ لَيْسَ لِلتَّرْتِيبِ هَهُنا وإنَّما هو عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، مِثالُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ: ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُكَ النِّعَمَ العَظِيمَةَ ثُمَّ رَفَعْتُ قَدْرَكَ ثُمَّ دَفَعْتُ الخُصُومَ عَنْكَ، ولَعَلَّ بَعْضَ ما أخَّرَهُ في الذِّكْرِ قَدْ تَقَدَّمَ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الضَّمِيرُ في ”فَسَوّاهُنَّ“ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ، وسَبْعُ سَماواتٍ تَفْسِيرٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ: رَبَّهُ رَجُلًا، وفائِدَتُهُ أنَّ المُبْهَمَ إذا تَبَيَّنَ كانَ أفْخَمَ وأعْظَمَ مِن أنْ يُبَيَّنَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ إذا أُبْهِمَ تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ، وفي البَيانِ

صفحة ١٤٤
بَعْدَ ذَلِكَ شِفاءٌ لَها بَعْدَ التَّشَوُّفِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى السَّماءِ، والسَّماءُ في مَعْنى الجِنْسِ، وقِيلَ: جَمْعُ سِماءَةٍ، والوَجْهُ العَرَبِيُّ هو الأوَّلُ، ومَعْنى تَسْوِيَتِهِنَّ تَعْدِيلُ خَلْقِهِنَّ وإخْلاؤُهُ مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ وإتْمامُ خَلْقِهِنَّ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ هَهُنا قَدْ دَلَّ عَلى وُجُودِ سَبْعِ سَماواتٍ، وقالَ أصْحابُ الهَيْئَةِ أقْرَبُها إلَيْنا كُرَةُ القَمَرِ، وفَوْقَها كُرَةُ عُطارِدَ، ثُمَّ كُرَةُ الزُّهْرَةِ، ثُمَّ كُرَةُ الشَّمْسِ، ثُمَّ كُرَةُ المِرِّيخِ، ثُمَّ كُرَةُ المُشْتَرِي، ثُمَّ كُرَةُ زُحَلَ، قالُوا: ولا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ هَذا التَّرْتِيبِ إلّا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: السِّتْرُ، وذَلِكَ أنَّ الكَوْكَبَ الأسْفَلَ إذا مَرَّ بَيْنَ أبْصارِنا وبَيْنَ الكَوْكَبَ الأعْلى فَإنَّهُما يَصِيرانِ كَكَوْكَبٍ واحِدٍ، ويَتَمَيَّزُ السّاتِرُ عَنِ المَسْتُورِ بِكَوْنِهِ الغالِبَ كَحُمْرَةِ المِرِّيخِ وصُفْرَةِ عُطارِدَ، وبَياضِ الزُّهْرَةِ، وزُرْقَةِ المُشْتَرِي، وكُدُورَةِ زُحَلَ، كَما أنَّ القُدَماءَ وجَدُوا القَمَرَ يَكْسِفُ الكَواكِبَ السِّتَّةَ. وكَوْكَبَ عُطارِدَ يَكْسِفُ الزُّهْرَةَ، والزُّهْرَةَ تَكْسِفُ المِرِّيخَ، وهَذا التَّرْتِيبُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ القَمَرِ لِانْكِسافِها بِهِ ولَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها تَحْتَ سائِرِ الكَواكِبِ أوْ فَوْقَها لِأنَّها لا تَنْكَسِفُ بِشَيْءٍ مِنها لِاضْمِحْلالٍ سائِرِ الكَواكِبِ عِنْدَ طُلُوعِها، فَعِنْدَ هَذا ذَكَرُوا طَرِيقَيْنِ:

أحَدُهُما: ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ رَأى الزُّهْرَةَ كَشامَةٍ في صَحِيفَةِ الشَّمْسِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ في وجْهِ الشَّمْسِ شامَةً كَما أنَّهُ حَصَلَ في وجْهِ القَمَرِ المَحْوُ.

الثّانِي: اخْتِلافُ المَنظَرِ، فَإنَّهُ مَحْسُوسٌ لِلْقَمَرِ وعُطارِدَ والزُّهْرَةِ وغَيْرُ مَحْسُوسٍ لِلْمِرِّيخِ والمُشْتَرِي وزُحَلَ، وأمّا في حَقِّ الشَّمْسِ فَإنَّهُ قَلِيلٌ جِدًّا، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّمْسُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ القِسْمَيْنِ. هَذا ما قالَهُ الأكْثَرُونَ، إلّا أنَّ أبا الرَّيْحانِ قالَ في تَلْخِيصِهِ لِفُصُولِ الفَرْغانِيِّ: إنَّ اخْتِلافَ المَنظَرِ لا يُحَسُّ إلّا في القَمَرِ، فَبَطَلَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ وبَقِيَ مَوْضِعُ الشَّمْسِ مَشْكُوكًا. واعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ وأرْبابَ الهَيْئَةِ زَعَمُوا أنَّ الأفْلاكَ تِسْعَةٌ، فالسَّبْعَةُ هي هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْناها، والفَلَكُ الثّامِنُ هو الَّذِي حَصَلَتْ هَذِهِ الكَواكِبُ الثّابِتَةُ فِيهِ، وأمّا الفَلَكُ التّاسِعُ فَهو الفَلَكُ الأعْظَمُ وهو يَتَحَرَّكُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً واحِدَةً بِالتَّقْرِيبِ، واحْتَجُّوا عَلى إثْباتِ الفَلَكِ الثّامِنِ بِأنّا وجَدْنا لِهَذِهِ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ حَرَكاتٍ بَطِيئَةً وثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ فَلَكِها والأفْلاكُ الحامِلَةُ لِهَذِهِ السَّيّاراتِ تَتَحَرَّكُ حَرَكاتٍ سَرِيعَةً فَلا بُدَّ مِن جِسْمٍ آخَرَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً بَطِيئَةً ويَكُونُ هو الحامِلَ لِهَذِهِ الثَّوابِتِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ ضَعِيفَةٌ مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في جِسْمٍ آخَرَ ؟ وهَذا الِاحْتِمالُ لا يَفْسُدُ إلّا بِإفْسادِ المُخْتارِ، ودُونَهُ خَرْطُ القَتادِ.

وثانِيها: سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في مُمَثِّلاتِ السَّيّاراتِ والسَّيّاراتِ مَرْكُوزَةٌ في حَوامِلِها، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يُحْتاجُ إلى إثْباتِ الفَلَكِ الثّامِنِ.

وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفَلَكُ تَحْتَ فَلَكِ القَمَرِ فَيَكُونُ تَحْتَ كُراتِ السَّيّاراتِ لا فَوْقَها، فَإنْ قِيلَ: إنّا نَرى هَذِهِ السَّيّاراتِ تَكْسِفُ هَذِهِ الثَّوابِتَ والكاسِفُ تَحْتَ المَكْسُوفِ لا مَحالَةَ. قُلْنا: هَذِهِ السَّيّاراتُ إنَّما تَكْسِفُ الثَّوابِتَ القَرِيبَةَ مِنَ المِنطَقَةِ فَأمّا الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ القُطْبَيْنِ فَلا، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ المِنطَقَةِ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ الَّذِي هو فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ، وهَذِهِ الثَّوابِتُ القَرِيبَةُ مِنَ القُطْبَيْنِ الَّتِي لا يُمْكِنُ انْكِسافُها بِالسَّيّاراتِ مَرْكُوزَةٌ في كُرَةٍ أُخْرى تَحْتَ كُرَةِ القَمَرِ ؟ وهَذا الِاحْتِمالُ لا دافِعَ لَهُ، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّكم أثْبَتُّمْ هَذِهِ الأفْلاكَ التِّسْعَةَ فَما الَّذِي دَلَّكم عَلى نَفْيِ الفَلَكِ العاشِرِ، أقْصى ما في البابِ أنَّ الرَّصْدَ ما دَلَّ

صفحة ١٤٥
إلّا عَلى هَذا القَدْرِ إلّا أنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنهم: إنَّهُ ما تَبَيَّنَ لِي إلى الآنِ أنَّ كُرَةَ الثَّوابِتِ كُرَةٌ واحِدَةٌ أوْ كُراتٌ مُنْطَوٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وأقُولُ: هَذا الِاحْتِمالُ واقِعٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى وحْدَةِ كُرَةِ الثَّوابِتِ لَيْسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ حَرَكاتِها مُتَشابِهَةٌ ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتْ مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ، وكِلْتا المُقَدِّمَتَيْنِ غَيْرُ يَقِينِيَّتَيْنِ.
أمّا الأُولى: فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في الحِسِّ واحِدَةً ولَكِنْ لَعَلَّها لا تَكُونُ في الحَقِيقَةِ واحِدَةً؛ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ واحِدًا مِنها يُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ. والآخَرُ يُتَمِّمُ الدَّوْرَةَ في مِثْلِ هَذِهِ المُدَّةِ بِنُقْصانِ سَنَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا وزَّعَنا ذَلِكَ النُّقْصانَ عَلى هَذِهِ السِّنِينَ كانَ الَّذِي هو حِصَّةُ السَّنَةِ الواحِدَةِ ثَلاثَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن ألْفٍ ومِائَتَيْ جُزْءٍ مِن واحِدٍ، وهَذا القَدْرُ مِمّا لا يُحَسُّ بِهِ بَلِ العَشْرُ سِنِينَ والمِائَةُ والألْفُ مِمّا لا يُحَسُّ بِهِ البَتَّةَ.

وإذا كانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا سَقَطَ القَطْعُ البَتَّةَ عَنِ اسْتِواءِ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ.

وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّ اسْتِواءَ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ في مَقادِيرِ حَرَكاتِها لا يُوجِبُ كَوْنَها بِأسْرِها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ لِاحْتِمالِ كَوْنِها مَرْكُوزَةً في كُراتٍ مُتَبايِنَةٍ، وإنْ كانَتْ مُشْتَرِكَةً في مَقادِيرِ حَرَكاتِها، وهَذا كَما يَقُولُونَ في مُمَثِّلاتِ أكْثَرِ الكَواكِبِ، فَإنَّها في حَرَكاتِها مُساوِيَةٌ لِفَلَكِ الثَّوابِتِ، فَكَذا هَهُنا.

وأقُولُ: إنَّ هَذا الِاحْتِمالَ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ، فَلَعَلَّ الجِرْمَ المُتَحَرِّكَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ لَيْسَ جِرْمًا واحِدًا بَلْ أجْرامًا كَثِيرَةً، إمّا مُخْتَلِفَةَ الحَرَكاتِ لَكِنْ بِتَفاوُتٍ قَلِيلٍ لا تَفِي بِإدْراكِها أعْمارُنا وأرْصادُنا، وإمّا مُتَساوِيَةً عَلى الإطْلاقِ ولَكِنَّ تَساوِيَها لا يُوجِبُ وِحْدَتَها. ومِن أصْحابِ الهَيْئَةِ مَن قَطَعَ بِإثْباتِ أفْلاكٍ أُخَرَ غَيْرِ هَذِهِ التِّسْعَةِ فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوابِتِ وتَحْتَ الفَلَكِ الأعْظَمِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الرّاصِدِينَ لِلْمَيْلِ الأعْظَمِ وجَدُوهُ مُخْتَلِفَ المِقْدارِ فَكُلُّ مَن كانَ رَصْدُهُ أقْدَمَ وجَدَ مِقْدارَ المَيْلِ أعْظَمَ، فَإنَّ بَطْلَيْمُوسَ وجَدَهُ ”لَحَّ يا“ ثُمَّ وُجِدَ في زَمانِ المَأْمُونِ ”كَحَّ لَهُ“ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ المَأْمُونِ قَدْ تَناقَصَ بِدَقِيقَةٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مِن شَأْنِ المَنطِقَتَيْنِ أنْ يَقِلَّ مَيْلُهُما تارَةً ويَكْثُرَ أُخْرى، وهَذا إنَّما يُمْكِنُ إذا كانَ بَيْنَ كُرَةِ الكُلِّ وكُرَةِ الثَّوابِتِ كُرَةٌ أُخْرى يَدُورُ قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيِ كُرَةِ الكُلِّ وتَكُونُ كُرَةُ الثَّوابِتِ يَدُورُ قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيِ تِلْكَ الكُرَةِ، فَيَعْرِضُ لِقُطْبِها تارَةً أنْ يَصِيرَ إلى جانِبِ الشَّمالِ مُنْخَفِضًا وتارَةً إلى جانِبِ الجَنُوبِ مُرْتَفِعًا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَنْطَبِقَ مُعَدَّلُ النَّهارِ عَلى مَنطِقَةِ البُرُوجِ، وأنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ تارَةً أُخْرى إلى الجَنُوبِ عِنْدَما يَرْتَفِعُ قُطْبُ فَلَكِ الثَّوابِتِ إلى الجَنُوبِ، وتارَةً إلى الشَّمالِ. كَما هو الآنَ.

الثّانِي: أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا في مِقْدارِ سَيْرِ الشَّمْسِ عَلى ما هو مَشْرُوحٌ في ”كُتُبِ النُّجُومِ“ حَتّى إنَّ بَطْلَيْمُوسَ حَكى عَنْ أبْرَخِيسَ أنَّهُ كانَ شاكًّا في أنَّ هَذِهِ العَوْدَةَ تَكُونُ في أزْمِنَةٍ مُتَساوِيَةٍ أوْ مُخْتَلِفَةٍ، وأنَّهُ يَقُولُ في بَعْضِ أقاوِيلِهِ: إنَّها مُخْتَلِفَةٌ، وفي بَعْضِها: إنَّها مُتَساوِيَةٌ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في سَبَبِ اخْتِلافِهِ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ مَن يَجْعَلُ أوْجَ الشَّمْسِ مُتَحَرِّكًا، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي يَلْحَقُ حَرَكَةَ الشَّمْسِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ يَخْتَلِفُ عِنْدَ نُقْطَةِ الِاعْتِدالِ لِاخْتِلافِ بُعْدِها عَنِ الأوْجِ، فَيَخْتَلِفُ زَمانُ سَيْرِ الشَّمْسِ مِن أجْلِهِ.

الثّانِي: قَوْلُ أهْلِ الهِنْدِ والصِّينِ وبابِلَ وأكْثَرِ قُدَماءِ الرُّومِ ومِصْرَ والشّامِ: إنَّ السَّبَبَ فِيهِ انْتِقالُ فَلَكِ

صفحة ١٤٦
البُرُوجِ وارْتِفاعُ قُطْبِهِ وانْحِطاطُهُ، وحُكِيَ عَنْ أبْرَخِيسَ أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ هَذا الرَّأْيَ وذَكَرَ بارِياءُ الإسْكَنْدَرانِيُّ أنَّ أصْحابَ الطَّلْسَماتِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وأنَّ نُقْطَةَ فَلَكِ البُرُوجِ تَتَقَدَّمُ عَنْ مَوْضِعِها وتَتَأخَّرُ ثَمانِ دَرَجاتٍ، وقالُوا: إنَّ ابْتِداءَ الحَرَكَةِ مِن ”كَبَّ“ دَرَجَةً مِنَ الحُوتِ إلى أوَّلِ الحَمَلِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الخَبْطَ مِمّا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعُقُولِ البَشَرِيَّةِ إلى إدْراكِ هَذِهِ الأشْياءِ وأنَّهُ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُ فاطِرِها وخالِقِها، فَوَجَبَ الِاقْتِصارُ فِيهِ عَلى الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَدُلُّ التَّنْصِيصُ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ عَلى نَفْيِ العَدَدِ الزّائِدِ ؟ قُلْنا: الحَقُّ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْأرْضِ وما فِيها ولِلسَّماواتِ وما فِيها مِنَ العَجائِبِ والغَرائِبِ، إلّا إذا كانَ عالِمًا بِها مُحِيطًا بِجُزْئِيّاتِها وكُلِّيّاتِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:

أحَدُها: فَسادُ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، وصِحَّةُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُتَكَلِّمِينَ اسْتَدَلُّوا عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ بِأنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ لِهَذِهِ الأجْسامِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ وكُلُّ فاعِلٍ عَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِما فَعَلَهُ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ بِعَيْنِها ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ كَوْنَهُ عالِمًا، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ قَوْلَ المُتَكَلِّمِينَ في هَذا المَذْهَبِ وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ مُطابِقٌ لِلْقُرْآنِ.

وثانِيها: فَسادُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ أنَّ الخالِقَ لِلشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ والتَّحْدِيدِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ وبِتَفاصِيلِهِ لِأنَّ خالِقَهُ قَدْ خَصَّهُ بِقَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ، والتَّخْصِيصُ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِإرادَةٍ وإلّا فَقَدْ حَصَلَ الرُّجْحانُ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ والإرادَةُ مَشْرُوطَةٌ بِالعِلْمِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.

فَلَوْ كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ لَكانَ عالِمًا بِها وبِتَفاصِيلِها في العَدَدِ والكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَلَمّا لَمْ يَحْصُلْ هَذا العِلْمُ عَلِمْنا أنَّهُ غَيْرُ مُوجِدٍ نَفْسَهُ.

وثالِثُها: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إذا جَمَعْتَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [يوسف: ٧٦] ظَهَرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ، والجَوابُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] خاصٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى كَيْفِيَّةِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا عامًّا عَلى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَيَكُونُ هَذا هو النِّعْمَةَ الثّالِثَةَ مِن تِلْكَ النِّعَمِ العامَّةِ الَّتِي أوْرَدَها في هَذا المَوْضِعِ ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٤٧

المَسْألَةُ الأُولى: في إذْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ إلّا أنَّ العَرَبَ يَعْتادُونَ التَّكَلُّمَ بِها، والقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ.

الثّانِي: وهو الحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما لا مَعْنى لَهُ، وهو نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والمَعْنى: اذْكُرْ لَهم قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ فَأضْمَرَ هَذا لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَشَفَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأحْقافِ: ٢١] وقالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧]، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ١٣، ١٤] والقُرْآنُ كُلُّهُ كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَواضِعُ المُصَرِّحَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلا جَرَمَ تُرِكَ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ المُصَرَّحِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ”إذْ“ بِقالُوا.

* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَلَكُ أصْلُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألَكَنِي إلَيْهِ أيْ أرْسَلَنِي إلَيْهِ، والمَأْلُكَةُ والألُوكَةُ الرِّسالَةُ، وأصْلُهُ الهَمْزَةُ مِن ”مَلْأكَةٍ“ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى ما قَبْلَها طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: المَلائِكُ جَمْعُ مَلْأكٍ عَلى الأصْلِ كالشِّمالِ في جَمْعِ شَمْألٍ وإلْحاقُ التّاءِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في المَلائِكَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكَلامِ في الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ .

الثّانِي: أنَّ المَلَكَ واسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الرَّسُولِ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ والشَّرِيعَةِ فَكانَ مُقَدَّمًا عَلى الرَّسُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في النُّبُوّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الكَلامِ في المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ المَلائِكَةِ بِالعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، فَكانَ الكَلامُ في النُّبُوّاتِ أصْلًا لِلْكَلامِ في المَلائِكَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُ الكَلامِ في النُّبُوّاتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المَلَكُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِالشَّرَفِ والعِلْيَةِ، وبَعْدَهُ في عُقُولِنا وأذْهانِنا بِحَسَبِ وُصُولِنا إلَيْها بِأفْكارِنا.

واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ العُقَلاءِ في أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ العُلْوِيِّ هو وُجُودُ المَلائِكَةِ فِيهِ، كَما أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ هو وُجُودُ الإنْسانِ فِيهِ إلّا أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في ماهِيَّةِ المَلائِكَةِ وحَقِيقَتِهِمْ.

وطَرِيقُ ضَبْطِ المَذاهِبِ أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ ذَواتًا قائِمَةً بِأنْفُسِها، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّواتِ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَحَيِّزَةً أوْ لا تَكُونَ، أمّا الأوَّلُ: وهو أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ ذَواتًا مُتَحَيِّزَةً فَهُنا أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ هَوائِيَّةٌ تَقْدِرُ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ مَسْكَنُها السَّماواتُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُسْلِمِينَ.

وثانِيًا: قَوْلُ طَوائِفَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ وهو أنَّ المَلائِكَةَ هي الحَقِيقَةُ في هَذِهِ الكَواكِبِ المَوْصُوفَةِ بِالإسْعادِ والإنْحاسِ، فَإنَّها بِزَعْمِهِمْ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، وأنَّ المُسْعِداتِ مِنها مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والمُنْحِساتِ مِنها مَلائِكَةُ العَذابِ.

وثالِثُها: قَوْلُ مُعْظَمِ المَجُوسِ والثَّنَوِيَّةِ وهو أنَّ هَذا العالَمَ مُرَكَّبٌ مِن أصْلَيْنِ أزَلِيَّيْنِ وهُما النُّورُ والظُّلْمَةُ، وهُما في الحَقِيقَةِ جَوْهَرانِ شَفّافانِ مُخْتارانِ قادِرانِ مُتَضادّا النَّفْسِ والصُّورَةِ مُخْتَلِفا الفِعْلِ والتَّدْبِيرِ، فَجَوْهَرُ النُّورِ فاضِلٌ خَيِّرٌ نَقِيٌّ طَيِّبُ الرِّيحِ كَرِيمُ النَّفْسِ يَسُرُّ ولا يَضُرُّ، ويَنْفَعُ ولا يَمْنَعُ، ويُحْيِي ولا يُبْلِي، وجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ جَوْهَرَ النُّورِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الأوْلِياءَ وهُمُ المَلائِكَةُ لا عَلى سَبِيلِ التَّناكُحِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ تَوَلُّدِ الحِكْمَةِ مِنَ الحَكِيمِ والضَّوْءِ مِنَ المُضِيءِ، وجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الأعْداءَ وهُمُ الشَّياطِينُ عَلى سَبِيلِ تَوَلُّدِ السَّفَهِ مِنَ السَّفِيهِ، لا عَلى سَبِيلِ التَّناكُحِ، فَهَذِهِ أقْوالُ مَن جَعَلَ المَلائِكَةَ

صفحة ١٤٨
أشْياءَ مُتَحَيِّزَةً جُسْمانِيَّةً.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها ولَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ ولا بِأجْسامٍ فَهَهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ طَوائِفَ مِنَ النَّصارى وهو أنَّ المَلائِكَةَ في الحَقِيقَةِ هي الأنْفُسُ النّاطِقَةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها عَلى نَعْتِ الصَّفاءِ والخَيْرِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إنْ كانَتْ صافِيَةً خالِصَةً فَهي المَلائِكَةُ، وإنْ كانَتْ خَبِيثَةً كَدِرَةً فَهي الشَّياطِينُ.

وثانِيهِما: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ: وهي أنَّها جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها ولَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ البَتَّةَ، وأنَّها بِالماهِيَّةِ مُخالِفَةٌ لِأنْواعِ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأنَّها أكْمَلُ قُوَّةً مِنها وأكْثَرُ عِلْمًا مِنها، وأنَّها لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ جارِيَةٌ مَجْرى الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأضْواءِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجَواهِرَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما هي بِالنِّسْبَةِ إلى أجْرامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ كَنُفُوسِنا النّاطِقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أبْدانِنا، ومِنها ما هي لا عَلى شَيْءٍ مِن تَدْبِيرِ الأفْلاكِ بَلْ هي مُسْتَغْرِقَةٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ومُشْتَغِلَةٌ بِطاعَتِهِ، وهَذا القِسْمُ هُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، ونِسْبَتُهم إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ السَّماواتِ كَنِسْبَةِ أُولَئِكَ المُدَبِّرِينَ إلى نُفُوسِنا النّاطِقَةِ.

