All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Ḥajj 22:17 Juzʾ 17 Page 334

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allah - Allah will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allah is, over all things, Witness.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

صفحة ١٧

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

القِراءَةُ: قُرِئَ ”حُقَّ“ بِالضَّمِّ، وقُرِئَ ”حَقًّا“ أيْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ حَقًّا، وقُرِئَ ”مُكْرَمٍ“ بِفَتْحِ الرّاءِ بِمَعْنى الإكْرامِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِبَيانِ مَن يَهْدِيهِ ومَن لا يَهْدِيهِ، واعْلَمْ أنَّ المُسْلِمَ لا يُخالِفُهُ في المَسائِلِ الأُصُولِيَّةِ إلّا طَبَقاتٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: الطَّبَقَةُ المُشارِكَةُ لَهُ في نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ كالخِلافِ بَيْنَ الجَبْرِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ، والخِلافِ بَيْنَ مُثْبِتِي الصِّفاتِ والرُّؤْيَةِ ونُفاتِها. وثانِيها: الَّذِينَ يُخالِفُونَهُ في النُّبُوَّةِ ولَكِنْ يُشارِكُونَهُ في الِاعْتِرافِ بِالفاعِلِ المُخْتارِ كالخِلافِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعِيسى ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وثالِثُها: الَّذِينَ يُخالِفُونَهُ في الإلَهِ وهَؤُلاءِ هُمُ السُّوفِسْطائِيَّةُ المُتَوَقِّفُونَ في الحَقائِقِ، والدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ لا يَعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ مُؤَثِّرٍ في العالَمِ، والفَلاسِفَةُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ مُؤَثِّرًا مُوجَبًا لا مُخْتارًا. فَإذا كانَتْ الِاخْتِلافاتُ الواقِعَةُ في أُصُولِ الأدْيانِ مَحْصُورَةً في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ لا يُشَكُّ أنَّ أعْظَمَ جِهاتِ الخِلافِ هو مِن جِهَةِ القِسْمِ الأخِيرِ مِنها. وهَذا القِسْمُ الأخِيرُ بِأقْسامِهِ الثَّلاثَةِ لا يُوجَدُونَ في العالَمِ المُتَظاهِرِينَ بِعَقائِدِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ بَلْ يَكُونُونَ مُسْتَتِرِينَ، أمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو الِاخْتِلافُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَتَقْسِيمُهُ أنْ يُقالَ: القائِلُونَ بِالفاعِلِ المُخْتارِ إمّا أنْ يَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِوُجُودِ الأنْبِياءِ، أوْ لا يَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِذَلِكَ، فَإمّا أنْ يَكُونُوا أتْباعًا لِمَن كانَ نَبِيًّا في الحَقِيقَةِ أوْ لِمَن كانَ مُتَنَبِّئًا، أمّا أتْباعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهُمُ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى، وفِرْقَةٌ أُخْرى بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى وهُمُ الصّابِئُونَ، وأمّا أتْباعُ المُتَنَبِّئِ فَهُمُ المَجُوسُ، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ فَهم عَبْدَةُ الأصْنامِ والأوْثانِ، وهُمُ المُسَمَّوْنَ بِالمُشْرِكِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ البَراهِمَةُ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ. فَثَبَتَ أنَّ الأدْيانَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافاتِ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هي هَذِهِ السِّتَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأدْيانُ سِتَّةٌ: واحِدَةٌ لِلَّهِ تَعالى وهو الإسْلامُ، وخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَبَرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَما تَقُولُ: إنَّ أخاكَ، إنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ لَكَثِيرٌ. قالَ جَرِيرٌ:

إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
المسألة الثّانِيَةُ: الفَصْلُ مُطْلَقٌ فَيُحْتَمَلُ الفَصْلُ بَيْنَهم في الأحْوالِ والأماكِنِ جَمِيعًا فَلا يُجازِيهِمْ جَزاءً واحِدًا بِغَيْرِ تَفاوُتٍ ولا يَجْمَعُهم في مَوْطِنٍ واحِدٍ، وقِيلَ: يَفْصِلُ بَيْنَهم: يَقْضِي بَيْنَهم.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فالمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم وهو عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنهم فَلا يَجْرِي في ذَلِكَ الفَصْلِ ظُلْمٌ ولا حَيْفٌ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Do you not see that to