فَهَذانَ القِسْمانِ قَدِ اتَّفَقَتِ الفَلاسِفَةُ عَلى إثْباتِهِما، ومِنهم مَن أثْبَتَ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وهي المَلائِكَةُ الأرْضِيَّةُ المُدَبِّرَةُ لِأحْوالِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ إنَّ المُدَبِّراتِ لِهَذا العالَمِ إنْ كانَتْ خَيِّرَةً فَهُمُ المَلائِكَةُ، وإنْ كانَتْ شِرِّيرَةً فَهُمُ الشَّياطِينُ، فَهَذا تَفْصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ في المَلائِكَةِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الحُكْمُ بِوُجُودِها مِن حَيْثُ العَقْلُ أوْ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِالسَّمْعِ ؟ أمّا الفَلاسِفَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ في العَقْلِ دَلائِلَ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ المَلائِكَةِ، ولَنا مَعَهم في تِلْكَ الدَّلائِلِ أبْحاثٌ دَقِيقَةٌ عَمِيقَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في ذَلِكَ وُجُوهًا عَقْلِيَّةً إقْناعِيَّةً ولْنُشِرْ إلَيْها.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ المَلَكِ الحَيِّ النّاطِقِ الَّذِي لا يَكُونُ مَيِّتًا، فَنَقُولُ: القِسْمَةُ العَقْلِيَّةُ تَقْتَضِي وُجُودَ أقْسامٍ ثَلاثَةٍ، فَإنَّ الحَيَّ إمّا أنْ يَكُونَ ناطِقًا ومَيِّتًا مَعًا وهو الإنْسانُ، أوْ يَكُونَ مَيِّتًا ولا يَكُونَ ناطِقًا وهو البَهائِمُ، أوْ يَكُونَ ناطِقًا ولا يَكُونَ مَيِّتًا وهو المَلَكُ، ولا شَكَّ أنَّ أخَسَّ المَراتِبِ هو المَيِّتُ غَيْرُ النّاطِقِ، وأوْسَطُها النّاطِقُ المَيِّتُ، وأشْرَفُها النّاطِقُ الَّذِي لَيْسَ بِمَيِّتٍ، فَإذا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ إيجادَ أخَسِّ المَراتِبِ وأوْسَطِها، فَلِأنْ تَقْتَضِيَ إيجادَ أشْرَفِ المَراتِبِ وأعْلاها كانَ ذَلِكَ أوْلى.

وثانِيها: أنَّ الفِطْرَةَ تَشْهَدُ بِأنَّ عالَمَ السَّماواتِ أشْرَفُ مِن هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَشْهَدُ بِأنَّ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ أشْرَفُ مِن أضْدادِها ومُقابِلَتِها، فَيَبْعُدُ في العَقْلِ أنْ تَحْصُلَ الحَياةُ، والعَقْلُ والنُّطْقُ في هَذا العالَمِ الكَدِرِ الظُّلُمانِيِّ، ولا تَحْصُلُ البَتَّةَ في ذَلِكَ العالَمِ الَّذِي هو عالَمُ الضَّوْءِ والنُّورِ والشَّرَفِ.

وثالِثُها: أنَّ أصْحابَ المُجاهَداتِ أثْبَتُوها مِن جِهَةِ المُشاهَدَةِ والمُكاشَفَةِ، وأصْحابَ الحاجاتِ والضَّرُوراتِ أثْبَتُوها مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي ما يُشاهَدُ مِن عَجائِبِ آثارِها في الهِدايَةِ إلى المُعالَجاتِ النّادِرَةِ الغَرِيبَةِ، وتَرْكِيبِ المَعْجُوناتِ واسْتِخْراجِ صَنْعَةِ التِّرْياقاتِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حالُ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ إقْناعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَها ولَمْ يُمارِسْها، وقَطْعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن جَرَّبَها وشاهَدَها واطَّلَعَ عَلى أسْرارِها، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَلا نِزاعَ البَتَّةَ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في إثْباتِ المَلائِكَةِ، بَلْ ذَلِكَ كالأمْرِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ بَيْنَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ كَثْرَتِهِمْ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها
صفحة ١٤٩
مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ» “ ورُوِيَ أنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الجِنِّ، والجِنُّ وبَنُو آدَمَ عُشْرُ حَيَواناتِ البَرِّ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ الطُّيُورِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ حَيَواناتِ البَحْرِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ الأرْضِ المُوَكَّلِينَ بِها، وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ سَماءِ الدُّنْيا، وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ إلى مَلائِكَةِ السَّماءِ السّابِعَةِ، ثُمَّ الكُلُّ في مُقابَلَةِ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السُّرادِقِ الواحِدِ مِن سُرادِقاتِ العَرْشِ الَّتِي عَدَدُها سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، طُولُ كُلِّ سُرادِقٍ وعَرْضُهُ وسُمْكُهُ إذا قُوبِلَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرَضُونَ وما فِيها وما بَيْنَها، فَإنَّها كُلَّها تَكُونُ شَيْئًا يَسِيرًا، وقَدْرًا صَغِيرًا، وما مِن مِقْدارِ مَوْضِعِ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أوْ قائِمٌ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ العَرْشِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ثُمَّ مَعَ هَؤُلاءِ مَلائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هم أشْياعُ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم جُنُودُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم كُلُّهم سامِعُونَ مُطِيعُونَ لا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، رِطابُ الألْسُنِ بِذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ، يَتَسابَقُونَ في ذَلِكَ مُذْ خَلَقَهم، لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا يَسْأمُونَ، لا يُحْصِي أجْناسَهم، ولا مُدَّةَ أعْمارِهِمْ ولا كَيْفِيَّةَ عِبادَتِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا تَحْقِيقُ حَقِيقَةِ مَلَكُوتِهِ جَلَّ جَلالُهُ عَلى ما قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [المُدَّثِّرِ: ٣١] . وأقُولُ: رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ التَّذْكِيرِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ عُرِجَ بِهِ رَأى مَلائِكَةً في مَوْضِعٍ بِمَنزِلَةِ سُوقٍ بَعْضُهم يَمْشِي تُجاهَ بَعْضٍ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّهم إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أدْرِي إلّا أنِّي أراهم مُذْ خُلِقْتُ ولا أرى واحِدًا مِنهم قَدْ رَأيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَألُوا واحِدًا مِنهم، وقِيلَ لَهُ: مُذْ كَمْ خُلِقْتَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ كَوْكَبًا في كُلِّ أرْبَعِمِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ فَخَلَقَ مِثْلَ ذَلِكَ الكَوْكَبِ مُنْذُ خَلَقَنِي أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ مَرَّةٍ»، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أعْظَمَ قُدْرَتَهُ وما أجَلَّ كَمالَهُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أصْنافَهم وأوْصافَهم، أمّا الأصْنافُ:

فَأحَدُها: حَمَلَةُ العَرْشِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحاقَّةِ: ١٧] .

وثانِيها: الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٧٥] .

وثالِثُها: أكابِرُ المَلائِكَةِ، فَمِنهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ صاحِبُ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الشُّعَراءِ: ١٩٣، ١٩٤] . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ قَبْلَ سائِرِ المَلائِكَةِ في القُرْآنِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٩٧] ولِأنَّ جِبْرِيلَ صاحِبُ الوَحْيِ والعِلْمِ، ومِيكائِيلَ صاحِبُ الأرْزاقِ والأغْذِيَةِ، والعِلْمُ الَّذِي هو الغِذاءُ الرُّوحانِيُّ أشْرَفُ مِنَ الغِذاءِ الجُسْمانِيِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْرَفَ مِن مِيكائِيلَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ ثانِيَ نَفْسِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّحْرِيمِ: ٤] .

الرّابِعُ: سَمّاهُ رُوحَ القُدُسِ، قالَ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ١١٠] .

الخامِسُ: يَنْصُرُ أوْلِياءَ اللَّهِ ويَقْهَرُ أعْداءَهُ مَعَ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَسُوِّمِينَ.

السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ بِصِفاتٍ سِتٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ - ٢١] فَرِسالَتُهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَجَمِيعُ

صفحة ١٥٠
الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أُمَّتُهُ وكَرَمُهُ عَلى رَبِّهِ أنَّهُ جَعَلَهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أشْرَفِ عِبادِهِ وهُمُ الأنْبِياءُ، وقُوَّتُهُ أنَّهُ رَفَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ إلى السَّماءِ وقَلَبَها،، ومَكانَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَهُ ثانِيَ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التَّحْرِيمِ: ٤]، وكَوْنُهُ مُطاعًا أنَّهُ إمامُ المَلائِكَةِ ومُقْتَداهم، وأمّا كَوْنُهُ أمِينًا فَهو قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤]، ومِن جُمْلَةِ أكابِرِ المَلائِكَةِ إسْرافِيلُ وعِزْرائِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما، وقَدْ ثَبَتَ وُجُودُهُما بِالأخْبارِ، وثَبَتَ بِالخَبَرِ أنَّ عِزْرائِيلَ هو مَلَكُ المَوْتِ عَلى ما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [السَّجْدَةِ: ١١] وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٦١] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ مَلائِكَةٍ مُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ رَئِيسَ جَماعَةٍ وُكِّلُوا عَلى قَبْضِ الأرْواحِ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٥٠] . وأمّا إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّهُ صاحِبُ الصُّورِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .
ورابِعُها: مَلائِكَةُ الجَنَّةِ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] .

وخامِسُها: مَلائِكَةُ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المُدَّثِّرِ: ٣١] ورَئِيسُهم مالِكٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] وأسْماءُ جُمْلَتِهِمُ الزَّبانِيَةُ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العَلَقِ: ١٧، ١٨] .

وسادِسُها: المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ق ١٧، ١٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الرَّعْدِ: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٦١] .

وسابِعُها: كَتَبَةُ الأعْمالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٠ - ١٢] .

وثامِنُها: المُوَكَّلُونَ بِأحْوالِ هَذا العالَمِ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصّافّاتِ: ١] وبِقَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذّارِياتِ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤] وبِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النّازِعاتِ: ١] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سِوى الحَفَظَةِ يَكْتُبُونَ ما يَسْقُطُ مِن ورَقِ الأشْجارِ، فَإذا أصابَ أحَدَكم حَرِجَةٌ بِأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ: أعِينُوا عِبادَ اللَّهِ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.

* * *
وأمّا أوْصافُ المَلائِكَةِ فَمِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الحَجِّ: ٧٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ هُمُ الرُّسُلُ فَقَطْ، وجَوابُهُ أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْيِينِ لا لِلتَّبْعِيضِ.

وثانِيها: قُرْبُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القُرْبُ هو القُرْبُ بِالشَّرَفِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٦] وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وثالِثُها: وصْفُ طاعاتِهِمْ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ:

صفحة ١٥١
﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥ - ١٦٦] واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهم في ذَلِكَ فَثَبَتَ بِها مُواظَبَتُهم عَلى العِبادَةِ.
الثّانِي: مُبادَرَتُهم إلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠] .

الثّالِثُ: أنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ وهو قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٢٧] .

ورابِعُها: وصْفُ قُدْرَتِهِمْ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ والكُرْسِيَّ، ثُمَّ إنَّ الكُرْسِيَّ الَّذِي هو أصْغَرُ مِنَ العَرْشِ أعْظَمُ مِن جُمْلَةِ السَّماواتِ السَّبْعِ، لِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فانْظُرْ إلى نِهايَةِ قُدْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ عُلُوَّ العَرْشِ شَيْءٌ لا يُحِيطُ بِهِ الوَهْمُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [المَعارِجِ: ٤] ثُمَّ إنَّهم لِشِدَّةِ قُدْرَتِهِمْ يَنْزِلُونَ مِنهُ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَصاحِبُ الصُّورِ يَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ أنَّ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ مِنهُ يُصْعَقُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنهُ يَعُودُونَ أحْياءً. فاعْرِفْ مِنهُ عِظَمَ هَذِهِ القُوَّةِ.

والرّابِعُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ في قُوَّتِهِ إلى أنْ قَلَعَ جِبالَ آلِ لُوطٍ وبِلادَهم دَفْعَةً واحِدَةً.

وخامِسُها: وصْفُ خَوْفِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى الزَّلّاتِ البَتَّةَ يَكُونُونَ خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى كَأنَّ عِبادَتَهم مَعاصِي قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ٥٠] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٢٨] . الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سَبَأٍ: ٢٣] رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ سَمِعَهُ أهْلُ السَّماواتِ مِثْلَ صَوْتِ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفْوانِ فَفَزِعُوا، فَإذا انْقَضى الوَحْيُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ.

الثّالِثُ: رَوى البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِناحِيَةٍ ومَعَهُ جِبْرِيلُ إذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّماءِ فَأقْبَلَ جِبْرِيلُ يَتَضاءَلُ ويَدْخُلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ ويَدْنُو مِنَ الأرْضِ، فَإذا مَلَكٌ قَدْ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأشارَ إلَيَّ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ لِي ناصِحٌ، فَقُلْتُ: عَبْدًا نَبِيًّا، فَعَرَجَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى السَّماءِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ قَدْ كُنْتُ أرَدْتُ أنْ أسْألَكَ عَنْ هَذا فَرَأيْتُ مِن حالِكَ ما شَغَلَنِي عَنِ المَسْألَةِ فَمَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ فَقالَ: هَذا إسْرافِيلُ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صافًّا قَدَمَيْهِ لا يَرْفَعُ طَرْفَهُ، وبَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَهُ سَبْعُونَ نُورًا ما مِنها نُورٌ يَدْنُو مِنهُ إلّا احْتَرَقَ، وبَيْنَ يَدَيْهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ أوْ مِنَ الأرْضِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ بِقُرْبِ جَبِينِهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ، فَإنْ كانَ مِن عَمَلِي أمَرَنِي بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مِيكائِيلَ أمَرَهُ بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مَلَكِ المَوْتِ أمَرَهُ بِهِ. قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ عَلى أيِّ شَيْءٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى الرِّياحِ والجُنُودِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءِ مِيكائِيلُ ؟ قالَ: عَلى النَّباتِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ مَلَكُ المَوْتِ ؟ قالَ: عَلى قَبْضِ الأنْفُسِ، وما ظَنَنْتُ أنَّهُ هَبَطَ إلّا لِقِيامِ السّاعَةِ، وما ذاكَ الَّذِي رَأيْتَ مِنِّي إلّا خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ» .

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ كَلامٌ في وصْفِ المَلائِكَةِ أعْلى وأجَلُّ مِن كَلامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ في بَعْضِ خُطَبِهِ: ثُمَّ فَتَقَ ما بَيْنَ السَّماواتِ العُلا فَمَلَأهُنَّ أطْوارًا مِن مَلائِكَةٍ فَمِنهم سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، ورُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وصافُّونَ لا يَتَزايَلُونَ، ومُسَبِّحُونَ لا يَسْأمُونَ، لا يَغْشاهم نَوْمُ العُيُونِ ولا سَهْوُ العُقُولِ، ولا فَتْرَةُ الأبْدانِ، ولا غَفْلَةُ النِّسْيانِ، ومِنهم أُمَناءُ عَلى وحْيِهِ وألْسِنَةٌ إلى رُسُلِهِ، ومُخْتَلِفُونَ بِقَضائِهِ وأمْرِهِ، ومِنهُمُ الحَفَظَةُ لِعِبادِهِ، والسَّدَنَةُ لِأبْوابِ جِنانِهِ، ومِنهُمُ الثّابِتَةُ في الأرَضِينَ

صفحة ١٥٢
السُّفْلى أقْدامُهم، والمارِقَةُ مِنَ السَّماءِ العُلْيا أعْناقُهم، والخارِجَةُ مِنَ الأقْطارِ أرْكانُهم، والمُناسِبَةُ لِقَوائِمِ العَرْشِ أكْتافُهم، ناكِسَةً دُونَهُ أبْصارُهم، مُتَلَفِّعُونَ بِأجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن دُونَهم حُجُبُ العِزَّةِ وأسْتارُ القُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهم بِالتَّصْوِيرِ، ولا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفاتِ المَصْنُوعِينَ، ولا يَحُدُّونَهُ بِالأماكِنِ، ولا يُشِيرُونَ إلَيْهِ بِالنَّظائِرِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم، فَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ كانُوا مُحارِبِينَ مَعَ إبْلِيسَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أسْكَنَ الجِنَّ الأرْضَ فَأفْسَدُوا فِيها وسَفَكُوا الدِّماءَ وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، بَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَقَتَلَهم إبْلِيسُ بِعَسْكَرِهِ حَتّى أخْرَجُوهم مِنَ الأرْضِ، وألْحَقُوهم بِجَزائِرِ البَحْرِ فَقالَ تَعالى لَهم: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . وقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إنَّهُ تَعالى قالَ ذَلِكَ لِجَماعَةِ المَلائِكَةِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ المَلائِكَةِ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ خِلافَ الأصْلِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: جاعِلٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ دَخَلَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وهُما قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَكانا مَفْعُولَيْنِ، ومَعْناهُ مُصَيِّرٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الظّاهِرُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي في الآيَةِ جَمِيعُ الأرْضِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ وكانَتِ المَلائِكَةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ، وهم أوَّلُ مَن طافَ بِهِ، وهو في الأرْضِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: الخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ ويَقُومُ مَقامَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [يُونُسَ: ١٤] . ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] فَأمّا أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ مَن ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ المُرادُ ذُرِّيَّتُهُ لا هو.

والثّانِي: أنَّهُ ولَدُ آدَمَ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى لِمَ سَمّاهُ خَلِيفَةً ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى الجِنَّ مِنَ الأرْضِ وأسْكَنَ آدَمَ الأرْضَ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيفَةً لِأُولَئِكَ الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ، يُرْوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ خَلِيفَةً؛ لِأنَّهُ يَخْلُفُ اللَّهَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ مِن خَلْقِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، وهَذا الرَّأْيُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٢٦] أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ ولَدُ آدَمَ، فَقالُوا: إنَّما سَمّاهم خَلِيفَةً؛ لِأنَّهم يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ١٦٥]، والخَلِيفَةُ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كَما يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، وقُرِئَ خَلِيقَةً بِالقافِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحاجَةِ إلى المَشُورَةِ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم إذا اطَّلَعُوا عَلى ذَلِكَ السِّرِّ أوْرَدُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ السُّؤالَ، فَكانَتِ المَصْلَحَةُ تَقْتَضِي إحاطَتَهم بِذَلِكَ الجَوابِ، فَعَرَّفَهم هَذِهِ الواقِعَةَ لِكَيْ يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤالَ ويَسْمَعُوا ذَلِكَ الجَوابَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَ عِبادَهُ المُشاوَرَةَ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن عُلَماءِ الدِّينِ اتَّفَقُوا عَلى عِصْمَةِ كُلِّ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ ولَنا وُجُوهٌ:

صفحة ١٥٣

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التَّحْرِيمِ: ٦] إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَلائِكَةِ النّارِ، فَإذا أرَدْنا الدَّلالَةَ العامَّةَ تَمَسَّكْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ٥٠] فَقَوْلُهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكَ المَنهِيّاتِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنِ الشَّيْءِ مَأْمُورٌ بِتَرْكِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ المَأْمُوراتِ إلّا ويَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ عَلى ما بَيَّنّاهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٢٦ - ٢٧ ] فَهَذا صَرِيحٌ في بَراءَتِهِمْ عَنِ المَعاصِي، وكَوْنِهِمْ مُتَوَقِّفِينَ في كُلِّ الأُمُورِ إلّا بِمُقْتَضى الأمْرِ والوَحْيِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم طَعَنُوا في البَشَرِ بِالمَعْصِيَةِ ولَوْ كانُوا مِنَ العُصاةِ لَما حَسُنَ مِنهم ذَلِكَ الطَّعْنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ صُدُورُ المَعْصِيَةِ مِنهُ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وهَذا يَقْتَضِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهم، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم: أتَجْعَلُ فِيها هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ.

وثانِيها: أنَّهم طَعَنُوا في بَنِي آدَمَ بِالفَسادِ والقَتْلِ وذَلِكَ غِيبَةٌ، والغِيبَةُ مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ.

وثالِثُها: أنَّهم بَعْدَ أنْ طَعَنُوا في بَنِي آدَمَ مَدَحُوا أنْفُسَهم بِقَوْلِهِمْ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وأنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥- ١٦٦] وهَذا لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهم نَفَوْا كَوْنَ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ، وهَذا يُشْبِهُ العُجْبَ والغِيبَةَ وهو مِنَ الذُّنُوبِ المُهْلِكَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: («ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ، وذَكَرَ فِيها إعْجابَ المَرْءِ بِنَفْسِهِ» ) .

وقالَ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٣٢] .

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهم: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا يُشْبِهُ الِاعْتِذارَ فَلَوْلا تَقَدُّمُ الذَّنْبِ وإلّا لَما اشْتَغَلُوا بِالعُذْرِ.

وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣١] يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما قالُوهُ أوَّلًا.

وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٣] يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ ما كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأنَّهم كانُوا شاكِّينَ في كَوْنِ اللَّهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.

وسابِعُها: أنَّ عِلْمَهم يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ، إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ بِالوَحْيِ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ أوْ قالُوهُ اسْتِنْباطًا، والأوَّلُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذا أوْحى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِإعادَةِ ذَلِكَ الكَلامِ فائِدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهم قالُوهُ عَنِ الِاسْتِنْباطِ والظَّنِّ، والقَدْحُ في الغَيْرِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٣٦] وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [النَّجْمِ: ٢٨] . وثامِنُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ كانُوا جُنْدَ إبْلِيسَ في مُحارَبَةِ الجِنِّ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقالَتِ المَلائِكَةُ مُجِيبِينَ لَهُ سُبْحانَهُ:

صفحة ١٥٤
‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ عَلِمُوا غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٢] ورُوِيَ عَنِ الجِنِّ وقَتادَةَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخَذَ في خَلْقِ آدَمَ هَمَسَتِ المَلائِكَةُ فِيما بَيْنَهم وقالُوا: لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ أنْ يَخْلُقَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا إلّا كُنّا أعْظَمَ مِنهُ وأكْرَمَ عَلَيْهِ، فَلَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣١] في أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا وأنْتُمْ أفْضَلُ مِنهُ فَفَزِعَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ إلى التَّوْبَةِ و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٢] وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم لَمّا قالُوا: أتَجْعَلُ فِيها، أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم.
الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكُوا بِقِصَّةِ هارُوتَ ومارُوتَ، وزَعَمُوا أنَّهُما كانا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ، وأنَّهُما لَمّا نَظَرا إلى ما يَصْنَعُ أهْلُ الأرْضِ مِنَ المَعاصِي أنْكَرا ذَلِكَ وأكْبَراهُ ودَعَوا عَلى أهْلِ الأرْضِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما إنِّي لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ مِنَ الشَّهَواتِ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: يا رَبِّ لَوِ ابْتَلَيْتَنا لَمْ نَفْعَلْ فَجَرِّبْنا، فَأهْبَطَهُما إلى الأرْضِ وابْتَلاهُما اللَّهُ بِشَهَواتِ بَنِي آدَمَ، فَمَكَثا في الأرْضِ، وأمَرَ اللَّهُ الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزُّهَرَةِ والمَلَكَ المُوَكَّلَ بِهِ فَهَبَطا إلى الأرْضِ، فَجُعِلَتِ الزُّهَرَةُ في صُورَةِ امْرَأةٍ والمَلَكُ في صُورَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الزُّهَرَةَ اتَّخَذَتْ مَنزِلًا وزَيَّنَتْ نَفْسَها ودَعَتْهُما إلى نَفْسِها، ونَصَبَ المَلَكُ نَفْسَهُ في مَنزِلِها في مِثالِ صَنَمٍ، فَأقْبَلا إلى مَنزِلِها ودَعَواها إلى الفاحِشَةِ، فَأبَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَشْرَبا خَمْرًا، فَقالا: لا نَشْرَبُ الخَمْرَ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَشَرِبا، ثُمَّ دَعَواها إلى ذَلِكَ، فَقالَتْ: بَقِيَتْ خَصْلَةٌ لَسْتُ أُمْكِنُكُما مِن نَفْسِي حَتّى تَفْعَلاها، قالا: وما هي ؟ قالَتْ: تَسْجُدانِ لِهَذا الصَّنَمِ، فَقالا: لا نُشْرِكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَقالا: نَفْعَلُ ثُمَّ نَسْتَغْفِرُ، فَسَجَدا لِلصَّنَمِ فارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ ومَلَكُها إلى مَوْضِعِهِما مِنَ السَّماءِ، فَعَرَفا حِينَئِذٍ أنَّهُ إنَّما أصابَهُما ذَلِكَ بِسَبَبِ تَعْيِيرِ بَنِي آدَمَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّ الزُّهَرَةَ كانَتْ فاجِرَةً مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّما واقَعاها بَعْدَ أنْ شَرِبا الخَمْرَ، وقَتَلا النَّفْسَ، وسَجَدا لِلصَّنَمِ، وعَلَّماها الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي كانا بِهِ يَعْرُجانِ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتِ المَرْأةُ بِذَلِكَ الِاسْمِ وعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، فَمَسَخَها اللَّهُ تَعالى وصَيَّرَها هَذا الكَوْكَبَ المُسَمّى بِالزُّهَرَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَ هارُوتَ ومارُوتَ قَبِيحَ ما فِيهِ وقَعا، ثُمَّ خَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ آجِلًا وبَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا عاجِلًا، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَجَعَلَهُما بِبابِلَ مَنكُوسَيْنِ في بِئْرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهُما يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ ويَدْعُوانِ إلَيْهِ ولا يَراهُما أحَدٌ إلّا مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ خاصَّةً، وتَعَلَّقُوا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٠٢] . الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، ثُمَّ إنَّهُ عَصى اللَّهَ تَعالى وكَفَرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ.

الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المُدَّثِّرِ: ٣١] قالُوا: فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ يُعَذَّبُونَ، لِأنَّ أصْحابَ النّارِ لا يَكُونُونَ إلّا مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِيها كَما قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى أنْ نَقُولَ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو قَوْلُهم: إنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ السُّؤالِ تَنْبِيهُ اللَّهِ عَلى شَيْءٍ كانَ غافِلًا عَنْهُ، فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ في اللَّهِ فَهو كافِرٌ، ولا الإنْكارُ عَلى اللَّهِ تَعالى في فِعْلٍ فَعَلَهُ، بَلِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ السُّؤالِ أُمُورٌ:

صفحة ١٥٥
أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ قاطِعًا بِحِكْمَةِ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَأى أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ يَفْعَلُ فِعْلًا لا يَقِفُ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا كَأنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِن كَمالِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، ويَقُولُ: إعْطاءُ هَذِهِ النِّعَمِ لِمَن يُفْسِدُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَهْتَدِي العُقُولُ فِيها إلى وجْهِ الحِكْمَةِ، فَإذا كُنْتَ تَفْعَلُها واعْلَمْ أنَّكَ لا تَفْعَلُها إلّا لِوَجْهٍ دَقِيقٍ وسِرٍّ غامِضٍ أنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، فَما أعْظَمَ حِكْمَتَكَ وأجَلَّ عِلْمَكَ، فالحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كَأنَّهُ تَعَجُّبٌ مِن كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإحاطَةِ حِكْمَتِهِ بِما خَفِيَ عَلى كُلِّ العُقَلاءِ.
وثانِيها: أنَّ إيرادَ الإشْكالِ طَلَبًا لِلْجَوابِ غَيْرُ مَحْذُورٍ، فَكَأنَّهم قالُوا: إلَهَنا أنْتَ الحَكِيمُ الَّذِي لا يَفْعَلُ السَّفَهَ البَتَّةَ، ونَحْنُ نَرى في العُرْفِ أنَّ تَمْكِينَ السَّفِيهِ مِنَ السَّفَهِ سَفَهٌ، فَإذا خَلَقْتَ قَوْمًا يُفْسِدُونَ ويَقْتُلُونَ وأنْتَ مَعَ عِلْمِكَ أنَّ حالَهم كَذَلِكَ خَلَقْتَهم ومَكَّنْتَهم وما مَنَعْتَهم عَنْ ذَلِكَ فَهَذا يُوهِمُ السَّفَهَ، وأنْتَ الحَكِيمُ المُطْلَقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ ؟ فَكَأنَّ المَلائِكَةَ أوْرَدُوا هَذا السُّؤالَ طَلَبًا لِلْجَوابِ، وهَذا جَوابُ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُجَوِّزُوا صُدُورَ القَبِيحِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكانُوا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ العَدْلِ، قالُوا: والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الجَوابَ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أضافُوا الفَسادَ وسَفْكَ الدِّماءِ إلى المَخْلُوقِينَ لا إلى الخالِقِ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ ذاتِهِ عَنْ صِفَةِ الأجْسامِ، والتَّقْدِيسَ تَنْزِيهُ أفْعالِهِ عَنْ صِفَةِ الذَّمِّ ونَعْتِ السَّفَهِ.

وثالِثُها: أنَّ الشُّرُورَ وإنْ كانَتْ حاصِلَةً في تَرْكِيبِ هَذا العالِمِ السُّفْلِيِّ إلّا أنَّها مِن لَوازِمِ الخَيْراتِ الحاصِلَةِ فِيهِ، وخَيْراتُها غالِبَةٌ عَلى شُرُورِها، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ، فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا تِلْكَ الشُّرُورَ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّ الخَيْراتِ الحاصِلَةَ مِن أجْلِ تَراكِيبِ العالَمِ السُّفْلِيِّ أكْثَرُ مِنَ الشُّرُورِ الحاصِلَةِ فِيها، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي إيجادَ ما هَذا شَأْنُهُ لا تَرْكَهُ، وهَذا جَوابُ الحُكَماءِ.

ورابِعُها: أنَّ سُؤالَهم كانَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في إعْظامِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ العَبْدَ المُخْلِصَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِمَوْلاهُ يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدٌ يَعْصِيهِ.

وخامِسُها: أنَّ قَوْلَ المَلائِكَةِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَسْألَةٌ مِنهم أنْ يَجْعَلَ الأرْضَ أوْ بَعْضَها لَهم إنْ كانَ ذَلِكَ صَلاحًا، فَكَأنَّهم قالُوا: يا إلَهَنا اجْعَلِ الأرْضَ لَنا لا لَهم كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ١٥٥] والمَعْنى لا تُهْلِكْنا، فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن صَلاحِكم وصَلاحِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أجْعَلُهم في الأرْضِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ اخْتارَ لَهُمُ السَّماءَ خاصَّةً، ولِهَؤُلاءِ الأرْضَ خاصَّةً لِعِلْمِهِ بِصَلاحِ ذَلِكَ في أدْيانِهِمْ لِيَرْضى كُلُّ فَرِيقٍ بِما اخْتارَهُ اللَّهُ لَهُ.

سادِسُها: أنَّهم طَلَبُوا الحِكْمَةَ الَّتِي لِأجْلِها خَلَقَهم مَعَ هَذا الفَسادِ والقَتْلِ.

وسابِعُها: قالَ القَفّالُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها، أيْ سَتَفْعَلُ ذَلِكَ فَهو إيجابٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ قالَ جَرِيرٌ:

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ
أيْ أنْتُمْ كَذَلِكَ، ولَوْ كانَ اسْتِفْهامًا لَمْ يَكُنْ مَدْحًا، ثُمَّ قالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، ونَحْنُ مَعَ هَذا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لِما أنّا نَعْلَمُ أنَّكَ لا تَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ والحِكْمَةَ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهم: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ كَأنَّهُ قالَ - واللَّهُ أعْلَمُ - نِعْمَ ما فَعَلْتُمْ حَيْثُ لَمْ تَجْعَلُوا ذَلِكَ قادِحًا في حِكْمَتِي، فَإنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَأنْتُمْ عَلِمْتُمْ ظاهِرَهم وهو الفَسادُ والقَتْلُ، وما عَلِمْتُمْ باطِنَهم، وأنا أعْلَمُ ظاهِرَهم وباطِنَهم
صفحة ١٥٦
فَأعْلَمُ مِن بَواطِنِهِمْ أسْرارًا خَفِيَّةً وحِكَمًا بالِغَةً تَقْتَضِي خَلْقَهم وإيجادَهم.
أمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّهم ذَكَرُوا بَنِي آدَمَ بِما لا يَنْبَغِي وهو الغِيبَةُ، فالجَوابُ أنَّ مَحَلَّ الإشْكالِ في خَلْقِ بَنِي آدَمَ إقْدامُهم عَلى الفَسادِ والقَتْلِ، ومَن أرادَ إيرادَ السُّؤالِ وجَبَ أنْ يَتَعَرَّضَ لِمَحَلِّ الإشْكالِ لا لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا مِن بَنِي آدَمَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وما ذَكَرُوا مِنهم عِبادَتَهم وتَوْحِيدَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلَّ الإشْكالِ.

أمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهم مَدَحُوا أنْفُسَهم، وذَلِكَ يُوجِبُ العُجْبَ وتَزْكِيَةَ النَّفْسِ.

فالجَوابُ: أنَّ مَدْحَ النَّفْسِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الضُّحى: ١١] وأيْضًا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ لَيْسَ المُرادُ مَدْحَ النَّفْسِ، بَلِ المُرادُ بَيانُ أنَّ هَذا السُّؤالَ ما أوْرَدْناهُ لِنَقْدَحَ بِهِ في حِكْمَتِكَ يا رَبِّ، فَإنّا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونَعْتَرِفُ لَكَ بِالإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ، فَكَأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنَّهم ما أوْرَدُوا السُّؤالَ لِلطَّعْنِ في الحِكْمَةِ والإلَهِيَّةِ، بَلْ لِطَلَبِ وجْهِ الحِكْمَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.

أمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: وهو أنَّ قَوْلَهم: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٢]، يُشْبِهُ الِاعْتِذارَ فَلا بُدَّ مِن سَبْقِ الذَّنْبِ، قُلْنا: نَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ الأوْلى لِلْمَلائِكَةِ أنْ لا يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤالَ، فَلَمّا تَرَكُوا هَذا الأوْلى كانَ ذَلِكَ الِاعْتِذارُ اعْتِذارًا مِن تَرْكِ الأوْلى، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: (﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] فَهَذا السُّؤالُ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانُوا مَأْذُونِينَ في هَذا السُّؤالِ فَكَيْفَ اعْتَذَرُوا عَنْهُ ؟ قُلْنا العامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ.

أمّا الوَجْهُ الخامِسُ: وهو أنَّ إخْبارَ المَلائِكَةِ عَنِ الفَسادِ وسَفْكِ الدِّماءِ، إمّا أنْ يَكُونَ حَصَلَ عَنِ الوَحْيِ أوْ قالُوهُ اسْتِنْباطًا وظَنًّا، قُلْنا: اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ ظَنًّا ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ أنَّهم قاسُوهُ عَلى حالِ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا خِلْقَتَهُ وعَرَفُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن هَذِهِ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَرَكَّبَ فِيهِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، فَيَتَوَلَّدَ الفَسادُ عَنِ الشَّهْوَةِ، وسَفْكُ الدِّماءِ عَنِ الغَضَبِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى اليَقِينِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِلْمَلائِكَةِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالُوا: رَبَّنا وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةُ ؟ قالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَتَحاسَدُونَ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: رَبَّنا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ؟ .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ إذا كانَ في الأرْضِ خَلْقٌ عَظِيمٌ أفْسَدُوا فِيها وسَفَكُوا الدِّماءَ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى النّارَ خافَتِ المَلائِكَةُ خَوْفًا شَدِيدًا فَقالُوا: رَبَّنا لِمَن خَلَقْتَ هَذِهِ النّارَ ؟ قالَ لِمَن عَصانِي مِن خَلْقِي، ولَمْ يَكُنِ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ خَلْقٌ إلّا المَلائِكَةَ، ولَمْ يَكُنْ في الأرْضِ خَلْقٌ البَتَّةَ، فَلَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَرَفُوا أنَّ المَعْصِيَةَ تَظْهَرُ مِنهم.

ورابِعُها: لَمّا كَتَبَ القَلَمُ في اللَّوْحِ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَعَلَّهم طالَعُوا اللَّوْحَ فَعَرَفُوا ذَلِكَ.

وخامِسُها: إذا كانَ مَعْنى الخَلِيفَةِ مَن يَكُونُ نائِبًا لِلَّهِ تَعالى في الحُكْمِ والقَضاءِ، والِاحْتِجاجُ إلى الحاكِمِ والقاضِي إنَّما يَكُونُ عِنْدَ التَّنازُعِ والتَّظالُمِ، كانَ الإخْبارُ عَنْ وُجُودِ الخَلِيفَةِ إخْبارًا عَنْ وُقُوعِ الفَسادِ والشَّرِّ بِطَرِيقِ

صفحة ١٥٧
الِالتِزامِ، قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: والقَوْلُ بِأنَّهُ كانَ هَذا الإخْبارُ عَنْ مُجَرَّدِ الظَّنِّ - باطِلٌ؛ لِأنَّهُ قَدْحٌ في الغَيْرِ بِما لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فِيهِ، وذَلِكَ يُنافِي العِصْمَةَ والطَّهارَةَ.
أمّا الوَجْهُ السّادِسُ: هو الأخْبارُ الَّتِي ذَكَرُوها، فَهي مِن بابِ أخْبارِ الآحادِ فَلا تُعارِضُ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرْناها.

أمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي قِصَّةُ هارُوتَ ومارُوتَ، فالجَوابُ عَنْها أنَّ القِصَّةَ الَّتِي ذَكَرُوها باطِلَةٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهم ذَكَرُوا في القِصَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُما: لَوِ ابْتَلَيْتُكُما بِما ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ لَعَصَيْتُمانِي، فَقالا: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنا يا رَبِّ لَما عَصَيْناكَ، وهَذا مِنهم تَكْذِيبٌ لِلَّهِ تَعالى وتَجْهِيلٌ لَهُ، وذَلِكَ مِن صَرِيحِ الكُفْرِ، والحَشْوِيَّةُ سَلَّمُوا أنَّهُما كانا قَبْلَ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ مَعْصُومَيْنِ.

وثانِيها: في القِصَّةِ أنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ فاسِدٌ بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُخَيَّرا بَيْنَ التَّوْبَةِ، وبَيْنَ العَذابِ، واللَّهُ تَعالى خَيَّرَ بَيْنَهُما مَن أشْرَكَ بِهِ طُولَ عُمْرِهِ وبالَغَ في إيذاءِ أنْبِيائِهِ.

وثالِثُها: في القِصَّةِ أنَّهُما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ حالَ كَوْنِهِما مُعَذَّبَيْنِ ويَدْعُوانِ إلَيْهِ وهُما مُعاقَبانِ عَلى المَعْصِيَةِ.

ورابِعُها: أنَّ المَرْأةَ الفاجِرَةَ كَيْفَ يُعْقَلُ أنَّها لَمّا فَجَرَتْ صَعِدَتْ إلى السَّماءِ، وجَعَلَها اللَّهُ تَعالى كَوْكَبًا مُضِيئًا وعَظَّمَ قَدْرَهُ بِحَيْثُ أقْسَمَ بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٥ - ١٦] فَهَذِهِ القِصَّةُ قِصَّةٌ رَكِيكَةٌ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ بِنِهايَةِ رَكاكَتِها، وأمّا الكَلامُ في تَعْلِيمِ السِّحْرِ فَسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيَةِ في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: فَسَنَتَكَلَّمُ في بَيانِ أنَّ إبْلِيسَ ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ.

وأمّا الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: وهي قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المُدَّثِّرِ: ٣١] فَهَذا لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ في النّارِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يُونُسَ: ٢٧] لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى كَوْنِهِمْ مُعَذَّبِينَ بِالنّارِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ إنَّما عُرِفَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المُدَّثِّرِ: ٣١] يُرِيدُ بِهِ خَزَنَةَ النّارِ والمُتَصَرِّفِينَ فِيها والمُدَبِّرِينَ لِأمْرِها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَلائِكَةَ هَلْ هم قادِرُونَ عَلى المَعاصِي والشُّرُورِ أمْ لا ؟ فَقالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الجَبْرِ: إنَّهم خَيْراتٌ مَحْضٌ ولا قُدْرَةَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلى الشُّرُورِ والفَسادِ. وقالَ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ وكَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّهم قادِرُونَ عَلى الأمْرَيْنِ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهم: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً أوْ تَرْكَ الأوْلى وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٢٩]، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهم مَزْجُورِينَ مَمْنُوعِينَ وقالَ أيْضًا: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦]، والمَدْحُ بِتَرْكِ الِاسْتِكْبارِ إنَّما يَجُوزُ لَوْ كانَ قادِرًا عَلى فِعْلِ الِاسْتِكْبارِ.

وثالِثُها: أنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا قادِرِينَ عَلى تَرْكِ الخَيْراتِ لَما كانُوا مَمْدُوحِينَ بِفِعْلِها، لِأنَّ المَلْجَأ إلى الشَّيْءِ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلى تَرْكِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مَمْدُوحًا بِفِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ولَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ فَقُلْتُ لَهُ: ألَيْسَ أنَّ الثَّوابَ والعِوَضَ واجِبانِ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ ومَعْنى كَوْنِهِ واجِبًا عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَلَزِمَ مِن تَرْكِهِ إمّا الجَهْلُ وإمّا الحاجَةُ، وهُما مُحالانِ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّرْكُ مُحالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ التَّرْكُ مُحالًا كانَ الفِعْلُ واجِبًا، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلثَّوابِ، والعِوَضُ واجِبٌ وتَرْكُهُ مُحالٌ مَعَ أنَّهُ تَعالى مَمْدُوحٌ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ امْتِناعَ التَّرْكِ لا يَقْدَحُ في

صفحة ١٥٨
حُصُولِ المَدْحِ فانْقَطَعَ، وما قَدَرَ عَلى الجَوابِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الواوُ في ‏‏‏ لِلْحالِ كَما تَقُولُ: أتُحْسِنُ إلى فُلانٍ وأنا أحَقُّ بِالإحْسانِ، والتَّسْبِيحُ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السُّوءِ وكَذا التَّقْدِيسُ، مِن سَبَحَ في الماءِ وقَدَّسَ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها وأبْعَدَ، واعْلَمْ أنَّ التَّبْعِيدَ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ فَهو التَّسْبِيحُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ التَّبْعِيدُ عَنِ الخَيْراتِ فَهو اللَّعْنُ، فَنَقُولُ: التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ يَدْخُلُ فِيهِ التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، أمّا في الذّاتِ فَأنْ لا تَكُونَ مَحَلًّا لِلْإمْكانِ، فَإنَّ مَنعَ السُّوءِ وإمْكانَهُ هو العَدَمُ، ونَفْيُ الإمْكانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الكَثْرَةِ، ونَفْيُها يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الجِسْمِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، ونَفْيَ الضِّدِّ والنِّدِّ، وحُصُولَ الوَحْدَةِ المُطْلَقَةِ، والوُجُوبَ الذّاتِيَّ، وأمّا في الصِّفاتِ فَأنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الجَهْلِ فَيَكُونَ مُحِيطًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وقادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وتَكُونَ صِفاتُهُ مُنَزَّهَةً عَنِ التَّغْيِيراتِ، وأمّا في الأفْعالِ فَأنْ لا تَكُونَ أفْعالُهُ لِجَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وأنْ لا يَسْتَكْمِلَ بِشَيْءٍ مِنها، ولا يَنْتَقِصَ بِعَدَمِ شَيْءٍ مِنها، فَيَكُونَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ كُلِّ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، مُسْتَوْلِيًا بِالإعْدامِ والإيجادِ عَلى كُلِّ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، وقالَ أهْلُ التَّذْكِيرِ: التَّسْبِيحُ جاءَ تارَةً في القُرْآنِ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ وأُخْرى بِمَعْنى التَّعَجُّبِ.
أمّا الأوَّلُ فَجاءَ عَلى وُجُوهٍ:

(أ) أنا المُنَزَّهُ عَنِ النَّظِيرِ والشَّرِيكِ، هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.

(ب) أنا المُدَبِّرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ.

(ج) أنا المُدَبِّرُ لِكُلِّ العالَمِينَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

(د) أنا المُنَزَّهُ عَنْ قَوْلِ الظّالِمِينَ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ.

(ه) أنا المُسْتَغْنِي عَنِ الكُلِّ سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ.

(و) أنا السُّلْطانُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ سِوائِي فَهو تَحْتَ قَهْرِي وتَسْخِيرِي، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.

(ز) أنا العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ عالِمِ الغَيْبِ.

(ح) أنا المُنَزَّهُ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ سُبْحانَهُ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ.

(ط) أنا المُنَزَّهُ عَنْ وصْفِهِمْ وقَوْلِهِمْ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، عَمّا يَقُولُونَ، عَمّا يَصِفُونَ.

أمّا التَّعَجُّبُ فَكَذَلِكَ:

(أ) أنا الَّذِي سَخَّرْتُ البَهائِمَ القَوِيَّةَ لِلْبَشَرِ الضَّعِيفِ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا.

(ب) أنا الَّذِي خَلَقْتُ العالَمَ وكُنْتُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّعَبِ والنَّصَبِ، سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا.

(ج) أنا الَّذِي أعْلَمُ لا بِتَعْلِيمِ المُعَلِّمِينَ ولا بِإرْشادِ المُرْشِدِينَ، سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا.

(د) أنا الَّذِي أُزِيلُ مَعْصِيَةَ سَبْعِينَ سَنَةً بِتَوْبَةِ ساعَةٍ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ أرَدْتَ رِضْوانَ اللَّهِ فَسَبِّحْ، وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا، وإنْ أرَدْتَ الفَرَجَ مِنَ البَلاءِ فَسَبِّحْ، لا إلَهَ أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، وإنْ أرَدْتَ رِضا الحَقِّ فَسَبِّحْ: ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى، وإنْ أرَدْتَ الخَلاصَ مِنَ النّارِ فَسَبِّحْ، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ، أيُّها العَبْدُ واظِبْ عَلى تَسْبِيحِي، فَسُبْحانَ اللَّهِ فَسَبِّحْ وسَبِّحُوهُ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ تَسْبِيحِي فالضَّرَرُ عائِدٌ إلَيْكَ؛ لِأنَّ لِي مَن يُسَبِّحُنِي، ومِنهم حَمَلَةُ العَرْشِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فُصِّلَتْ: ٣٨] ومِنهُمُ المُقَرَّبُونَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [سَبَأٍ: ٤١]، ومِنهم سائِرُ المَلائِكَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [الفُرْقانِ: ١٨] ومِنهُمُ الأنْبِياءُ كَما قالَ ذُو النُّونِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٨٧] وقالَ مُوسى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٤٣] والصَّحابَةُ يُسَبِّحُونَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] والكُلُّ يُسَبِّحُونَ ومِنهُمُ الحَشَراتُ والدَّوابُّ والذَّرّاتُ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٤٤] وكَذا الحَجَرُ والمَدَرُ والرِّمالُ والجِبالُ واللَّيْلُ والنَّهارُ والظُّلُماتُ والأنْوارُ والجَنَّةُ والنّارُ والزَّمانُ والمَكانُ والعَناصِرُ والأرْكانُ والأرْواحُ والأجْسامُ عَلى ما قالَ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الحَدِيدِ: ١] ثُمَّ يَقُولُ:

صفحة ١٥٩
أيُّها العَبْدُ: أنا الغَنِيُّ عَنْ تَسْبِيحِ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لَيْسَتْ مِنَ الأحْياءِ، فَلا حاجَةَ بِها إلى ثَوابِ هَذا التَّسْبِيحِ، فَقَدْ صارَ ثَوابُ هَذِهِ التَّسْبِيحاتِ ضائِعًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِي ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٢٧] لَكِنِّي أُوصِلُ ثَوابَ هَذِهِ الأشْياءِ إلَيْكَ لِيَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مَنِ اجْتَهَدَ في خِدْمَتِي أجْعَلُ كُلَّ العالَمِ في خِدْمَتِهِ.
والنُّكْتَةُ الأُخْرى اذْكُرْنِي بِالعُبُودِيَّةِ لِتَنْتَفِعَ بِهِ لا أنا ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصّافّاتِ: ١٨٠] فَإنَّكَ إذا ذَكَرْتَنِي بِالتَّسْبِيحِ طَهَّرْتُكَ عَنِ المَعاصِي ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٢] أقْرِضْنِي ﴿وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحَدِيدِ: ١٨] وإنْ كُنْتُ أنا الغَنِيُّ حَتّى أرُدَّ الواحِدَ عَلَيْكَ عَشَرَةً ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [الحَدِيدِ: ١١] كُنْ مُعِينًا لِي وإنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْ إعانَتِكَ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفَتْحِ: ٤] وأيْضًا فَلا حاجَةَ بِي إلى العَسْكَرِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مُحَمَّدٍ: ٤] لَكِنَّكَ إذا نَصَرْتَنِي نَصَرْتُكَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [مُحَمَّدٍ: ٧] كُنْ مُواظِبًا عَلى ذِكْرِي ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٠٣] ولا حاجَةَ بِي إلى ذِكْرِكَ؛ لِأنَّ الكُلَّ يَذْكُرُونِي ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥] لَكِنَّكَ إذا ذَكَرْتَنِي ذَكَرْتُكَ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ١٥٢] اخْدِمْنِي: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢١] لا لِأنِّي أحْتاجُ إلى خِدْمَتِكَ فَإنِّي أنا المَلِكُ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٩] . ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٥] ولَكِنِ انْصَرِفْ إلى خِدْمَتِي هَذِهِ الأيّامَ القَلِيلَةَ لِتَنالَ الرّاحاتِ الكَثِيرَةَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٩١] .

* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: بِحَمْدِكَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ نُسَبِّحُ لَكَ حامِدِينَ لَكَ، ومُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ، وأمّا المَعْنى فَفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنّا إذا سَبَّحْناكَ فَنَحْمَدُكَ سُبْحانَكَ يَعْنِي لَيْسَ تَسْبِيحُنا تَسْبِيحًا مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، بَلْ تَسْتَحِقُّ بِحَمْدِكَ وجَلالِكَ هَذا التَّسْبِيحَ.
الثّانِي: أنّا نُسَبِّحُكَ بِحَمْدِكَ فَإنَّهُ لَوْلا إنْعامُكَ عَلَيْنا بِالتَّوْفِيقِ لَمْ نَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ كَما قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ كَيْفَ أقْدِرُ أنْ أشْكُرَكَ وأنا لا أصِلُ إلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ إلّا بِنِعْمَتِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: ”الآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي حَيْثُ عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنِّي“، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ مِن هَذا التَّسْبِيحِ فَرُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ دَخَلَ بِالغَداةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ بِالعَكْسِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي: أيُّ الكَلامِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: ما اصْطَفاهُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ“» رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: ”«كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَقالَ لَهُ: رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ لا تُصَلِّي، فَقالَ لَهُ: امْضِ إلى عَمَلِكَ إنْ كانَ لَكَ عَمَلٌ، فَقالَ ما أظُنُّ إلّا سَيَمُرُّ بِكَ مَن يُنْكِرُ عَلَيْكَ، فَمَرَّ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: يا فُلانُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ، فَقالَ لَهُ مِثْلَها فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ، وقالَ: هَذا مِن عَمَلِي ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ وصَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِن صِلاتِهِ قامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَرَرْتُ آنِفًا عَلى فُلانٍ وأنْتَ تُصَلِّي وهو جالِسٌ، فَقُلْتُ لَهُ: نَبِيُّ اللَّهِ يُصَلِّي وأنْتَ جالِسٌ، فَقالَ لِي: مُرَّ إلى عَمَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ، فَقامَ عُمَرُ مُسْرِعًا لِيَلْحَقَهُ فَيَقْتُلَهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يا عُمَرُ ارْجِعْ فَإنَّ غَضَبَكَ عِزٌّ ورِضاكَ حُكْمٌ، إنَّ لِلَّهِ في السَّماواتِ مَلائِكَةً لَهُ غِنًى بِصَلاتِهِمْ عَنْ صَلاةِ فُلانٍ، فَقالَ عُمَرُ يا رَسُولَ اللَّهِ وما صَلاتُهم ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ سَألَكَ عُمَرُ عَنْ صَلاةِ أهْلِ السَّماءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ وأخْبِرْهُ بِأنَّ أهْلَ سَماءِ الدُّنْيا سُجُودٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، وأهْلَ السَّماءِ الثّانِيَةِ قِيامٌ إلى يَوْمِ
صفحة ١٦٠
القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ، وأهْلَ السَّماءِ الثّالِثَةِ رُكُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَقُولُونَ: سُبْحانَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَهَذا هو تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ» “ .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ أيْ نُصَلِّي والتَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: التَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: نُطَهِّرُكَ أيْ نَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِنَ العُلُوِّ والعِزَّةِ.

وثانِيها: قَوْلُ مُجاهِدٍ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا مِن ذُنُوبِنا وخَطايانا ابْتِغاءً لِمَرْضاتِكَ.

وثالِثُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ نُطَهِّرُ أفْعالَنا مِن ذُنُوبِنا حَتّى تَكُونَ خالِصَةً لَكَ.

ورابِعُها: نُطَهِّرُ قُلُوبَنا عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِكَ حَتّى تَصِيرَ مُسْتَغْرِقَةً في أنْوارِ مَعْرِفَتِكَ.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى العَدْلِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: قَوْلُهم: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أضافُوا هَذِهِ الأفْعالَ إلى أنْفُسِهِمْ فَلَوْ كانَتْ أفْعالًا لِلَّهِ تَعالى لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِذَلِكَ، ولا فَضْلَ لِذَلِكَ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ؛ إذْ كُلُّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى.

وثانِيها: لَوْ كانَ الفَسادُ والقَتْلُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ أنْ يَقُولَ: إنِّي مالِكٌ أفْعَلُ ما أشاءُ.

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي التَّبَرِّيَ مِنَ الفَسادِ والقَتْلِ، لَكِنَّ التَّبَرِّيَ مِن فِعْلِ نَفْسِهِ مُحالٌ.

ورابِعُها: إذا كانَ لا فاحِشَةَ ولا قُبْحَ ولا جَوْرَ ولا ظُلْمَ ولا فَسادَ إلّا بِصُنْعِهِ وخَلْقِهِ ومَشِيئَتِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّنْزِيهُ والتَّقْدِيسُ ؟

وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ العَدْلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ لَكانَ خَلَقَهم لِذَلِكَ الكُفْرِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الجَوابُ نَعَمْ خَلَقَهم لِيُفْسِدُوا ولِيَقْتُلُوا، فَلَمّا لَمْ يَرْضَ بِهَذا الجَوابِ سَقَطَ هَذا المَذْهَبُ.

وسادِسُها: لَوْ كانَ الفَسادُ والقَتْلُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى ألْوانِهِمْ وأجْسامِهِمْ، وكَما لا يَصِحُّ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَكَذا مِنَ الفَسادِ والقَتْلِ، والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ المُعارَضَةِ بِمَسْألَةِ الدّاعِي والعِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ كَيْفَ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ السُّؤالَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ لِلتَّعَجُّبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ جَوابًا لَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ قالَ تَعالى: لا تَتَعَجَّبُوا مِن أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَن يُفْسِدُ ويَقْتُلُ، فَإنِّي أعْلَمُ مَعَ هَذا بِأنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ الصّالِحِينَ والمُتَّقِينَ، وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

وثانِيها: أنَّهُ لِلْغَمِّ فَيَكُونُ الجَوابُ لا تَغْتَمُّوا بِسَبَبِ وُجُودِ المُفْسِدِينَ فَإنِّي أعْلَمُ أيْضًا أنَّ فِيهِمْ جَمْعًا مِنَ المُتَّقِينَ، ومَن لَوْ أقْسَمَ عَلَيَّ لَأبَرَّهُ.

وثالِثُها: أنَّهُ طَلَبُ الحِكْمَةِ فَجَوابُهُ أنَّ مَصْلَحَتَكم فِيهِ أنْ تَعْرِفُوا وجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى الإجْمالِ دُونَ التَّفْصِيلِ، بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ مَفْسَدَةً لَكم.

ورابِعُها: أنَّهُ التِماسٌ؛ لِأنْ يَتْرُكَهم في الأرْضِ وجَوابُهُ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ مَصْلَحَتَكم أنْ تَكُونُوا في السَّماءِ لا في الأرْضِ، وفِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّهم لَمّا قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو أنَّ مَعَكم إبْلِيسَ، وأنَّ في قَلْبِهِ حَسَدًا وكِبْرًا ونِفاقًا.

ووَجْهٌ سادِسٌ: وهو أنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَإنَّكم لَمّا وصَفْتُمْ أنْفُسَكم بِهَذِهِ المَدائِحِ فَقَدِ اسْتَعْظَمْتُمْ أنْفُسَكم فَكَأنَّكم أنْتُمْ بِهَذا الكَلامِ في تَسْبِيحِ أنْفُسِكم لا في تَسْبِيحِي، ولَكِنِ اصْبِرُوا حَتّى يَظْهَرَ البَشَرُ فَيَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] وبِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الشُّعَراءِ: ٨٢] وبِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النَّمْلِ: ١٩] .

صفحة ١٦١
‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أعْلَمَ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا سَألُوا عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في خَلْقِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ وإسْكانِهِ تَعالى إيّاهم في الأرْضِ، وأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أرادَ تَعالى أنْ يَزِيدَهم بَيانًا، وأنْ يُفَصِّلَ لَهم ذَلِكَ المُجْمَلَ، فَبَيَّنَ تَعالى لَهم مِن فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهم، وذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلَيْهِمْ لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ كَمالَ فَضْلِهِ وقُصُورَهم عَنْهُ في العِلْمِ، فَيَتَأكَّدَ ذَلِكَ الجَوابُ الإجْمالِيُّ بِهَذا الجَوابِ التَّفْصِيلِيِّ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأشْعَرِيُّ والجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ: اللُّغاتُ كُلُّها تَوْقِيفِيَّةٌ، بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِتِلْكَ الألْفاظِ، وتِلْكَ المَعانِي، وبِأنَّ تِلْكَ الألْفاظَ مَوْضُوعَةٌ لِتِلْكَ المَعانِي، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ والكَلامُ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وجَوابًا ذَكَرْناهُ في أُصُولِ الفِقْهِ.

وقالَ أبُو هاشِمٍ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ لُغَةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ، واحْتَجَّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الوَضْعُ مَسْبُوقًا بِالِاصْطِلاحِ بِأُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ تَعالى وضَعَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِهَذا المَعْنى لَكانَ ذَلِكَ العِلْمُ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْعاقِلِ أوْ لِغَيْرِ العاقِلِ، لا جائِزٌ أنْ يَحْصُلَ لِلْعاقِلِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَصَلَ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ تَعالى وضَعَ ذَلِكَ اللَّفْظَ لِذَلِكَ المَعْنى لَصارَتْ صِفَةُ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ مَعَ أنَّ ذاتَهُ مَعْلُومَةٌ بِالِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ مُحالٌ، ولا جائِزَ أنْ يَحْصُلَ لِغَيْرِ العاقِلِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ في العُقُولِ أنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللُّغاتِ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِكَمِ العَجِيبَةِ لِغَيْرِ العاقِلِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّوْقِيفِ فاسِدٌ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ المَلائِكَةَ وذَلِكَ يُوجِبُ تَقَدُّمَ لُغَةٍ عَلى ذَلِكَ التَّكَلُّمِ.

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ يَقْتَضِي إضافَةَ التَّعْلِيمِ إلى الأسْماءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي في تِلْكَ الأسْماءِ أنَّها كانَتْ أسْماءً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ اللُّغاتُ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ.

ورابِعُها: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَحَدّى المَلائِكَةَ بِعِلْمِ الأسْماءِ فَلا بُدَّ وأنْ تَعْلَمَ المَلائِكَةُ كَوْنَهُ صادِقًا في تَعْيِينِ تِلْكَ الأسْماءِ لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ، وإلّا لَمْ يَحْصُلِ العِلْمُ بِصِدْقِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ وضْعُ تِلْكَ الأسْماءِ لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ مُتَقَدِّمًا عَلى ذَلِكَ التَّعْلِيمِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ بِخَلْقِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّ واضِعًا وضَعَ هَذِهِ الأسْماءَ لِهَذِهِ المُسَمَّياتِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ أنَّ ذَلِكَ الواضِعَ هو اللَّهُ تَعالى أوِ النّاسُ ؟ وعَلى هَذا لا يَلْزَمُ أنْ تَصِيرَ الصِّفَةُ مَعْلُومَةً بِالضَّرُورَةِ حالَ كَوْنِ الذّاتِ مَعْلُومَةً بِالدَّلِيلِ، سَلَّمْنا أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ هَذا العِلْمَ في العاقِلِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ

صفحة ١٦٢
يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ في غَيْرِ العاقِلِ، والتَّعْوِيلُ عَلى الِاسْتِعْبادِ في هَذا المَقامِ مُسْتَبْعَدٌ، وعَنِ الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: خاطَبَ المَلائِكَةَ بِطَرِيقٍ آخَرَ بِالكِتابَةِ وغَيْرِها، وعَنِ الثّالِثِ: لا شَكَّ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى وضْعَ تِلْكَ الألْفاظِ لِتِلْكَ المَعانِي سابِقَةٌ عَلى التَّعْلِيمِ، فَكَفى ذَلِكَ في إضافَةِ التَّعْلِيمِ إلى الأسْماءِ، وعَنِ الرّابِعِ: ما سَيَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ عَلَّمَهُ صِفاتِ الأشْياءِ ونُعُوتَها وخَواصَّها، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ اشْتِقاقُهُ إمّا مِنَ السِّمَةِ أوْ مِنَ السُّمُوِّ، فَإنْ كانَ مِنَ السِّمَةِ كانَ الِاسْمُ هو العَلامَةَ، وصِفاتُ الأشْياءِ ونُعُوتُها وخَواصُّها دالَّةٌ عَلى ماهِيّاتِها، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأسْماءِ: الصِّفاتُ، وإنْ كانَ مِنَ السُّمُوِّ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلِيلَ الشَّيْءِ كالمُرْتَفِعِ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإنَّ العِلْمَ بِالدَّلِيلِ حاصِلٌ قَبْلَ العِلْمِ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ الدَّلِيلُ أسْمى في الحَقِيقَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْمِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أنَّ أهْلَ النَّحْوِ خَصَّصُوا لَفْظَ الِاسْمِ بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ عُرْفٌ حادِثٌ لا اعْتِبارَ بِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مُمْكِنٌ بِحَسْبَ اللُّغَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لا غَيْرُهُ، لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الفَضِيلَةَ في مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ الفَضِيلَةِ في مَعْرِفَةِ أسْمائِها، وحَمْلُ الكَلامِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الفَضِيلَةِ عَلى ما يُوجِبُ مَزِيدَ الفَضِيلَةِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما لَيْسَ كَذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّ التَّحَدِّيَ إنَّما يَجُوزُ ويَحْسُنُ بِما يَتَمَكَّنُ السّامِعُ مِن مِثْلِهِ في الجُمْلَةِ، فَإنَّ مَن كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ والفَصاحَةِ، يَحْسُنُ أنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرُهُ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي: ائْتِ بِكَلامٍ مِثْلِ كَلامِي في الفَصاحَةِ، أمّا العَرَبِيُّ فَلا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَقُولَ لِلزَّنْجِيِّ في مَعْرِضِ التَّحَدِّي: تَكَلَّمْ بِلُغَتِي، وذَلِكَ لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ اللُّغاتِ البَتَّةَ: بَلْ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَإنْ حَصَلَ التَّعْلِيمُ، حَصَلَ العِلْمُ بِهِ وإلّا فَلا، أمّا العِلْمُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ، فالعَقْلُ مُتَمَكِّنٌ مِن تَحْصِيلِهِ فَصَحَّ وُقُوعُ التَّحَدِّي فِيهِ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ أسْماءُ كُلِّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن أجْناسِ المُحْدَثاتِ مِن جَمِيعِ اللُّغاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها ولَدُ آدَمَ اليَوْمَ مِنَ العَرَبِيَّةِ والفارِسِيَّةِ والرُّومِيَّةِ وغَيْرِها، وكانَ ولَدُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ اللُّغاتِ، فَلَمّا ماتَ آدَمُ وتَفَرَّقَ ولَدُهُ في نَواحِي العالَمِ تَكَلَّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن تِلْكَ اللُّغاتِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللِّسانُ، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ وماتَ مِنهم قَرْنٌ بَعْدَ قَرْنٍ نَسُوا سائِرَ اللُّغاتِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَغَيُّرِ الألْسِنَةِ في ولَدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ أهْلُ المَعانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ أسْماءَ المُسَمَّياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وعَلَّمَ آدَمَ مُسَمَّياتِ الأسْماءِ، قالُوا: لَكِنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٣] ولَمْ يَقُلْ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ وأنْبَأهم بِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ، وكانَ في المُسَمَّياتِ ما لا يَكُونُ عاقِلًا، فَلِمَ قالَ عَرَضَهم ولَمْ يَقُلْ عَرَضَها ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ لَمّا كانَ في جُمْلَتِها المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ وهُمُ العُقَلاءُ، فَغُلِّبَ الأكْمَلُ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِتَغْلِيبِ الكامِلِ عَلى النّاقِصِ كُلَّما غَلَّبُوا.

* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما اسْتَنْبَأهم مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِعَجْزِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

صفحة ١٦٣
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ ما ظَهَرَ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِلْمِهِ بِالأسْماءِ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأقْرَبُ أنَّهُ كانَ مَبْعُوثًا إلى حَوّاءَ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى مَن تَوَجَّهَ التَّحَدِّي إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ كانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الإرْسالُ إلى الرَّسُولِ كَبِعْثَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ حُصُولَ ذَلِكَ العِلْمِ لَهُ ناقِضٌ لِلْعادَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ ناقِضٌ لِلْعادَةِ؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ بِاللُّغَةِ لِمَن عَلَّمَهُ تَعالى، وعَدَمَ حُصُولِهِ لِمَن لَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ لَيْسَ بِناقِضٍ لِلْعادَةِ، وأيْضًا فَإمّا أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ عَلِمُوا كَوْنَ تِلْكَ الأسْماءِ مَوْضُوعَةً لِتِلْكَ المُسَمَّياتِ أوْ ما عَلِمُوا ذَلِكَ، فَإنْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَقَدْ قَدَرُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا أسْماءَ تِلْكَ المُسَمَّياتِ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ المُعارَضَةُ ولا تَظْهَرُ المَزِيَّةُ والفَضِيلَةُ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَكَيْفَ عَرَفُوا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أصابَ فِيما ذَكَرَ مِن كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الألْفاظِ اسْمًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المُسَمَّياتِ ؟
واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ هَذا السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: رُبَّما كانَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ المَلائِكَةِ لُغَةٌ مِن هَذِهِ اللُّغاتِ، وكانَ كُلُّ صِنْفٍ جاهِلًا بِلُغَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ، ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ أصْنافِ المَلائِكَةِ حَضَرُوا، وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ تِلْكَ اللُّغاتِ بِأسْرِها، فَعَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ إصابَتَهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ خاصَّةً، فَعَرَفُوا بِهَذا الطَّرِيقِ صِدْقَهُ إلّا أنَّهم بِأسْرِهِمْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ تِلْكَ اللُّغاتِ بِأسْرِها، فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا.

الثّانِي: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى عَرَّفَهم قَبْلَ أنْ يَسْمَعُوا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الأسْماءَ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى صِدْقِ آدَمَ، فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الأسْماءَ عَرَفُوا صِدْقَهُ فِيها، فَعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، سَلَّمْنا أنَّهُ ظَهَرَ عَلَيْهِ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الكَراماتِ، أوْ مِن بابِ الإرْهاصِ وهُما عِنْدَنا جائِزانِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ فَرْعًا عَلى الكَلامِ فِيهِما، واحْتَجَّ مَن قَطَعَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ لَكانَ قَدْ صَدَرَتِ المَعْصِيَةُ عَنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ، أمّا المُلازَمَةُ فَلِأنَّ صُدُورَ الزَّلَّةِ عَنْهُ كانَ بَعْدَ هَذِهِ الواقِعَةِ بِالِاتِّفاقِ، وتِلْكَ الزَّلَّةُ مِن بابِ الكَبائِرِ عَلى ما سَيَأْتِي شَرْحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والإقْدامُ عَلى الكَبِيرَةِ يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ الطَّرْدِ والتَّحْقِيرِ واللَّعْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ غَيْرُ جائِزٍ فَيَجِبُ أنْ يُقالَ: وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ.

وثانِيها: لَوْ كانَ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ كانَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى المَلائِكَةِ أوِ الإنْسِ أوِ الجِنِّ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُ الأدْوَنِ رَسُولًا إلى الأشْرَفِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ [قائِدٌ] والأُمَّةَ تَبَعٌ، وجَعْلُ الأدْوَنِ مَتْبُوعَ الأشْرَفِ خِلافُ الأصْلِ، وأيْضًا فالمَرْءُ إلى قَبُولِ القَوْلِ مِمَّنْ هو مِن جِنْسِهِ أمْكَنُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنْعامِ: ٩] ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى البَشَرِ؛ لِأنَّهُ ما كانَ هُناكَ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ إلّا حَوّاءَ، وإنَّ حَوّاءَ إنَّما عَرَفَتِ التَّكْلِيفَ لا بِواسِطَةِ آدَمَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٥] شافَهَهُما بِهَذا التَّكْلِيفِ، وما جَعَلَ آدَمَ واسِطَةً، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى الجِنِّ؛ لِأنَّهُ ما كانَ في السَّماءِ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ، ولا جائِزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى أحَدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَعْلِهِ رَسُولا التَّبْلِيغُ فَحَيْثُ لا مُبَلَّغَ لَمْ يَكُنْ

صفحة ١٦٤
فِي جَعْلِهِ رَسُولًا فائِدَةٌ، وهَذا الوَجْهُ لَيْسَ في غايَةِ القُوَّةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [طَهَ: ١٢٢] فَهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما اجْتَباهُ بَعْدَ الزَّلَّةِ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَبْلَ الزَّلَّةِ ما كانَ مُجْتَبًى، وإذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَقْتَ مُجْتَبًى وجَبَ أنْ لا يَكُونَ رَسُولًا؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ والِاجْتِباءَ مُتَلازِمانِ؛ لِأنَّ الِاجْتِباءَ لا مَعْنى لَهُ إلّا التَّخْصِيصُ بِأنْواعِ التَّشْرِيفاتِ، وكُلُّ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا فَقَدْ خَصَّهُ بِذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ١٢٤] .

* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وُجُوهًا:
أحَدُها: مَعْناهُ أعْلِمُونِي أسْماءَ هَؤُلاءِ إنْ عَلِمْتُمْ أنَّكم تَكُونُونَ صادِقِينَ في ذَلِكَ الإعْلامِ.

وثانِيها: مَعْناهُ أخْبِرُونِي ولا تَقُولُوا إلّا حَقًّا وصِدْقًا، فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّوْكِيدَ لِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ؛ لِأنَّهُ مَتى تَمَكَّنَ في أنْفُسِهِمُ العِلْمُ بِأنَّهم إنْ أخْبَرُوا لَمْ يَكُونُوا صادِقِينَ ولا لَهم إلَيْهِ سَبِيلٌ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِمْ. وثالِثُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم أنَّهُ لا شَيْءَ مِمّا يَتَعَبَّدُ بِهِ الخَلْقُ إلّا وأنْتُمْ تَصْلُحُونَ [لَهُ]، وتَقُومُونَ بِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

ورابِعُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم أنِّي لَمْ أخْلُقْ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ فَأخْبِرُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ.

* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَضْلِ العِلْمِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ما أظْهَرَ كَمالَ حِكْمَتِهِ في خَلْقِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِأنْ أظْهَرَ عِلْمَهُ، فَلَوْ كانَ في الإمْكانِ وُجُودُ شَيْءٍ أشْرَفَ مِنَ العِلْمِ لَكانَ مِنَ الواجِبِ إظْهارُ فَضْلِهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ لا بِالعِلْمِ، واعْلَمْ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والمَنقُولُ، أمّا الكِتابُ فَوُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى العِلْمَ بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَظَّمَ أمْرَ الحِكْمَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ العِلْمِ.

بَيانُ أنَّهُ تَعالى سَمّى العِلْمَ بِالحِكْمَةِ ما يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ.

وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٨٩] .

وثالِثُها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ في النِّساءِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٥٤] يَعْنِي النُّبُوَّةَ وفي ص: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٥١] .

ورابِعُها: القُرْآنُ في النَّحْلِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ١٢٥] وفي البَقَرَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] . وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ، ثُمَّ تَفَكَّرْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أعْطى مِنَ العِلْمِ إلّا القَلِيلَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٧٧] فَما سَمّاهُ قَلِيلًا لا يُمْكِنُنا أنْ نُدْرِكَ كَمِّيَّتَهُ فَما ظَنُّكَ بِما سَمّاهُ كَثِيرًا، ثُمَّ البُرْهانُ العَقْلِيُّ عَلى قِلَّةِ الدُّنْيا وكَثْرَةِ الحِكْمَةِ أنَّ الدُّنْيا مُتَناهِي القَدْرِ مُتَناهِي العَدَدِ مُتَناهِي المُدَّةِ، والعِلْمُ لا نِهايَةَ لِقَدْرِهِ وعَدَدِهِ ومُدَّتِهِ، ولا لِلسِّعاداتِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٩] وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ سَبْعِ نَفَرٍ

صفحة ١٦٥
فِي كِتابِهِ، فَرَّقَ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ فَقالَ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ١٠٠] يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ، وفَرَّقَ بَيْنَ الأعْمى والبَصِيرِ، فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وفَرَّقَ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الرَّعْدِ: ١٦] وفَرَّقَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وبَيْنَ الظِّلِّ والحَرُورِ، وإذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ كُلَّ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٥٩] والمُرادُ مِن أُولِي الأمْرِ العُلَماءُ في أصَحِّ الأقْوالِ؛ لِأنَّ المُلُوكَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَةُ العُلَماءِ ولا يَنْعَكِسُ، ثُمَّ انْظُرْ إلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ العالِمِ في مَوْضِعَيْنِ مِن كِتابِهِ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٨]، وقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٥٩] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى زادَ في الإكْرامِ فَجَعَلَهم في المَرْتَبَةِ الأُولى في آيَتَيْنِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ٧] وقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرَّعْدِ: ٤٣] .

الرّابِعُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المُجادَلَةِ: ١١] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الدَّرَجاتِ لِأرْبَعَةِ أصْنافٍ: أوَّلُها: لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ بَدْرٍ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٢] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنْفالِ: ٤] .

والثّانِيَةُ: لِلْمُجاهِدِينَ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٩٥] .

والثّالِثَةُ: لِلصّالِحِينَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [طَهَ: ٧٥] .

الرّابِعَةُ: لِلْعُلَماءِ، قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المُجادَلَةِ: ١١] واللَّهُ فَضَّلَ أهْلَ بَدْرٍ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِدَرَجاتٍ، وفَضَّلَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ بِدَرَجاتٍ، وفَضَّلَ الصّالِحِينَ عَلى هَؤُلاءِ بِدَرَجاتٍ، ثُمَّ فَضَّلَ العُلَماءَ عَلى جَمِيعِ الأصْنافِ بِدَرَجاتٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العُلَماءُ أفْضَلَ النّاسِ.

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [فاطِرٍ: ٢٨] فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ العُلَماءَ في كِتابِهِ بِخَمْسِ مَناقِبَ، أحَدُها: الإيمانُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ٧] .

وثانِيها: التَّوْحِيدُ والشَّهادَةُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] .

وثالِثُها: البُكاءُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسْراءِ: ١٠٩] .

ورابِعُها: الخُشُوعُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ١٠٧] الآيَةَ.

وخامِسُها: الخَشْيَةُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [فاطِرٍ: ٢٨] أمّا الأخْبارُ فَوُجُوهٌ:

أحَدُها: رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى عُتَقاءِ اللَّهِ مِنَ النّارِ فَلْيَنْظُرْ إلى المُتَعَلِّمِينَ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إلى بابِ عالِمٍ إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبادَةَ سَنَةٍ، وبَنى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً في الجَنَّةِ، ويَمْشِي عَلى الأرْضِ والأرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، ويُمْسِي ويُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ، وشَهِدَتِ المَلائِكَةُ لَهم بِأنَّهم عُتَقاءُ اللَّهِ مِنَ النّارِ» “ .

وثانِيها: عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن طَلَبَ العِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ العِلْمُ، فَيَكُونَ لِلَّهِ، ومَن طَلَبَ العِلْمَ لِلَّهِ فَهو كالصّائِمِ نَهارَهُ وكالقائِمِ لَيْلَهُ، وإنَّ بابًا مِنَ العِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِن
صفحة ١٦٦
أنْ يَكُونَ لَهُ أبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا فَيُنْفِقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ» “ .

وثالِثُها: عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا ”«مَن جاءَهُ المَوْتُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإسْلامَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ» “ .

ورابِعُها: أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ مَرْفُوعًا ”«يَبْعَثُ اللَّهُ العِبادَ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ العُلَماءَ فَيَقُولُ: يا مَعْشَرَ العُلَماءِ، إنِّي لَمْ أضَعْ نُورِي فِيكم إلّا لِعِلْمِي بِكم، ولَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم لِأُعَذِّبَكم، انْطَلِقُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» “ .

وخامِسُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مُعَلِّمُ الخَيْرِ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ طَيْرُ السَّماءِ ودَوابُّ الأرْضِ وحِيتانُ البُحُورِ» “ .

وسادِسُها: أبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ”«مَن صَلّى خَلْفَ عالِمٍ مِنَ العُلَماءِ فَكَأنَّما صَلّى خَلْفَ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ» “ .

وسابِعُها: ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا ”«فُضِّلَ العالِمُ عَلى العابِدِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ عَدْوُ الفَرَسِ سَبْعِينَ عامًا، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ يَضَعُ البِدْعَةَ لِلنّاسِ فَيُبْصِرُها العالِمُ فَيُزِيلُها، والعابِدُ يُقْبِلُ عَلى عِبادَتِهِ لا يَتَوَجَّهُ ولا يَتَعَرَّفُ لَها» “ .

وثامِنُها: الحَسَنُ مَرْفُوعًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى خُلَفائِي، فَقِيلَ: مَن خُلَفاؤُكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُحْيُونَ سُنَّتِي ويُعَلِّمُونَها عِبادَ اللَّهِ» “ .

وتاسِعُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن خَرَجَ يَطْلُبُ بابًا مِنَ العِلْمِ لِيَرُدَّ بِهِ باطِلًا إلى حَقٍّ أوْ ضَلالًا إلى هُدًى كانَ عَمَلُهُ كَعِبادَةِ أرْبَعِينَ عامًا» “ .

وعاشِرُها: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِعَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ ”«لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أوْ تَغْرُبُ» “ .

الحادِيَ عَشَرَ: ابْنُ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا ”«مَن طَلَبَ العِلْمَ لِيُحَدِّثَ بِهِ النّاسَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ أعْطاهُ أجْرَ سَبْعِينَ نَبِيًّا» “ .

الثّانِي عَشَرَ: عامِرٌ الجُهَنِيُّ مَرْفُوعًا ”«يُؤْتى بِمِدادِ طالِبِ العِلْمِ ودَمِ الشَّهِيدِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُفَضَّلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ» “ وفي رِوايَةٍ «فَيُرَجَّحُ مِدادُ العُلَماءِ» .

الثّالِثَ عَشَرَ: أبُو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ: ”«أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَما هو جالِسٌ والنّاسُ مَعَهُ إذْ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ أمّا أحَدُهم فَرَأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ إلَيْها، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهم، وأمّا الثّالِثُ فَإنَّهُ رَجَعَ وفَرَّ، فَلَمّا فَرَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كَلامِهِ قالَ: أُخْبِرُكم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ، أمّا الأوَّلُ: فَآوى إلى اللَّهِ فَآواهُ اللَّهُ، وأمّا الثّانِي: فاسْتَحْيا مِنَ اللَّهِ فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ، وأمّا الثّالِثُ: فَأعْرَضَ عَنِ اللَّهِ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ.

* * *
وأمّا الآثارُ فَمِن وُجُوهٍ:
(أ) العالِمُ أرْأفُ بِالتِّلْمِيذِ مِنَ الأبِ والأُمِّ؛ لِأنَّ الآباءَ والأُمَّهاتِ يَحْفَظُونَهُ مِن نارِ الدُّنْيا وآفاتِها، والعُلَماءُ يَحْفَظُونَهُ مِن نارِ الآخِرَةِ وشَدائِدِها.

(ب) قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: بِمَ وجَدْتَ هَذا العِلْمَ ؟ قالَ: بِلِسانٍ سَئُولٍ، وقَلْبٍ عَقُولٍ.

(ج) قالَ بَعْضُهم: سَلْ مَسْألَةَ الحَمْقى، واحْفَظْ حِفْظَ الأكْياسِ.

(د) مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ تَعَلَّمِ العِلْمَ فَإنْ كانَ لَكَ مالٌ كانَ العِلْمُ لَكَ جَمالًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ مالٌ كانَ العِلْمُ لَكَ مالًا.

(ه) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: لا خَيْرَ في الصَّمْتِ عَنِ العِلْمِ كَما لا خَيْرَ في الكَلامِ عَنِ الجَهْلِ.

(و) قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: العُلَماءُ ثَلاثَةٌ عالِمٌ

صفحة ١٦٧
بِاللَّهِ غَيْرُ عالِمٍ بِأمْرِ اللَّهِ، وعالِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرُ عالِمٍ بِاللَّهِ، وعالِمٌ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ.
أمّا الأوَّلُ: فَهو عَبْدٌ قَدِ اسْتَوْلَتِ المَعْرِفَةُ الإلَهِيَّةُ عَلى قَلْبِهِ، فَصارَ مُسْتَغْرِقًا بِمُشاهَدَةِ نُورِ الجَلالِ وصَفَحاتِ الكِبْرِياءِ، فَلا يَتَفَرَّغُ لِتَعَلُّمِ عِلْمِ الأحْكامِ إلّا ما لا بُدَّ مِنهُ.

الثّانِي: هو الَّذِي يَكُونُ عالِمًا بِأمْرِ اللَّهِ وغَيْرَ عالِمٍ بِاللَّهِ وهو الَّذِي عَرَفَ الحَلالَ والحَرامَ وحَقائِقَ الأحْكامِ لَكِنَّهُ لا يَعْرِفُ أسْرارَ جَلالِ اللَّهِ.

أمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَهو جالِسٌ عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ المَعْقُولاتِ وعالَمِ المَحْسُوساتِ فَهو تارَةً مَعَ اللَّهِ بِالحُبِّ لَهُ، وتارَةً مَعَ الخَلْقِ بِالشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، فَإذا رَجَعَ مِن رَبِّهِ إلى الخَلْقِ صارَ مَعَهم كَواحِدٍ مِنهم كَأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ، وإذا خَلا بِرَبِّهِ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِهِ وخِدْمَتِهِ فَكَأنَّهُ لا يَعْرِفُ الخَلْقَ، فَهَذا سَبِيلُ المُرْسَلِينَ والصِّدِّيقِينَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«سائِلِ العُلَماءَ، وخالِطِ الحُكَماءَ، وجالِسِ الكُبَراءَ» “ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «سائِلِ العُلَماءَ» أيِ العُلَماءَ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرَ العالِمِينَ بِاللَّهِ، فَأمَرَ بِمُساءَلَتِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اللَّهِ اسْتِفْتاءً مِنهم، وأمّا الحُكَماءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أوامِرَ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُخالَطَتِهِمْ، وأمّا الكُبَراءُ فَهُمُ العالِمُونَ بِاللَّهِ وبِأحْكامِ اللَّهِ فَأمَرَ بِمُجالَسَتِهِمْ؛ لِأنَّ في تِلْكَ المُجالَسَةِ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ثَلاثُ عَلاماتٍ، أمّا العالِمُ بِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ ثَلاثُ عَلاماتٍ: أنْ يَكُونَ ذاكِرًا بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ، وأنْ يَكُونَ خائِفًا مِنَ الخَلْقِ دُونَ الرَّبِّ، وأنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ النّاسِ في الظّاهِرِ ولا يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ في السِّرِّ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ فَإنَّهُ يَكُونُ ذاكِرًا خائِفًا مُسْتَحْيِيًا.

أمّا الذِّكْرُ فَذِكْرُ القَلْبِ لا ذِكْرُ اللِّسانِ، وأمّا الخَوْفُ فَخَوْفُ الرِّياءِ لا خَوْفُ المَعْصِيَةِ، وأمّا الحَياءُ فَحَياءُ ما يَخْطُرُ عَلى القَلْبِ لا حَياءُ الظّاهِرِ، وأمّا العالِمُ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ فَلَهُ سِتَّةُ أشْياءَ، الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرْناها لِلْعالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ مَعَ ثَلاثَةٍ أُخْرى: كَوْنُهُ جالِسًا عَلى الحَدِّ المُشْتَرَكِ بَيْنَ عالَمِ الغَيْبِ وعالَمِ الشَّهادَةِ، وكَوْنُهُ مُعَلِّمًا لِلْقِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَحْتاجُ الفَرِيقانِ الأوَّلانِ إلَيْهِ وهو يَسْتَغْنِي عَنْهُما، ثُمَّ قالَ: مَثَلُ العالِمِ بِاللَّهِ وبِأمْرِ اللَّهِ كَمَثَلِ الشَّمْسِ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، ومَثَلُ العالِمِ بِاللَّهِ فَقَطْ، كَمَثَلِ القَمَرِ يَكْمُلُ تارَةً ويَنْقُصُ تارَةً أُخْرى، ومَثَلُ العالِمِ بِأمْرِ اللَّهِ فَقَطْ، كَمَثَلِ السِّراجِ يُحْرِقُ نَفْسَهُ ويُضِيءُ لِغَيْرِهِ.

(ز) قالَ فَتْحٌ المَوْصِلِيُّ: ألَيْسَ المَرِيضُ إذا امْتَنَعَ عَنْهُ الطَّعامُ والشَّرابُ والدَّواءُ يَمُوتُ ؟ فَكَذا القَلْبُ إذا امْتَنَعَ عَنْهُ العِلْمُ والفِكْرُ والحِكْمَةُ يَمُوتُ.

(ح) قالَ شَقِيقٌ البَلْخِيُّ: النّاسُ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسِي عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: كافِرٌ مَحْضٌ، ومُنافِقٌ مَحْضٌ، ومُؤْمِنٌ مَحْضٌ، وذَلِكَ لِأنِّي أُفَسِّرُ القُرْآنَ فَأقُولُ عَنِ اللَّهِ وعَنِ الرَّسُولِ فَمَن لا يُصَدِّقُنِي فَهو كافِرٌ مَحْضٌ، ومَن ضاقَ قَلْبُهُ مِنهُ فَهو مُنافِقٌ مَحْضٌ، ومِن نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ، وعَزَمَ عَلى أنْ لا يُذْنِبَ كانَ مُؤْمِنًا مَحْضًا.

وقالَ أيْضًا: ثَلاثَةٌ مِنَ النَّوْمِ يُبْغِضُها اللَّهُ تَعالى، وثَلاثَةٌ مِنَ الضَّحِكِ: النَّوْمُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وقَبْلَ صَلاةِ العَتَمَةِ، والنَّوْمُ في الصَّلاةِ، والنَّوْمُ عِنْدَ مَجْلِسِ الذِّكْرِ، والضَّحِكُ خَلْفَ الجِنازَةِ، والضَّحِكُ في المَقابِرِ، والضَّحِكُ في مَجْلِسِ الذِّكْرِ.

(ط) قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرَّعْدِ: ١٧] السَّيْلُ هَهُنا العِلْمُ، شَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِالماءِ لِخَمْسِ خِصالٍ: أحَدُها: كَما أنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَذَلِكَ العِلْمُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.

والثّانِي: كَما أنَّ إصْلاحَ الأرْضِ بِالمَطَرِ فَإصْلاحُ الخَلْقِ بِالعِلْمِ.

الثّالِثُ: كَما أنَّ الزَّرْعَ والنَّباتَ لا يَخْرُجُ بِغَيْرِ المَطَرِ كَذَلِكَ الأعْمالُ والطّاعاتُ لا تَخْرُجُ بِغَيْرِ العِلْمِ.

والرّابِعُ: كَما أنَّ المَطَرَ فَرْعُ الرَّعْدِ والبَرْقِ كَذَلِكَ العِلْمُ فَإنَّهُ فَرْعُ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

الخامِسُ: كَما أنَّ المَطَرَ نافِعٌ وضارٌّ، كَذَلِكَ العِلْمُ نافِعٌ

صفحة ١٦٨
وضارٌّ: نافِعٌ لِمَن عَمِلَ بِهِ ضارٌّ لِمَن لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
(ي) كَمْ مِن مُذَكِّرٍ بِاللَّهِ ناسٍ لِلَّهِ، وكَمْ مِن مُخَوِّفٍ بِاللَّهِ جَرِيءٌ عَلى اللَّهِ، وكَمْ مِن مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ بَعِيدٌ عَنِ اللَّهِ، وكَمْ مِن داعٍ إلى اللَّهِ فارٌّ مِنَ اللَّهِ، وكَمْ مِن تالٍ كِتابَ اللَّهِ مُنْسَلِخٌ عَنْ آياتِ اللَّهِ. (يا) الدُّنْيا بُسْتانٌ زُيِّنَتْ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: عِلْمُ العُلَماءِ، وعَدْلُ الأُمَراءِ، وعِبادَةُ العُبّادِ، وأمانَةُ التُّجّارِ، ونَصِيحَةُ المُحْتَرِفِينَ.

فَجاءَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أعْلامٍ فَأقامَها بِجَنْبِ هَذِهِ الخَمْسِ جاءَ بِالحَسَدِ فَرَكَزَهُ في جَنْبِ العِلْمِ، وجاءَ بِالجَوْرِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ العَدْلِ، وجاءَ بِالرِّياءِ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ العِبادَةِ، وجاءَ بِالخِيانَةِ فَرَكَزَها بِجَنْبِ الأمانَةِ، وجاءَ بِالغِشِّ فَرَكَزَهُ بِجَنْبِ النَّصِيحَةِ.

(يب) فُضِّلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَلى التّابِعِينَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: أوَّلُها: لَمْ يَأْمُرْ أحَدًا بِشَيْءٍ حَتّى عَمِلَهُ.

والثّانِي: لَمْ يَنْهَ أحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتّى انْتَهى عَنْهُ.

والثّالِثُ: كُلُّ مَن طَلَبَ مِنهُ شَيْئًا مِمّا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَبْخَلْ بِهِ مِنَ العِلْمِ والمالِ.

والرّابِعُ: كانَ يَسْتَغْنِي بِعِلْمِهِ عَنِ النّاسِ، والخامِسُ: كانَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ سَواءً.

(يج) إذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ عِلْمَكَ يَنْفَعُكَ أمْ لا فاطْلُبْ مِن نَفْسِكَ خَمْسَ خِصالٍ: حُبُّ الفَقْرِ لِقِلَّةِ المُؤْنَةِ، وحُبُّ الطّاعَةِ طَلَبًا لِلثَّوابِ، وحُبُّ الزُّهْدِ في الدُّنْيا طَلَبًا لِلْفَراغِ، وحُبُّ الحِكْمَةِ طَلَبًا لِصَلاحِ القَلْبِ، وحُبُّ الخَلْوَةِ طَلَبًا لِمُناجاةِ الرَّبِّ.

(يد) اطْلُبْ خَمْسَةً في خَمْسَةٍ، الأوَّلُ: اطْلُبِ العِزَّ في التَّواضُعِ لا في المالِ والعَشِيرَةِ.

والثّانِي: اطْلُبِ الغِنى في القَناعَةِ لا في الكَثْرَةِ.

والثّالِثُ: اطْلُبِ الأمْنَ في الجَنَّةِ لا في الدُّنْيا.

والرّابِعُ: اطْلُبِ الرّاحَةَ في القِلَّةِ لا في الكَثْرَةِ.

والخامِسُ: اطْلُبْ مَنفَعَةَ العِلْمِ في العَمَلِ لا في كَثْرَةِ الرِّوايَةِ.

(يه) قالَ ابْنُ المُبارَكِ: ما جاءَ فَسادُ هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا مِن قِبَلِ الخَواصِّ وهم خَمْسَةٌ: العُلَماءُ، والغُزاةُ، والزُّهّادُ: والتُّجّارُ، والوُلاةُ.

أمّا العُلَماءُ فَهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وأمّا الزُّهّادُ فَعِمادُ أهْلِ الأرْضِ، وأمّا الغُزاةُ فَجُنْدُ اللَّهِ في الأرْضِ، وأمّا التُّجّارُ فَأُمَناءُ اللَّهِ في أرْضِهِ، وأمّا الوُلاةُ فَهُمُ الرُّعاةُ، فَإذا كانَ العالِمُ لِلدِّينِ واضِعًا ولِلْمالِ رافِعًا فَبِمَن يَقْتَدِي الجاهِلُ ؟ وإذا كانَ الزّاهِدُ في الدُّنْيا راغِبًا فَبِمَن يَقْتَدِي التّائِبُ ؟ وإذا كانَ الغازِي طامِعًا مُرائِيًا فَكَيْفَ يَظْفَرُ بِالعَدُوِّ ؟ وإذا كانَ التّاجِرُ خائِنًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الأمانَةُ ؟ وإذا كانَ الرّاعِي ذِئْبًا فَكَيْفَ تَحْصُلُ الرِّعايَةُ ؟

(يو) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: العِلْمُ أفْضَلُ مِنَ المالِ بِسَبْعَةِ أوْجُهٍ: أوَّلُها: العِلْمُ مِيراثُ الأنْبِياءِ، والمالُ مِيراثُ الفَراعِنَةِ.

الثّانِي: العِلْمُ لا يَنْقُصُ بِالنَّفَقَةِ والمالُ يَنْقُصُ.

والثّالِثُ: يَحْتاجُ المالُ إلى الحافِظِ والعِلْمُ يَحْفَظُ صاحِبَهُ.

والرّابِعُ: إذا ماتَ الرَّجُلُ يَبْقى مالُهُ والعِلْمُ يَدْخُلُ مَعَ صاحِبِهِ قَبْرَهُ.

والخامِسُ: المالُ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والعِلْمُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْمُؤْمِنِ.

والسّادِسُ: جَمِيعُ النّاسِ يَحْتاجُونَ إلى صاحِبِ العِلْمِ في أمْرِ دِينِهِمْ، ولا يَحْتاجُونَ إلى صاحِبِ المالِ.

السّابِعُ: العِلْمُ يُقَوِّي الرَّجُلَ عَلى المُرُورِ عَلى الصِّراطِ، والمالُ يَمْنَعُهُ.

(يز) قالَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ: إنَّ مَن يَجْلِسُ عِنْدَ العالِمِ ولا يَقْدِرُ أنْ يَحْفَظَ مِن ذَلِكَ العِلْمِ شَيْئًا فَلَهُ سَبْعُ كَراماتٍ:

أوَّلُها: يَنالُ فَضْلَ المُتَعَلِّمِينَ.

والثّانِي: ما دامَ جالِسًا عِنْدَهُ كانَ مَحْبُوسًا عَنِ الذُّنُوبِ.

والثّالِثُ: إذا خَرَجَ مِن مَنزِلِهِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: إذا جَلَسَ في حَلْقَةِ العِلْمِ فَإذا نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ حَصَلَ لَهُ مِنها نَصِيبٌ.

والخامِسُ: ما دامَ يَكُونُ في الِاسْتِماعِ، تُكْتَبُ لَهُ طاعَةٌ.

والسّادِسُ: إذا اسْتَمَعَ ولَمْ يَفْهَمْ ضاقَ قَلْبُهُ لِحِرْمانِهِ عَنْ إدْراكِ العِلْمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الغَمُّ وسِيلَةً لَهُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي“ .

والسّابِعُ: يَرى إعْزازَ المُسْلِمِينَ لِلْعالِمِ وإذْلالَهم لِلْفُسّاقِ فَيُرَدُّ قَلْبُهُ

صفحة ١٦٩
عَنِ الفِسْقِ ويَمِيلُ طَبْعُهُ إلى العِلْمِ؛ فَلِهَذا أمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُجالَسَةِ الصّالِحِينَ.
* * *
(يح) قِيلَ: مِنَ العُلَماءِ مَن يَضِنُّ بِعِلْمِهِ، ولا يُحِبُّ أنْ يُوجَدَ عِنْدَ غَيْرِهِ فَذاكَ في الدَّرْكِ الأوَّلِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَكُونُ في عِلْمِهِ بِمَنزِلَةِ السُّلْطانِ، فَإنْ رُدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حَقِّهِ غَضِبَ، فَذاكَ في الدَّرْكِ الثّانِي مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَجْعَلُ حَدِيثَهُ وغَرائِبَ عِلْمِهِ لِأهْلِ الشَّرَفِ واليَسارِ، ولا يَرى الفُقَراءَ لَهُ أهْلًا، فَذاكَ في الدَّرْكِ الثّالِثِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن كانَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ إنْ وعَظَ عَنَّفَ، وإنَّ وُعِظَ أنِفَ، فَذاكَ في الدَّرْكِ الرّابِعِ مِنَ النّارِ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن يَنْصِبُ نَفْسَهُ لَلْفُتْيا فَيُفْتِي خَطَأً، فَذاكَ في الدَّرْكِ الخامِسِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَتَعَلَّمُ كَلامَ المُبْطِلِينَ فَيَمْزُجُهُ بِالدِّينِ فَهو في الدَّرْكِ السّادِسِ مِنَ النّارِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن يَطْلُبُ العِلْمَ لِوُجُوهِ النّاسِ فَذاكَ في الدَّرْكِ السّابِعِ مِنَ النّارِ.

(يط) قالَ الفَقِيهُ أبُو اللَّيْثِ: مَن جَلَسَ مَعَ ثَمانِيَةِ أصْنافٍ مِنَ النّاسِ زادَهُ اللَّهُ ثَمانِيَةَ أشْياءَ، مَن جَلَسَ مَعَ الأغْنِياءِ زادَهُ اللَّهُ حُبَّ الدُّنْيا والرَّغْبَةَ فِيها، ومَن جَلَسَ مَعَ الفُقَراءِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الشُّكْرَ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ، ومَن جَلَسَ مَعَ السُّلْطانِ زادَهُ اللَّهُ القَسْوَةَ والكِبْرَ، ومَن جَلَسَ مَعَ النِّساءِ زادَهُ اللَّهُ الجَهْلَ والشَّهْوَةَ، ومَن جَلَسَ مَعَ الصِّبْيانِ ازْدادَ مِنَ اللَّهْوِ والمِزاحِ، ومَن جَلَسَ مَعَ الفُسّاقِ ازْدادَ مِنَ الجُرْأةِ عَلى الذُّنُوبِ وتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، ومَن جَلَسَ مَعَ الصّالِحِينَ ازْدادَ رَغْبَةً في الطّاعاتِ، ومَن جَلَسَ مَعَ العُلَماءِ ازْدادَ العِلْمَ والوَرَعَ.

(يي) إنَّ اللَّهَ عَلَّمَ سَبْعَةَ نَفَرٍ سَبْعَةَ أشْياءَ: (أ) عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ .

(ب) عَلَّمَ الخَضِرَ الفِراسَةَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكَهْفِ: ٦٥] . (ج) وعَلَّمَ يُوسُفَ عِلْمَ التَّعْبِيرِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يُوسُفَ: ١٠١] .

(د) عَلَّمَ داوُدَ صَنْعَةَ الدِّرْعِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٨٠] .

(ه) عَلَّمَ سُلَيْمانَ مَنطِقَ الطَّيْرِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النَّمْلِ: ١٦] .

(و) عَلَّمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ٤٨] .

(ز) وعَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ الشَّرْعَ والتَّوْحِيدَ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٣]، ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ١٢٩]، ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١ - ٢] . فَعِلْمُ آدَمَ كانَ سَبَبًا لَهُ في حُصُولِ السَّجْدَةِ والتَّحِيَّةِ، وعِلْمُ الخَضِرِ كانَ سَبَبًا لِأنْ وجَدَ تِلْمِيذًا مِثْلَ مُوسى ويُوشَعَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وعِلْمُ يُوسُفَ كانَ سَبَبًا لِوِجْدانِ الأهْلِ والمَمْلَكَةِ، وعِلْمُ داوُدَ كانَ سَبَبًا لِوِجْدانِ الرِّياسَةِ والدَّرَجَةِ، وعِلْمُ سُلَيْمانَ كانَ سَبَبًا لِوِجْدانِ بِلْقِيسَ والغَلَبَةِ، وعِلْمُ عِيسى كانَ سَبَبًا لِزَوالِ التُّهْمَةِ عَنْ أُمِّهِ، وعِلْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ سَبَبًا لِوُجُودِ الشَّفاعَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: مَن عَلِمَ أسْماءَ المَخْلُوقاتِ وجَدَ التَّحِيَّةَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَمَن عَلِمَ ذاتَ الخالِقِ وصِفاتِهِ أما يَجِدُ تَحِيَّةَ المَلائِكَةِ ؟ بَلْ يَجِدُ تَحِيَّةَ الرَّبِّ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ٥٨] والخَضِرُ وجَدَ بِعِلْمِ الفِراسَةِ صُحْبَةَ مُوسى، فَيا أُمَّةَ الحَبِيبِ بِعِلْمِ الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا تَجِدُونَ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٦٩]، ويُوسُفُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا نَجا مِن حَبْسِ الدُّنْيا، فَمَن كانَ عالِمًا بِتَأْوِيلِ كِتابِ اللَّهِ كَيْفَ لا يَنْجُو مِن حَبْسِ الشَّهَواتِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يُونُسَ: ٢٥] وأيْضًا فَإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يُوسُفَ: ١٠١] .

فَأنْتَ يا عالِمُ أما تَذْكُرُ مِنَّةَ اللَّهِ عَلى نَفْسِكَ حَيْثُ عَلَّمَكَ تَفْسِيرَ كِتابِهِ ؟ فَأيُّ نِعْمَةٍ أجَلُّ مِمّا أعْطاكَ اللَّهُ ؟! حَيْثُ جَعَلَكَ مُفَسِّرًا لِكَلامِهِ، وسَمِيًّا لِنَفْسِهِ، ووارِثًا لِنَبِيِّهِ، وداعِيًا لِخَلْقِهِ، وواعِظًا لِعِبادِهِ، وسِراجًا لِأهْلِ بِلادِهِ، وقائِدًا لِلْخَلْقِ إلى جَنَّتِهِ وثَوابِهِ، وزاجِرًا لَهم عَنْ نارِهِ وعِقابِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «العُلَماءُ سادَةٌ، والفُقَهاءُ قادَةٌ، ومُجالَسَتُهم زِيادَةٌ»

(كا) المُؤْمِنُ لا يَرْغَبُ في طَلَبِ العِلْمِ حَتّى يَرى سِتَّ خِصالٍ مِن نَفْسِهِ. أحَدُها: أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ

صفحة ١٧٠
أمَرَنِي بِأداءِ الفَرائِضِ، وأنا لا أقْدِرُ عَلى أدائِها إلّا بِالعِلْمِ.
الثّانِيَةُ: أنْ يَقُولَ: نَهانِي عَنِ المَعاصِي وأنا لا أقْدِرُ عَلى اجْتِنابِها إلّا بِالعِلْمِ.

الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلَيَّ شُكْرَ نِعَمِهِ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ.

والرّابِعَةُ: أمَرَنِي بِإنْصافِ الخَلْقِ وأنا لا أقْدِرُ أنْ أُنْصِفَهم إلّا بِالعِلْمِ.

والخامِسَةُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِالصَّبْرِ عَلى بَلائِهِ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ.

والسّادِسَةُ: أنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِالعَداوَةِ مَعَ الشَّيْطانِ ولا أقْدِرُ عَلَيْها إلّا بِالعِلْمِ.

(كب) طَرِيقُ الجَنَّةِ في أيْدِي أرْبَعَةٍ: العالِمِ والزّاهِدِ والعابِدِ والمُجاهِدِ، فالزّاهِدُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الأمْنَ، والعابِدُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الخَوْفَ، والمُجاهِدُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الثَّناءَ والحَمْدَ، والعالِمُ إذا كانَ صادِقًا في دَعْواهُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ.

(كج) اطْلُبْ أرْبَعَةً مِن أرْبَعَةٍ: مِنَ المَوْضِعِ السَّلامَةَ، ومِنَ الصّاحِبِ الكَرامَةَ، ومِنَ المالِ الفَراغَةَ، ومِنَ العِلْمِ المَنفَعَةَ، فَإذا لَمْ تَجِدْ مِنَ المَوْضِعِ السَّلامَةَ فالسِّجْنُ خَيْرٌ مِنهُ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن صاحِبِكَ الكَرامَةَ فالكَلْبُ خَيْرٌ مِنهُ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِن مالِكَ الفَراغَةَ فالمَدَرُ خَيْرٌ مِنهُ، وإذا لَمْ تَجِدْ مِنَ العِلْمِ المَنفَعَةَ فالمَوْتُ خَيْرٌ مِنهُ.

(كد) لا تَتِمُّ أرْبَعَةُ أشْياءَ إلّا بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: لا يَتِمُّ الدِّينُ إلّا بِالتَّقْوى، ولا يَتِمُّ القَوْلُ إلّا بِالفِعْلِ، ولا تَتِمُّ المُرُوءَةُ إلّا بِالتَّواضُعِ، ولا يَتِمُّ العِلْمُ إلّا بِالعَمَلِ، فالدِّينُ بِلا تَقْوى عَلى الخَطَرِ، والقَوْلُ بِلا فِعْلٍ كالهَدْرِ، والمُرُوءَةُ بِلا تَواضُعٍ كَشَجَرٍ بِلا ثَمَرٍ، والعِلْمُ بِلا عَمَلٍ كَغَيْثٍ بِلا مَطَرٍ.

(كه) قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ: قِوامُ الدُّنْيا بِأرْبَعَةٍ بِعالِمٍ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وجاهِلٍ لا يَسْتَنْكِفُ مِن تَعَلُّمِهِ، وغَنِيٍّ لا يَبْخَلُ بِمالِهِ، وفَقِيرٍ لا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ، فَإذا لَمْ يَعْمَلِ العالِمُ بِعِلْمِهِ اسْتَنْكَفَ الجاهِلُ مِن تَعَلُّمِهِ، وإذا بَخِلَ الغَنِيُّ بِمَعْرُوفِهِ باعَ الفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ، فالوَيْلُ لَهم والثُّبُورُ سَبْعِينَ مَرَّةً.

(كو) قالَ الخَلِيلُ: الرِّجالُ أرْبَعَةٌ رَجُلٌ يَدْرِي، ويَدْرِي أنَّهُ يَدْرِي فَهو عالِمٌ فاتَّبِعُوهُ، ورَجُلٌ يَدْرِي ولا يَدْرِي أنَّهُ يَدْرِي فَهو نائِمٌ فَأيْقِظُوهُ، ورَجُلٌ لا يَدْرِي ويَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي فَهو مُسْتَرْشِدٌ فَأرْشِدُوهُ، ورَجُلٌ لا يَدْرِي، ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي فَهو شَيْطانٌ فاجْتَنِبُوهُ.

(كز) أرْبَعَةٌ لا يَنْبَغِي لِلشَّرِيفِ أنْ يَأْنَفَ مِنها، وإنْ كانَ أمِيرًا: قِيامُهُ مِن مَجْلِسِهِ لِأبِيهِ، وخِدْمَتُهُ لِضَيْفِهِ، وخِدْمَتُهُ لِلْعالِمِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنهُ، والسُّؤالُ عَمًّا لا يَعْلَمُ مِمَّنْ هو أعْلَمُ مِنهُ.

(كح) إذا اشْتَغَلَ العُلَماءُ بِجَمْعِ الحَلالِ صارَ العَوامُّ آكِلِينَ لِلشُّبُهاتِ، وإذا صارَ العالِمُ آكِلًا لِلشُّبَهاتِ صارَ العامِّيُّ آكِلًا لِلْحَرامِ، وإذا صارَ العالِمُ آكِلًا لِلْحَرامِ صارَ العامِّيُّ كافِرًا يَعْنِي إذا اسْتَحَلُّوا.

أمّا الوُجُوهُ العَقْلِيَّةُ فَأُمُورٌ: أحَدُها: أنَّ الأُمُورَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، قِسْمٌ يَرْضاهُ العَقْلُ ولا تَرْضاهُ الشَّهْوَةُ، وقِسْمٌ تَرْضاهُ الشَّهْوَةُ، ولا يَرْضاهُ العَقْلُ، وقِسْمٌ يَرْضاهُ العَقْلُ والشَّهْوَةُ مَعًا، وقِسْمٌ لا يَرْضاهُ العَقْلُ ولا تَرْضاهُ الشَّهْوَةُ.

أمّا الأوَّلُ: فَهو الأمْراضُ والمَكارِهُ في الدُّنْيا.

وأمّا الثّانِي: فَهو المَعاصِي أجْمَعُ.

وأمّا الثّالِثُ: فَهو العِلْمُ.

وأمّا الرّابِعُ: فَهو الجَهْلُ، فَيَنْزِلُ العِلْمُ مِنَ الجَهْلِ مَنزِلَةَ الجَنَّةِ مِنَ النّارِ، فَكَما أنَّ العَقْلَ والشَّهْوَةَ لا يَرْضَيانِ بِالنّارِ فَكَذَلِكَ لا يَرْضَيانِ بِالجَهْلِ، وكَما أنَّهُما يَرْضَيانِ بِالجَنَّةِ فَكَذا يَرْضَيانِ بِالعِلْمِ، فَمَن رَضِيَ بِالجَهْلِ فَقَدْ رَضِيَ بِنارٍ حاضِرَةٍ، ومَنِ اشْتَغَلَ بِالعِلْمِ فَقَدْ خاضَ في جَنَّةٍ حاضِرَةٍ، فَكُلُّ مَنِ اخْتارَ العِلْمَ

صفحة ١٧١
يُقالُ لَهُ: تَعَوَّدْتَ المُقامَ في الجَنَّةِ فادْخُلِ الجَنَّةَ، ومَنِ اكْتَفى بِالجَهْلِ يُقالُ لَهُ: تَعَوَّدْتَ النّارَ فادْخُلِ النّارَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ جَنَّةٌ، والجَهْلَ نارٌ أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ في إدْراكِ المَحْبُوبِ، وكَمالَ الألَمِ في البُعْدِ عَنِ المَحْبُوبِ، والجِراحَةُ إنَّما تُؤْلِمُ؛ لِأنَّها تُبْعِدُ جُزْءًا مِنَ البَدَنِ عَنْ جُزْءٍ مَحْبُوبٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ وهو الِاجْتِماعُ، فَلَمّا اقْتَضَتِ الجِراحَةُ إزالَةَ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ، فَقَدِ اقْتَضَتْ إزالَةَ المَحْبُوبِ وبُعْدَهُ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ مُؤْلِمًا، والإحْراقُ بِالنّارِ إنَّما كانَ أشَدَّ إيلامًا مِنَ الجُرْحِ؛ لِأنَّ الجُرْحَ لا يُفِيدُ إلّا تَبْعِيدَ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ عَنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ، أمّا النّارُ فَإنَّها تَغُوصُ في جَمِيعِ الأجْزاءِ فاقْتَضَتْ تَبْعِيدَ جَمِيعِ الأجْزاءِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، فَلَمّا كانَتِ التَّفْرِيقاتُ في الإحْراقِ أشَدَّ كانَ الألَمُ هُناكَ أصْعَبَ، أمّا اللَّذَّةُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَحْبُوبِ، فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ تِلْكَ الطُّعُومِ لِمُوافَقَةٍ لِلْبَدَنِ، وكَذَلِكَ لَذَّةُ النَّظَرِ إنَّما تَحْصُلُ؛ لِأنَّ القُوَّةَ الباصِرَةَ مُشْتاقَةٌ إلى إدْراكِ المَرْئِيّاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ ذَلِكَ الإدْراكُ لَذَّةً لَها، فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذا أنَّ اللَّذَّةَ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَحْبُوبِ، والألَمَ عِبارَةٌ عَنْ إدْراكِ المَكْرُوهِ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلَّما كانَ الإدْراكُ أغْوَصَ وأشَدَّ، والمُدْرِكُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، والمُدْرَكُ أنْقى وأبْقى، وجَبَ أنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ أشْرَفَ وأكْمَلَ.
ولا شَكَّ أنَّ مَحْمِلَ العِلْمِ هو الرُّوحُ وهو أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ، ولا شَكَّ أنَّ الإدْراكَ العَقْلِيَّ أغَوْصَ وأشْرَفَ عَلى ما سَيَجِيءُ بَيانُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورِ: ٣٥] . وأمّا المَعْلُومُ فَلا شَكَّ أنَّهُ أشْرَفُ؛ لِأنَّهُ هو اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ وجَمِيعُ مَخْلُوقاتِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأفْلاكِ والعَناصِرِ والجَماداتِ والنَّباتِ والحَيَواناتِ، وجَمِيعُ أحْكامِهِ وأوامِرِهِ وتَكالِيفِهِ وأيُّ مَعْلُومٍ أشْرَفُ مِن ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا كَمالَ، ولا لَذَّةَ فَوْقَ كَمالِ العِلْمِ ولَذّاتِهِ، ولا شَقاوَةَ ولا نُقْصانَ فَوْقَ شَقاوَةِ الجَهْلِ ونُقْصانِهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ أنَّهُ إذا سُئِلَ الواحِدُ مِنّا عَنْ مَسْألَةٍ عِلْمِيَّةٍ، فَإنْ عَلِمَها وقَدِرَ عَلى الجَوابِ والصَّوابِ فِيها فَرِحَ بِذَلِكَ وابْتَهَجَ بِهِ، وإنْ جَهِلَها نَكَّسَ رَأْسَهُ حَياءً مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّذَّةَ الحاصِلَةَ بِالعِلْمِ أكْمَلُ اللَّذّاتِ، والشَّقاءَ الحاصِلَ بِالجَهْلِ أكْمَلُ أنْواعِ الشَّقاءِ.

* * *
واعْلَمْ أنَّ هَهُنا وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ نَسِينا إيرادَها قَبْلَ ذَلِكَ فَلا بَأْسَ أنْ نَذْكُرَها هَهُنا.
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [العَلَقِ: ١ - ٥] فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ التَّناسُبِ بَيْنَ الآياتِ فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وجْهَ المُناسَبَةِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلَ حالِ الإنْسانِ، وهو كَوْنُهُ عَلَقَةً مَعَ أنَّها أخَسُّ الأشْياءِ، وآخِرَ حالِهِ وهي صَيْرُورَتُهُ عالِمًا وهو أجَلُّ المَراتِبِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُنْتَ أنْتَ في أوَّلِ حالِكَ في تِلْكَ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي غايَةُ الخَساسَةِ فَصِرْتَ في آخِرِ حالِكَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي هي الغايَةُ في الشَّرَفِ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ العِلْمُ أشْرَفَ المَراتِبِ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ أشْرَفَ لَكانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ في هَذا المَقامِ أوْلى.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما اسْتَحَقَّ الوَصْفَ بِالأكْرَمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أعْطى العِلْمَ فَلَوْلا أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ وإلّا لَما كانَتْ إفادَتُهُ أشْرَفَ مِن إفادَةِ غَيْرِهِ.

صفحة ١٧٢
الثّالِثُ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها وُجُوهٌ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى فَضْلِ العِلْمِ.
أحَدُها: دَلالَتُها عَلى أُمَمٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العُلَماءَ مِن أهْلِ الخَشْيَةِ، ومَن كانَ مِن أهْلِ الخَشْيَةِ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فالعُلَماءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَبَيانُ أنَّ العُلَماءَ مِن أهْلِ الخَشْيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [فاطِرٍ: ٢٨]، وبَيانُ أنَّ أهْلَ الخَشْيَةِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البَيِّنَةِ: ٨] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البَيِّنَةِ: ٨]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرَّحْمَنِ: ٤٦]، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ”«وعِزَّتِي وجَلالِي لا أجْمَعُ عَلى عَبْدِي خَوْفَيْنِ ولا أجْمَعُ لَهُ أمْنَيْنِ، فَإذا أمِنَنِي في الدُّنْيا أخَفْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا خافَنِي في الدُّنْيا أمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ» “ واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ إثْباتُ مُقَدِّمَتَيْ هَذِهِ الدَّلالَةِ بِالعَقْلِ، أمّا بَيانُ أنَّ العالِمَ بِاللَّهِ يَجِبُ أنْ يَخْشاهُ، فَذَلِكَ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِالشَّيْءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ خائِفًا مِنهُ، ثُمَّ إنَّ العِلْمَ بِالذّاتِ لا يَكْفِي في الخَوْفِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العِلْمِ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: مِنها: العِلْمُ بِالقُدْرَةِ؛ لِأنَّ المَلِكَ عالِمٌ بِاطِّلاعِ رَعِيَّتِهِ عَلى أفْعالِهِ القَبِيحَةِ، لَكِنَّهُ لا يَخافُهم لِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِها، ومِنها: العِلْمُ بِكَوْنِهِ عالِمًا؛ لِأنَّ السّارِقَ مِن مالِ السُّلْطانِ يَعْلَمُ قُدْرَتَهُ، ولَكِنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِسَرِقَتِهِ فَلا يَخافُهُ، ومِنها العِلْمُ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا، فَإنَّ المُسَخَّرَ عِنْدَ السُّلْطانِ عالِمٌ بِكَوْنِ السُّلْطانِ قادِرًا عَلى مَنعِهِ عالِمًا بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ يَرْضى بِما لا يَنْبَغِي فَلا يَحْصُلُ الخَوْفُ، أمّا لَوْ عَلِمَ اطِّلاعَ السُّلْطانِ عَلى قَبائِحِ أفْعالِهِ وعَلِمَ قُدْرَتَهُ عَلى مَنعِهِ وعَلِمَ أنَّهُ حَكِيمٌ لا يَرْضى بِشَفاهَتِهِ؛ صارَتْ هَذِهِ العُلُومُ الثَّلاثَةُ مُوجِبَةً لِحُصُولِ الخَوْفِ في قَلْبِهِ، فَثَبَتَ أنَّ خَوْفَ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا عَلِمَ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، غَيْرَ راضٍ بِالمُنْكَراتِ والمُحَرَّماتِ، فَثَبَتَ أنَّ الخَوْفَ مِن لَوازِمِ العِلْمِ بِاللَّهِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الخَوْفَ سَبَبُ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا سَنَحَ لِلْعَبْدِ لَذَّةٌ عاجِلَةٌ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّذَّةُ عَلى خِلافِ أمْرِ اللَّهِ، وفِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُشْتَمِلًا عَلى مَنفَعَةٍ ومَضَرَّةٍ، فَصَرِيحُ العَقْلِ حاكِمٌ بِتَرْجِيحِ الجانِبِ الرّاجِحِ عَلى الجانِبِ المَرْجُوحِ، فَإذا عَلِمَ بِنُورِ الإيمانِ أنَّ اللَّذَّةَ العاجِلَةَ حَقِيرَةٌ في مُقابَلَةِ الألَمِ الآجِلِ، صارَ ذَلِكَ الإيمانُ سَبَبًا لِفِرارِهِ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ العاجِلَةِ، وذَلِكَ هو الخَشْيَةُ، وإذا صارَ تارِكًا لِلْمَحْظُورِ فاعِلًا لِلْواجِبِ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالشَّواهِدِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ أنَّ العالِمَ بِاللَّهِ خائِفٌ، والخائِفُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ.

وثانِيها: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أهْلٌ إلّا العُلَماءَ، وذَلِكَ لِأنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا لِلْعُلَماءِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البَيِّنَةِ: ٨] دالَّةٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ لِأهْلِ الخَشْيَةِ، وكَوْنُها لِأهْلِ الخَشْيَةِ يُنافِي كَوْنَها لِغَيْرِهِمْ، فَدَلَّ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أهْلٌ إلّا العُلَماءَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الخَشْيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن لَوازِمِ العِلْمِ بِاللَّهِ، فَعِنْدَ عَدَمِ الخَشْيَةِ يَلْزَمُ عَدَمُ العِلْمِ بِاللَّهِ، وهَذِهِ الدَّقِيقَةُ تُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العِلْمَ الَّذِي هو سَبَبُ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يُورِثُ الخَشْيَةَ، وأنَّ أنْواعَ المُجادَلاتِ وإنْ دَقَّتْ وغَمُضَتْ إذا خَلَتْ عَنْ إفادَةِ الخَشْيَةِ كانَتْ مِنَ العِلْمِ المَذْمُومِ.

صفحة ١٧٣
وثالِثُها: قُرِئَ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [فاطِرٍ: ٢٨] بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ تَعالى لَوْ جازَتِ الخَشْيَةُ عَلَيْهِ، لَما خَشِيَ العُلَماءُ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ ما يَجُوزُ وبَيْنَ ما لا يَجُوزُ، وأمّا الجاهِلُ الَّذِي لا يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ فَأيُّ مُبالاةٍ بِهِ وأيُّ التِفاتٍ إلَيْهِ ؟ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ نِهايَةُ المَنصِبِ لِلْعُلَماءِ والتَّعْظِيمِ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [طه: ١١٤] . وفِيهِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى نَفاسَةِ العِلْمِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وفَرْطِ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، حَيْثُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِالِازْدِيادِ مِنهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، وقالَ قَتادَةُ: لَوِ اكْتَفى أحَدٌ مِنَ العِلْمِ لاكْتَفى نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقُلْ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٦] .

الخامِسُ: كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُلْكِ الدُّنْيا ما كانَ حَتّى إنَّهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٣٥] ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَفْتَخِرْ بِالمَمْلَكَةِ، وافْتَخَرَ بِالعِلْمِ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ [النَّمْلِ: ١٦] فافْتَخَرَ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِمَنطِقِ الطَّيْرِ، فَإذا حَسُنَ مِن سُلَيْمانَ أنْ يَفْتَخِرَ بِذَلِكَ العِلْمِ فَلَأنْ يَحْسُنَ بِالمُؤْمِنِ أنْ يَفْتَخِرَ بِمَعْرِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ كانَ أحْسَنَ، ولِأنَّهُ قَدَّمَ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ [النَّمْلِ: ١٦] وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ كَمالَ حالِهِمْ قَدَّمَ العِلْمَ أوَّلًا، وقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٧٨] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٧٩] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ الدُّنْيا فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ.

السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: الهُدْهُدُ مَعَ أنَّهُ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، ومَعَ أنَّهُ كانَ في مَوْقِفِ المُعاتَبَةُ قالَ لِسُلَيْمانَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النَّمْلِ: ٢٢]، فَلَوْلا أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الأشْياءِ وإلّا فَمِن أيْنَ لِلْهُدْهُدِ أنْ يَتَكَلَّمَ في مَجْلِسِ سُلَيْمانَ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، ولِذَلِكَ يُرى الرَّجُلُ السّاقِطُ إذا تَعَلَّمَ العِلْمَ صارَ نافِذَ القَوْلِ عِنْدَ السَّلاطِينِ، وما ذاكَ إلّا بِبَرَكَةِ العِلْمِ.

السّابِعُ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» “ وفي التَّفْضِيلِ وجْهانِ: أحَدُها: أنَّ التَّفَكُّرَ يُوصِلُكَ إلى اللَّهِ تَعالى، والعِبادَةَ تُوصِلُكَ إلى ثَوابِ اللَّهِ تَعالى، والَّذِي يُوصِلُكَ إلى اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا يُوصِلُكَ إلى غَيْرِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّ التَّفَكُّرَ عَمَلُ القَلْبِ، والطّاعَةَ عَمَلُ الجَوارِحِ، والقَلْبُ أشْرَفُ مِنَ الجَوارِحِ فَكانَ عَمَلُ القَلْبِ أشْرَفَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] جَعَلَ الصَّلاةَ وسِيلَةً إلى ذِكْرِ القَلْبِ، والمَقْصُودُ أشْرَفُ مِنَ الوَسِيلَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ.

الثّامِنُ: قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٣]، ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٣]، فَسَمّى العِلْمَ عَظِيمًا، وسَمّى الحِكْمَةَ خَيْرًا كَثِيرًا، فالحِكْمَةُ هي العِلْمُ، وقالَ أيْضًا: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١ - ٢] فَجَعَلَ هَذِهِ النِّعْمَةَ مُقَدَّمَةً عَلى جَمِيعِ النِّعَمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِ.

التّاسِعُ: أنَّ سائِرَ كُتُبِ اللَّهِ ناطِقَةٌ بِفَضْلِ العِلْمِ، أمّا التَّوْراةُ فَقالَ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”عَظِّمِ الحِكْمَةَ فَإنِّي لا أجْعَلُ الحِكْمَةَ في قَلْبِ عَبْدٍ إلّا وأرَدْتُ أنْ أغْفِرَ لَهُ فَتَعَلَّمْها ثُمَّ اعْمَلْ بِها، ثُمَّ ابْذُلْها كَيْ تَنالَ بِها كَرامَتِي في الدُّنْيا والآخِرَةِ“، وأمّا الزَّبُورُ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ”يا داوُدُ قُلْ لِأحْبارِ

صفحة ١٧٤
بَنِي إسْرائِيلَ ورُهْبانِهِمْ حادِثُوا مِنَ النّاسِ الأتْقِياءَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهِمْ تَقِيًّا فَحادِثُوا العُلَماءَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا عالِمًا فَحادِثُوا العُقَلاءَ، فَإنَّ التُّقى والعِلْمَ والعَقْلَ ثَلاثُ مَراتِبَ ما جَعَلْتُ واحِدَةً مِنهُنَّ في أحَدٍ مِن خَلْقِي وأنا أُرِيدُ إهْلاكَهُ“ وأقُولُ: إنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى التُّقى عَلى العِلْمِ؛ لِأنَّ التُّقى لا يُوجَدُ بِدُونِ العِلْمِ، كَما بَيَّنّا أنَّ الخَشْيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مَعَ العِلْمِ، والمَوْصُوفُ بِالأمْرَيْنِ أشْرَفُ مِنَ المَوْصُوفِ بِأمْرٍ واحِدٍ، وهَذا السِّرُّ أيْضًا قَدَّمَ العالِمَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عاقِلًا، أمّا العاقِلُ فَقَدْ لا يَكُونُ عالِمًا، فالعَقْلُ كالبَذْرِ والعِلْمُ كالشَّجَرَةِ والتَّقْوى كالثَّمَرِ.
وأمّا الإنْجِيلُ قالَ اللَّهُ تَعالى في السُّورَةِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنهُ ”ويْلٌ لِمَن سَمِعَ بِالعِلْمِ فَلَمْ يَطْلُبْهُ كَيْفَ يُحْشَرُ مَعَ الجُهّالِ إلى النّارِ، اطْلُبُوا العِلْمَ وتَعَلَّمُوهُ، فَإنَّ العِلْمَ إنْ لَمْ يُسْعِدْكم لَمْ يُشْقِكم، وإنْ لَمْ يَرْفَعْكم لَمْ يَضَعْكم، وإنْ لَمْ يُغْنِكم لَمْ يُفْقِرْكم، وإنْ لَمْ يَنْفَعْكم لَمْ يَضُرَّكم، ولا تَقُولُوا: نَخافُ أنْ نَعْلَمَ فَلا نَعْمَلُ، ولَكِنْ قُولُوا: نَرْجُو أنْ نَعْلَمَ فَنَعْمَلَ“ والعِلْمُ شَفِيعٌ لِصاحِبِهِ وحَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ لا يُخْزِيَهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: ”يا مَعاشِرَ العُلَماءِ ما ظَنُّكم بِرَبِّكم ؟ يَقُولُونَ: ظَنُّنا أنْ يَرْحَمَنا ويَغْفِرَ لَنا، فَيَقُولُ: فَإنِّي قَدْ فَعَلْتُ، إنِّي قَدِ اسْتَوْدَعْتُكم حِكْمَتِي لا لِشَرٍّ أرَدْتُهُ بِكم، بَلْ لِخَيْرٍ أرَدْتُهُ بِكم، فادْخُلُوا في صالِحِ عِبادِي إلى جَنَّتِي بِرَحْمَتِي“ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: وجَدْتُ في الإنْجِيلِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ: يا عِيسى عَظِّمِ العُلَماءَ واعْرِفْ فَضْلَهم؛ لِأنِّي فَضَّلْتُهم عَلى جَمِيعِ خَلْقِي إلّا النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ كَفَضْلِ الشَّمْسِ عَلى الكَواكِبِ، وكَفَضْلِ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، وكَفَضْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

* * *
أمّا الأخْبارُ:
(أ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِلْعُلَماءِ: ”إنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ عَلى ما كانَ مِنكم“» .

(ب) قالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً بَلِيغَةً قَبْلَ وفاتِهِ وهي آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ، فَقالَ: ”«مَن تَعَلَّمَ العِلْمَ وتَواضَعَ في العِلْمِ وعَلَّمَهَ عِبادَ اللَّهِ يُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ أفْضَلُ ثَوابًا مِنهُ ولا أعْظَمُ مَنزِلَةً، ولَمْ يَكُنْ في الجَنَّةِ مَنزِلَةٌ ولا دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ نَفِيسَةٌ إلّا كانَ لَهُ فِيها أوْفَرُ النَّصِيبِ وأشْرَفُ المَنازِلِ» “ .

(ج) ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صُفَّتْ مَنابِرُ مِن ذَهَبٍ عَلَيْها قِبابٌ مِن فِضَّةٍ مُنَضَّدَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ والزُّمُرُّدِ جِلالُها السُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ، ثُمَّ يُنادِي مُنادِي الرَّحْمَنِ: أيْنَ مَن حَمَلَ إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عِلْمًا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ: اجْلِسُوا عَلى هَذِهِ المَنابِرِ فَلا خَوْفَ عَلَيْكم حَتّى تَدْخُلُوا الجَنَّةَ» .

(د) عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ: أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عُلَماءُ حُكَماءُ كَأنَّهم مِنَ الفِقْهِ أنْبِياءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللَّهِ بِاليَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، ويَرْضى اللَّهُ مِنهم بِاليَسِيرِ مِنَ العَمَلِ، ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

(ه) قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في طَلَبِ العِلْمِ، حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلى النّارِ، واسْتَغْفَرَ لَهُ مَلَكاهُ، وإنْ ماتَ في طَلَبِهِ ماتَ شَهِيدًا، وكانَ قَبْرُهُ رَوْضَةً مِن رِياضِ الجَنَّةِ، ويُوَسَّعُ لَهُ في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، ويُنَوَّرُ عَلى جِيرانِهِ أرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَمِينِهِ، وأرْبَعِينَ قَبْرًا عَنْ يَسارِهِ، وأرْبَعِينَ عَنْ خَلْفِهِ، وأرْبَعِينَ أمامَهُ، ونَوْمُ العالِمِ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتُهُ تَسْبِيحٌ، ونَفْسُهُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ مِن عَيْنَيْهِ تُطْفِئُ بَحْرًا مِن جَهَنَّمَ، فَمَن أهانَ العالِمَ فَقَدْ أهانَ العِلْمَ، ومَن أهانَ العِلْمَ فَقَدْ أهانَ النَّبِيَّ، ومَن أهانَ النَّبِيَّ فَقَدْ أهانَ جِبْرِيلَ، ومَن أهانَ جِبْرِيلَ أهانَ اللَّهَ، ومَن أهانَ اللَّهَ أهانَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» “ .

(و) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا أُخْبِرُكم بِأجْوَدِ الأجْوادِ ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُ تَعالى أجْوَدُ الأجْوادِ، وأنا أجْوَدُ ولَدِ آدَمَ، وأجْوَدُهم مِن بَعْدِي رَجُلٌ عالِمٌ يَنْشُرُ عِلْمَهُ فَيُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ، ورَجُلٌ جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ» “ .

(ز) عَنْ أبِي

صفحة ١٧٥
هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ”«مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الآخِرَةِ، ومَن يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ تَعالى في عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ، ومَن سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في مَسْجِدٍ مِن مَساجِدِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ.
(ح) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ» “ .

قالَ الرّاوِي: فَأعْظَمُ مَرْتَبَةٍ هي واسِطَةٌ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ.

(ط) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهادٌ، وتَعْلِيمَهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ» “ لِأنَّهُ مَعالِمُ الحَلالِ والحَرامِ ومَنارُ سُبُلِ الجَنَّةِ والأنِيسُ مِنَ الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الوَحْدَةِ والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والسِّلاحُ عَلى الأعْداءِ، والدِّينُ عِنْدَ الِاخْتِلافِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا فَيَجْعَلُهم في الخَيْرِ قادَةً هُداةً يُهْتَدى بِهِمْ، وأئِمَّةً في الخَيْرِ يُقْتَفى بِآثارِهِمْ، ويُقْتَدى بِأفْعالِهِمْ، ويُنْتَهى إلى آرائِهِمْ تَرْغَبُ المَلائِكَةُ في خِلْقَتِهِمْ وبِأجْنِحَتِها تَمْسَحُهم، وفي صَلاتِها تَسْتَغْفِرُ لَهم حَتّى كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وحِيتانُ البَحْرِ وهَوامُّهُ وسِباعُ البَرِّ وأنْعامُهُ والسَّماءُ ونُجُومُها؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ العَمى ونُورُ الأبْصارِ مِنَ الظُّلْمَةِ، وقُوَّةُ الأبْدانِ مِنَ الضَّعْفِ يَبْلُغُ بِالبَعِيدِ مَنازِلَ الأحْرارِ ومَجالِسَ المُلُوكِ والدَّرَجاتِ العُلا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والتَّفَكُّرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصِّيامِ، ومُدارَسَتُهُ بِالقِيامِ بِهِ يُطاعُ اللَّهُ ويُعْبَدُ، وبِهِ يُمَجَّدُ ويُوَحَّدُ، وبِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ، وبِهِ يُعْرَفُ الحَلالُ والحَرامُ.

(ي) أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ ولَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ» “

(يا) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«إذا سَألْتُمُ الحَوائِجَ فاسْألُوها النّاسَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ القُرْآنِ، قِيلَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أهْلُ العِلْمِ، قِيلَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: الصِّباحُ الوُجُوهِ» “ .

قالَ الرّاوِي: والمُرادُ بِأهْلِ القُرْآنِ مَن يَحْفَظُ مَعانِيَهُ

(يب) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، والدُّنْيا سُمُّ اللَّهِ القَتّالُ لِعِبادِهِ فَخُذُوا مِنها بِقَدْرِ السُّمِّ في الأدْوِيَةِ لَعَلَّكم تَنْجُونَ» “ قالَ الرّاوِي: والعُلَماءُ داخِلُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا حَرامٌ فاجْتَنِبُوهُ، وهَذا حَلالٌ فَخُذُوهُ.

(يج) في الخَبَرِ: العالِمُ نَبِيٌّ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ.

(يد) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُنْ عالِمًا، أوْ مُتَعَلِّمًا، أوْ مُسْتَمِعًا، أوْ مُحِبًّا، ولا تَكُنِ الخامِسَ فَتَهْلِكَ» “ .

* * *
قالَ الرّاوِي: وجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وبَيْنَ الرِّوايَةِ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ رَجُلانِ: عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ، وسائِرُ النّاسِ هَمَجٌ لا خَيْرَ فِيهِمْ» “ إنَّ المُسْتَمِعَ والمُحِبَّ بِمَنزِلَةِ المُتَعَلِّمِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ الأعْرابِ لِوَلَدِهِ: كُنْ سَبُعًا خالِسًا، أوْ ذِئْبًا خانِسًا، أوْ كَلْبًا حارِسًا، وإيّاكَ وأنْ تَكُونَ إنْسانًا ناقِصًا.
(يه) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَنِ اتَّكَأ عَلى يَدِهِ عالِمٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، ومَن قَبَّلَ رَأْسَ عالِمٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً» “ .

(يو) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”«بَكَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ ومَن عَلَيْهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ ومَن عَلَيْهِنَّ لِعَزِيزٍ ذَلَّ وغَنِيٍّ افْتَقَرَ، وعالِمٍ يَلْعَبُ بِهِ الجُهّالُ» “ .

(يز) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«حَمَلَةُ القُرْآنِ عُرَفاءُ أهْلِ الجَنَّةِ، والشُّهَداءُ قُوّادُ أهْلِ الجَنَّةِ، والأنْبِياءُ سادَةُ أهْلِ الجَنَّةِ» “ .

(يح) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«العُلَماءُ مَفاتِيحُ الجَنَّةِ وخُلَفاءُ الأنْبِياءِ» “ .

صفحة ١٧٦
قالَ الرّاوِي: الإنْسانُ لا يَكُونُ مِفْتاحًا إنَّما المَعْنى أنَّ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ مِفْتاحَ الجِنانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ مَن رَأى في النَّوْمِ أنَّ بِيَدِهِ مَفاتِيحَ الجَنَّةِ فَإنَّهُ يُؤْتى عِلْمًا في الدِّينِ.
(يط) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ألْفَ رَحْمَةٍ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ الغافِلِينَ، والبالِغِينَ وغَيْرِ البالِغِينَ، فَتِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً لِلْعُلَماءِ وطالِبِي العِلْمِ والمُسْلِمِينَ، والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لِسائِرِ النّاسِ» “ .

(كَ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«قُلْتُ يا جِبْرِيلُ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ لِأُمَّتِي ؟ قالَ: العِلْمُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: النَّظَرُ إلى العالِمِ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: زِيارَةُ العالِمِ، ثُمَّ قالَ: ومَن كَسَبَ العِلْمَ لِلَّهِ وأرادَ بِهِ صَلاحَ نَفْسِهِ وصَلاحَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، فَأنا كَفِيلُهُ بِالجَنَّةِ» “ .

(كا) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَشَرَةٌ تُسْتَجابُ لَهُمُ الدَّعْوَةُ: العالِمُ، والمُتَعَلِّمُ، وصاحِبُ حُسْنِ الخُلُقِ، والمَرِيضُ، واليَتِيمُ، والغازِي، والحاجُّ، والنّاصِحُ لِلْمُسْلِمِينَ، والوَلَدُ المُطِيعُ لِأبَوَيْهِ، والمَرْأةُ المُطِيعَةُ لِزَوْجِها» “

(كب) ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ما العِلْمُ ؟ فَقالَ: دَلِيلُ العَمَلِ، قِيلَ: فَما العَقْلُ ؟ قالَ: قائِدُ الخَيْرِ، قِيلَ: فَما الهَوى ؟ قالَ: مَرْكَبُ المَعاصِي، قِيلَ: فَما المالُ ؟ قالَ: رِداءُ المُتَكَبِّرِينَ، قِيلَ: فَما الدُّنْيا ؟ قالَ: سُوقُ الآخِرَةِ» “ .

(كج) «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُحَدِّثُ إنْسانًا فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن عُمُرِ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي تُحَدِّثُهُ إلّا ساعَةٌ، وكانَ هَذا وقْتَ العَصْرِ، فَأخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فاضْطَرَبَ الرَّجُلُ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلى أوْفَقِ عَمَلٍ لِي في هَذِهِ السّاعَةِ، قالَ: اشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ، فاشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ، وقُبِضَ قَبْلَ المَغْرِبِ» .

قالَ الرّاوِي: فَلَوْ كانَ شَيْءٌ أفْضَلَ مِنَ العِلْمِ لَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

(كد) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ كُلُّهم مَوْتى إلّا العالِمُونَ» “ والخَبَرُ مَشْهُورٌ.

(كه) عَنْ أنَسٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«سَبْعَةٌ لِلْعَبْدِ تَجْرِي بَعْدَ مَوْتِهِ: مَن عَلَّمَ عِلْمًا، أوْ أجْرى نَهْرًا، أوْ حَفَرَ بِئْرًا، أوْ بَنى مَسْجِدًا، أوْ ورِّثَ مُصْحَفًا، أوْ تَرَكَ ولَدًا صالِحًا يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ، أوْ صَدَقَةً تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» “ فَقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّعْلِيمَ عَلى جَمِيعِ الِانْتِفاعاتِ؛ لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ، والرُّوحانِيُّ أبْقى مِنَ الجُسْمانِيّاتِ.

(كو) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا تُجالِسُوا العُلَماءَ إلّا إذا دَعَوْكم مِن خَمْسٍ إلى خَمْسٍ: مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ الكِبَرِ إلى التَّواضُعِ، ومِنَ العَداوَةِ إلى النَّصِيحَةِ، ومِنَ الرِّياءِ إلى الإخْلاصِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ إلى الزُّهْدِ» “

(كز) «أوْصى النَّبِيُّ ﷺ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا عَلِيُّ احْفَظِ التَّوْحِيدَ فَإنَّهُ رَأْسُ مالِي، والزَمِ العَمَلَ فَإنَّهُ حِرْفَتِي، وأقِمِ الصَّلاةَ فَإنَّها قُرَّةُ عَيْنِي، واذْكُرِ الرَّبَّ فَإنَّهُ بَصِيرَةُ فُؤادِي، واسْتَعْمِلِ العِلْمَ فَإنَّهُ مِيراثِي» .

(كح) أبُو كَبْشَةَ الأنْصارِيُّ قالَ: «ضَرَبَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلَ الدُّنْيا مَثَلَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا وآتاهُ مالًا فَهو يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ في مالِهِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا ولَمْ يُؤْتِهِ مالًا فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَفْعَلُ فُلانٌ فَهُما في الأجْرِ سَواءٌ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا ولَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهو يَمْنَعُهُ مِنَ الحَقِّ ويُنْفِقُهُ في الباطِلِ، ورَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ولَمْ يُؤْتِهِ مالًا، فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَفْعَلُ فُلانٌ فَهُما في الوِزْرِ سَواءٌ» .

الآثارُ: (أ) كُمَيْلُ بْنُ زِيادٍ قالَ: أخَذَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِي فَأخْرَجَنِي إلى الجَبّانَةِ فَلَمّا أصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ، ثُمَّ قالَ: يا كُمَيْلُ بْنَ زِيادٍ إنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أوْعِيَةٌ فَخَيْرُها أوْعاها، فاحْفَظْ ما أقُولُ لَكَ: النّاسُ ثَلاثَةٌ: عالِمٌ رَبّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلى سَبِيلِ نَجاةٍ، وهَمَجٌ رِعاعٌ أتْباعُ كُلِّ ناعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ العِلْمِ، ولَمْ يَلْجَئُوا إلى رُكْنٍ وثِيقٍ، ياكُمَيْلُ، العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المالِ، والعِلْمُ يَحْرُسُكَ وأنْتَ تَحْرُسُ المالَ، والمالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، والعِلْمُ يَزْكُو بِالإنْفاقِ، وصَنِيعُ المالِ يَزُولُ بِزَوالِهِ، يا كُمَيْلُ مَعْرِفَةُ العِلْمِ زَيْنٌ يُزانُ بِهِ يَكْتَسِبُ

صفحة ١٧٧
بِهِ الإنْسانُ الطّاعَةَ في حَياتِهِ، وجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وفاتِهِ، والعِلْمُ حاكِمٌ، والمالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.
(ب) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِن مَنزِلِهِ وعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ جَبَلِ تِهامَةَ، فَإذا سَمِعَ العِلْمَ، وخافَ واسْتَرْجَعَ عَلى ذُنُوبِهِ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ ولَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، فَلا تُفارِقُوا مَجالِسَ العُلَماءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ تُرْبَةً عَلى وجْهِ الأرْضِ أكْرَمَ مِن مَجالِسِ العُلَماءِ.

(ج) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خُيَّرَ سُلَيْمانُ بَيْنَ المُلْكِ والمالِ وبَيْنَ العِلْمِ فاخْتارَ العِلْمَ، فَأُعْطِيَ العِلْمَ والمُلْكَ مَعًا.

(د) سُلَيْمانُ لَمْ يَحْتَجْ إلى الهُدْهُدِ إلّا لِعِلْمِهِ لِما رُوِيَ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: كَيْفَ اخْتارَ سُلَيْمانُ الهُدْهُدَ لِطَلَبِ الماءِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ الأرْضَ كالزُّجاجَةِ يُرى باطِنُها مِن ظاهِرِها، فَقالَ نافِعٌ: فَكَيْفَ بِأوْقاتِ الفَخِّ يُغَطّى لَهُ بِأُصْبُعٍ مِن تُرابٍ فَلا يَراهُ بَلْ يَقَعُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ.

(ه) قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: تُقَسَّمُ الجَنَّةُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ جُزْءٍ، تِسْعَةُ آلافِ وتِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ مِنها لِلَّذِينِ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ فَكانَ هَذا ثَوابَهم عَلى قَدْرِ ما قَسَمَ اللَّهُ لَهم مِنَ العُقُولِ، يَقْتَسِمُونَ المَنازِلَ فِيها، وجُزْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ الفُقَراءِ الصّالِحِينَ.

(و) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِوَلَدِهِ: يا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالأدَبِ؛ فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى المُرُوءَةِ، وأُنْسٌ في الوَحْشَةِ، وصاحِبٌ في الغُرْبَةِ، وقَرِينٌ في الحَضَرِ، وصَدْرٌ في المَجْلِسِ، ووَسِيلَةٌ عِنْدَ انْقِضاءِ الوَسائِلِ، وغِنًى عِنْدَ العَدَمِ، ورِفْعَةٌ لِلْخَسِيسِ، وكَمالٌ لِلشَّرِيفِ، وجَلالَةٌ لِلْمَلِكِ.

(ز) عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: صَرِيرُ قَلَمِ العُلَماءِ تَسْبِيحٌ، وكِتابَةُ العِلْمِ والنَّظَرُ فِيهِ عِبادَةٌ، وإذا أصابَ مِن ذَلِكَ المِدادِ ثَوْبَهُ فَكَأنَّما أصابَهُ دَمُ الشُّهَداءِ، وإذا قَطَرَ مِنها عَلى الأرْضِ تَلَأْلَأ نُورُهُ، وإذا قامَ مِن قَبْرِهِ نَظَرَ إلَيْهِ أهْلُ الجَمْعِ، فَيُقالُ: هَذا عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وحُشِرَ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

(ح) في كِتابِ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ: أحَقُّ مَن لا يُسْتَخَفُّ بِحُقُوقِهِمْ ثَلاثَةٌ: العالِمُ والسُّلْطانُ والإخْوانُ، فَإنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالعالِمِ أهْلَكَ دِينَهُ، ومَنِ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطانِ أهْلَكَ دُنْياهُ، ومَنِ اسْتَخَفَّ بِالإخْوانِ أهْلَكَ مُرُوءَتَهُ.

(ط) قالَ سُقْراطُ: مِن فَضِيلَةِ العِلْمِ أنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْدِمَكَ فِيهِ أحَدٌ كَما تَجِدُ مَن يَخْدِمُكَ في سائِرِ الأشْياءِ، بَلْ تَخْدِمُهُ بِنَفْسِكَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى سَلْبِهِ عَنْكَ.

(ي) قِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: لا تَنْظُرْ، فَأغْمَضَ عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ: لا تَسْمَعْ، فَسَدَّ أُذُنَيْهِ، فَقِيلَ: لا تَتَكَلَّمْ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَعْلَمْ، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ.

(يا) إذا كانَ السّارِقُ عالِمًا لا تُقْطَعُ يَدُهُ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: كانَ المالُ ودِيعَةً لِي، وكَذا الشّارِبُ يَقُولُ: حَسِبْتُهُ خَلّا، وكَذا الزّانِي يَقُولُ: تَزَوَّجْتُها فَإنَّهُ لا يُحَدُّ.

(يب) قالَ بَعْضُهم: أحْيُوا قُلُوبَ إخْوانِكم بِبَصائِرِ بَيانِكم كَما تُحْيُونَ المَواتَ بِالنَّباتِ والنَّواةِ، فَإنَّ نَفْسًا تَبْعُدُ مِنَ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ أفْضَلُ مِن أرْضٍ تَصْلُحُ لِلنَّباتِ، قالَ الشّاعِرُ:

وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ وأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ

وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ

* * *
(وأمّا النُّكَتُ) فَمِن وُجُوهٍ:(أ) المَعْصِيَةُ عِنْدَ الجَهْلِ لا يُرْجى زَوالُها، وعِنْدَ الشَّهْوَةِ يُرْجى زَوالُها، انْظُرْ إلى زَلَّةِ آدَمَ فَإنَّهُ بِعِلْمِهِ اسْتَغْفَرَ والشَّيْطانُ غَوى، وبَقِيَ في غَيِّهِ أبَدًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ الجَهْلِ.
(ب) إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صارَ مَلِكًا احْتاجَ إلى وزِيرٍ فَسَألَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: لا تَخْتَرْ إلّا فُلانًا، فَرَآهُ يُوسُفُ في أسْوَأِ الأحْوالِ فَقالَ لِجِبْرِيلَ: إنَّهُ كَيْفَ يَصْلُحُ لِهَذا العَمَلِ مَعَ سُوءِ حالِهِ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ عَيَّنَهُ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ ذَبَّ عَنْكَ حَيْثُ قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يُوسُفَ: ٢٧] والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ذَبَّ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَحَقَّ الشَّرِكَةَ في مَمْلَكَتِهِ، فَمَن ذَبَّ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ بِالبُرْهانِ المُسْتَقِيمِ كَيْفَ لا يَسْتَحِقُّ مِنَ اللَّهِ الإحْسانَ والتَّحْسِينَ ؟!

(ج) أرادَ واحِدٌ خِدْمَةَ مَلِكٍ فَقالَ المَلِكُ: اذْهَبْ وتَعَلَّمْ

صفحة ١٧٨
حَتّى تَصْلُحَ لِخِدْمَتِي، فَلَمّا شَرَعَ في التَّعَلُّمِ وذاقَ لَذَّةَ العِلْمِ بَعَثَ المَلِكُ إلَيْهِ وقالَ: اتْرُكِ التَّعَلُّمَ، فَقَدْ صِرْتَ أهْلًا لِخِدْمَتِي، فَقالَ: كُنْتُ أهْلًا لِخِدْمَتِكَ حِينَ لَمْ تَرَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ، وحِينَ رَأيْتَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ رَأيْتُ نَفْسِي أهْلًا لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنَّ البابَ بابُكَ لِجَهْلِي، والآنَ عَلِمْتُ أنَّ البابَ بابُ الرَّبِّ.
(د) تَحْصِيلُ العِلْمِ إنَّما يَصْعُبُ عَلَيْكَ لِفَرْطِ حُبِّكَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْطاكَ سَوادَ العَيْنِ وسُوَيْداءَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّوادَ أكْبَرُ مِنَ السُّوَيْداءِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ السُّوَيْداءَ تَصْغِيرُ السَّوادِ، ثُمَّ إذا وضَعْتَ عَلى سَوادِ عَيْنِكَ جُزْءًا مِنَ الدُّنْيا لا تَرى شَيْئًا، فَكَيْفَ إذا وضَعْتَ عَلى السُّوَيْداءِ كُلَّ الدُّنْيا كَيْفَ تَرى بِقَلْبِكَ شَيْئًا ؟

(ه) قالَ حَكِيمٌ: القَلْبُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالعِلْمِ، والعِلْمُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالطَّلَبِ، والطَّلَبُ ضَعِيفٌ وقُوَّتُهُ بِالمُدارَسَةِ، فَإذا قَوِيَ بِالمُدارَسَةِ فَهو مُحْتَجِبٌ وإظْهارُهُ بِالمُناظَرَةِ، وإذا ظَهَرَ بِالمُناظَرَةِ فَهو عَقِيمٌ ونِتاجُهُ بِالعَمَلِ، فَإذا زُوِّجَ العِلْمُ بِالعَمَلِ تَوالَدَ وتَناسَلَ مُلْكًا أبَدِيًّا لا آخِرَ لَهُ.

(و) ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ] [النَّمْلِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] كانَتْ رِياسَةُ تِلْكَ النَّمْلَةِ عَلى غَيْرِها لَمْ تَكُنْ إلّا بِسَبَبِ أنَّها عَلِمَتْ مَسْألَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كَأنَّها قالَتْ: إنَّ سُلَيْمانَ مَعْصُومٌ والمَعْصُومُ لا يَجُوزُ مِنهُ إيذاءُ البَرِيءِ عَنِ الجُرْمِ، ولَكِنَّهُ لَوْ حَطَّمَكم فَإنَّما يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ حالَكم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَتِلْكَ النَّمْلَةُ لَمّا عَلِمَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ اسْتَحَقَّتِ الرِّياسَةَ التّامَّةَ، فَمَن عَلِمَ حَقائِقَ الأشْياءِ مِنَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ كَيْفَ لا يَسْتَوْجِبُ الرِّياسَةَ في الدُّنْيا والدِّينِ.

(ز) الكَلْبُ إذا تَعَلَّمَ وأرْسَلَهُ المالِكُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى صارَ صَيْدُهُ النَّجِسُ طاهِرًا، والنُّكْتَةُ أنَّ العِلْمَ هُناكَ انْضَمَّ إلى الكَلْبِ فَصارَ النَّجِسُ بِبَرَكَةِ العِلْمِ طاهِرًا، فَهَهُنا النَّفْسُ والرُّوحُ طاهِرَتانِ في أصْلِ الفِطْرَةِ إلّا أنَّهُما تَلَوَّثَتا بِأقْذارِ المَعْصِيَةِ، ثُمَّ انْضَمَّ إلَيْهِما العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ فَنَرْجُو مِن عَمِيمِ لُطْفِهِ أنْ يَقْلِبَ النَّجِسَ طاهِرًا هَهُنا والمَرْدُودَ مَقْبُولًا.

(ح) القَلْبُ رَئِيسُ الأعْضاءِ، ثُمَّ تِلْكَ الرِّياسَةُ لَيْسَتْ لِلْقُوَّةِ، فَإنَّ العَظْمَ أقْوى مِنهُ، ولا لِلْعِظَمِ، فَإنَّ الفَخِذَ أعْظَمُ مِنهُ، ولا لِلْحِدَّةِ، فَإنَّ الظُّفْرَ أحَدُّ مِنهُ، وإنَّما تِلْكَ الرِّياسَةُ بِسَبَبِ العِلْمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الصِّفاتِ.

(أمّا الحِكاياتُ):

(أ) حُكِيَ أنَّ هارُونَ الرَّشِيدَ كانَ مَعَهُ فُقَهاءُ، وكانَ فِيهِمْ أبُو يُوسُفَ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فادَّعى عَلَيْهِ آخَرُ أنَّهُ أخَذَ مِن بَيْتِهِ مالًا بِاللَّيْلِ فَأقَرَّ الآخِذُ بِذَلِكَ في المَجْلِسِ فاتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَقالَ أبُو يُوسُفَ: لا قَطْعَ عَلَيْهِ، قالُوا: لِمَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ أقَرَّ بِالأخْذِ والأخْذُ لا يُوجِبُ القَطْعَ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالسَّرِقَةِ، فَصَدَّقَهُ الكُلُّ في قَوْلِهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْآخِذِ أسَرَقْتَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأجْمَعُوا كُلُّهم عَلى أنَّهُ وجَبَ القَطْعُ، لِأنَّهُ أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، فَقالَ أبُو يُوسُفَ: لا قَطْعَ لِأنَّهُ وإنْ أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ لَكِنْ بَعْدَ ما وجَبَ الضَّمانُ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ بِالأخْذِ فَإذا أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو بِهَذا الإقْرارِ يُسْقِطُ الضَّمانَ عَنْ نَفْسِهِ فَلا يُسْمَعُ إقْرارُهُ فَتَعَجَّبَ الكُلُّ مِن ذَلِكَ.

(ب) عَنِ الشَّعْبِيِّ كُنْتُ عِنْدَ الحَجّاجِ فَأُتِيَ بِيَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقِيهِ خُراسانَ مَعَ بَلْخٍ مُكَبَّلًا بِالحَدِيدِ فَقالَ لَهُ الحَجّاجُ: أنْتَ زَعَمْتَ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: بَلى، فَقالَ الحَجّاجُ: لَتَأْتِيَنِّي بِها واضِحَةً بَيِّنَةً مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ لَأُقَطِّعَنَّكَ عُضْوًا عُضْوًا، فَقالَ: آتِيكَ بِها واضِحَةً بَيِّنَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يا حَجّاجُ قالَ: فَتَعَجَّبْتُ مِن جُرْأتِهِ بِقَوْلِهِ: يا حَجّاجُ، فَقالَ لَهُ: ولا تَأْتِنِي بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦١] فَقالَ: آتِيكَ بِها واضِحَةً مِن كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنْعامِ: ٨٥] فَمَن كانَ أبا عِيسى وقَدْ أُلْحِقَ بِذُرِّيَّةِ نُوحٍ ؟ قالَ: فَأطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: كَأنِّي لَمْ أقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ مِن كِتابِ اللَّهِ، حُلُّوا وثاقَهُ وأعْطُوهُ مِنَ المالِ كَذا.

(ج) يُحْكى أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ المَدِينَةِ جاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ لِيُناظِرُوهُ في

صفحة ١٧٩
القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ ويُبَكِّتُوهُ ويُشَنِّعُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم: لا يُمْكِنُنِي مُناظَرَةُ الجَمِيعِ، فَفَوِّضُوا أمْرَ المُناظَرَةِ إلى أعْلَمِكم لِأُناظِرَهُ، فَأشارُوا إلى واحِدٍ فَقالَ: هَذا أعْلَمُكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: والمُناظَرَةُ مَعَهُ كالمُناظَرَةِ مَعَكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: والإلْزامُ عَلَيْهِ كالإلْزامِ عَلَيْكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وإنْ ناظَرْتُهُ وألْزَمْتُهُ الحُجَّةَ فَقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: كَيْفَ ؟ قالُوا: لِأنّا رَضِينا بِهِ إمامًا، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ: فَنَحْنُ لَمّا اخْتَرْنا الإمامَ في الصَّلاةِ كانَتْ قِراءَتُهُ قِراءَةً لَنا وهو يَنُوبُ عَنّا فَأقَرُّوا لَهُ بِالإلْزامِ.
(د) هَجا الفَرَزْدَقُ واحِدًا فَقالَ:

لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلى بابِكم كَما ضاعَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ
وكانَتْ خالِصَةُ مَعْشُوقَةَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وكانَتْ ظَرِيفَةً صاحِبَةَ أدَبٍ، وكانَتْ هَيْبَةُ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ تَفُوقُ هَيْبَةَ المَرْوانِيِّينَ، فَلَمّا بَلَغَها هَذا البَيْتُ شَقَّ عَلَيْها فَدَخَلَتْ عَلى سُلَيْمانَ وشَكَتِ الفَرَزْدَقَ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِإشْخاصِ الفَرَزْدَقِ عَلى أفْظَعِ الوُجُوهِ مُكَبَّلًا مُقَيَّدًا، فَلَمّا حَضَرَ وما كانَ بِهِ مِنَ الرَّمَقِ إلّا مِقْدارُ ما يُقِيمُهُ عَلى الرِّجْلِ مِن شِدَّةِ الهَيْبَةِ، فَقالَ لَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: أنْتَ القائِلُ:

لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلى بابِكم ∗∗∗ كَما ضاعَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ
فَقالَ: ما قُلْتُهُ هَكَذا، وإنَّما غَيَّرَهُ عَلَيَّ مَن أرادَ بِي مَكْرُوهًا، وإنَّما قُلْتُ: - وخالِصَةُ مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ -:

لَقَدْ ضاءَ شِعْرِي عَلى بابِكم ∗∗∗ كَما ضاءَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ
فَسُرِّيَ عَنْ خالِصَةَ فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها أنْ خَرَجَتْ مِنَ السِّتْرِ فَألْقَتْ عَلى الفَرَزْدَقِ ما كانَ عَلَيْها مِنَ الحُلِيِّ، وهي زِيادَةٌ عَلى ألْفِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَأتْبَعَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ حاجِبَهُ لَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى اشْتَرى الحُلِيَّ مِنَ الفَرَزْدَقِ بِمِائَةِ ألْفٍ ورَدَّهُ عَلى خالِصَةَ.
(ه) دَعا المَنصُورُ أبا حَنِيفَةَ يَوْمًا فَقالَ الرَّبِيعُ - وهو يُعادِيهُ -: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا - يَعْنِي أبا حَنِيفَةَ - يُخالِفُ جَدَّكَ حَيْثُ يَقُولُ: الِاسْتِثْناءُ المُنْفَصِلُ جائِزٌ وأبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُهُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هَذا الرَّبِيعُ يَقُولُ: لَيْسَ لَكَ بَيْعَةٌ في رَقَبَةِ النّاسِ، فَقالَ: كَيْفَ ؟ قالَ: إنَّهم يَعْقِدُونَ البَيْعَةَ لَكَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ فَيَسْتَثْنُونَ فَتَبْطُلُ بَيْعَتُهم، فَضَحِكَ المَنصُورُ، وقالَ: إيّاكَ يا رَبِيعُ وأبا حَنِيفَةَ، فَلَمّا خَرَجَ فَقالَ الرَّبِيعُ: يا أبا حَنِيفَةَ سَعَيْتَ في دَمِي، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كُنْتَ البادِيَ وأنا المُدافِعُ.

ويُحْكى أنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا فَحَكَمَ أبُو يُوسُفَ بِقَتْلِ المُسْلِمِ بِهِ، فَبَلَغَ زُبَيْدَةَ ذَلِكَ فَبَعَثَتْ إلى أبِي يُوسُفَ فَقالَتْ: إيّاكَ وأنْ تَقْتُلَ المُسْلِمَ، وكانَتْ في عِنايَةٍ عَظِيمَةٍ بِأمْرِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا حَضَرَ أبُو يُوسُفَ وحَضَرَ الفُقَهاءُ وجِيءَ بِأوْلِياءَ الذِّمِّيِّ والمُسْلِمِ فَقالَ لَهُ الرَّشِيدُ: احْكم بِقَتْلِهِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هو مَذْهَبِي غَيْرَ أنِّي لَسْتُ أقْتُلُ المُسْلِمَ بِهِ حَتّى تَقُومَ البَيِّنَةُ العادِلَةُ أنَّ الذِّمِّيَّ يَوْمَ قَتَلَهُ المُسْلِمُ كانَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الجِزْيَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَبَطَلَ دَمُهُ.

(ز) دَخَلَ الغَضْبانُ عَلى الحَجّاجِ بَعْدَما قالَ لِعَدُوِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأشْعَثِ: تَغَدَّ بِالحَجّاجِ قَبْلَ أنْ يَتَعَشّى بِكَ، فَقالَ لَهُ: ما جَوابُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ؟ فَقالَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، ثُمَّ فَطِنَ الحَجّاجُ، وقالَ: قاتَلَكَ اللَّهُ يا غَضْبانُ، أخَذْتَ لِنَفْسِكَ أمانًا بِرَدِّي عَلَيْكَ، أما واللَّهِ لَوْلا الوَفاءُ والكَرَمُ، لَما شَرِبْتَ الماءَ البارِدَ بَعْدَ ساعَتِكَ هَذِهِ.

فانْظُرْ إلى فائِدَةِ العِلْمِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلِلَّهِ دَرُّ العِلْمِ ومَن بِهِ تَرَدّى، وتَعْسًا لِلْجَهْلِ ومَن في أوْدِيَتِهِ تَرَدّى.

(ح) بَلَغَ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

صفحة ١٨٠

ومِنّا سُوَيْدٌ والبَطِينُ وقَعْنَبُ ∗∗∗ ومِنّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ
فَأمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ القائِلُ: ومَنّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ ؟ فَقالَ: إنَّما قُلْتُ: ومِنّا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ، بِنَصْبِ الرّاءِ فَنادَيْتُكَ واسْتَغَثْتُ بِكَ، فَسُرِّيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، وتَخَلَّصَ الرَّجُلُ مِنَ الهَلاكِ بِصَنْعَةٍ يَسِيرَةٍ عَمِلَها بِعِلْمِهِ، وهو أنَّهُ حَوَّلَ الضَّمَّةَ فَتْحَةً.
(ط) قالَ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ لِسُلَيْمانَ بْنِ كَثِيرٍ: بَلَغَنِي أنَّكَ كُنْتَ في مَجْلِسٍ وقَدْ جَرى بَيْنَ يَدَيْكَ ذِكْرِي، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ سَوِّدْ وجْهَهُ، واقْطَعْ عُنُقَهُ، وأسْقِنِي مِن دَمِهِ، فَقالَ: نَعَمْ قُلْتُهُ، ولَكِنْ في كَرْمِ كَذا لَمّا نَظَرْتُ إلى الحِصْرِمِ، فاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ، وعَفا عَنْهُ.

(ي) قالَ رَجُلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: إنِّي حَلَفْتُ لا أُكَلِّمُ امْرَأتِي حَتّى تُكَلِّمَنِي، وحَلَفَتْ بِصَدَقَةِ ما تَمْلِكُ أنْ لا تُكَلِّمَنِي أوْ أُكَلِّمَها فَتَحَيَّرَ الفُقَهاءُ فِيهِ فَقالَ سُفْيانُ: مَن كَلَّمَ صاحِبَهُ حَنِثَ.

فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: اذْهَبْ وكَلِّمْها ولا حِنْثَ عَلَيْكُما، فَذَهَبَ إلى سُفْيانَ وأخْبَرَهُ بِما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، فَذَهَبَ سُفْيانُ إلى أبِي حَنِيفَةَ مُغْضَبًا، وقالَ: تُبِيحُ الفُرُوجَ ! فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: وما ذاكَ ؟ قالَ سُفْيانُ: أعِيدُوا عَلى أبِي حَنِيفَةَ السُّؤالَ، فَأعادُوا وأعادَ أبُو حَنِيفَةَ الفَتْوى، فَقالَ: مِن أيْنَ قُلْتَ ؟ قالَ: لَمّا شافَهَتْهُ بِاليَمِينِ بَعْدَما حَلَفَ كانَتْ مُكَلِّمَةً فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ، وإنْ كَلَّمَها فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ ولا عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ كَلَّمَها بَعْدَ اليَمِينِ فَسَقَطَتِ اليَمِينُ عَنْهُما، قالَ سُفْيانُ: إنَّهُ لَيُكْشَفُ لَكَ مِنَ العِلْمِ عَنْ شَيْءٍ كُلُّنا عَنْهُ غافِلٌ.

(يا) دَخَلَ اللُّصُوصُ عَلى رَجُلٍ فَأخَذُوا مَتاعَهُ واسْتَحْلَفُوهُ بِالطَّلاقِ ثَلاثًا أنْ لا يُعْلِمَ أحَدًا، فَأصْبَحَ الرَّجُلُ وهو يَرى اللُّصُوصَ يَبِيعُونَ مَتاعَهُ ولَيْسَ يَقْدِرُ أنْ يَتَكَلَّمَ مِن أجْلِ يَمِينِهِ، فَجاءَ الرَّجُلُ يُشاوِرُ أبا حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ لِي إمامَ مَسْجِدِكَ وأهْلَ مَحَلَّتِكَ فَأحْضَرَهم إيّاهُ، فَقالَ لَهم أبُو حَنِيفَةَ: هَلْ تُحِبُّونَ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلى هَذا مَتاعَهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاجْمَعُوا كُلًّا مِنهم، وأدْخِلُوهم في دارٍ ثُمَّ أخْرِجُوهم واحِدًا واحِدًا، وقُولُوا: أهَذا لِصُّكَ ؟ فَإنْ كانَ لَيْسَ بِلِصِّهِ قالَ: لا، وإنْ كانَ لِصَّهُ فَلْيَسْكُتْ، وإذا سَكَتَ فاقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ أبُو حَنِيفَةَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعَ ما سُرِقَ مِنهُ.

اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing, the Wise."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏

But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then Adam received from his Lord [some] words, and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of repentance, the Merciful.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 2:29–38 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:29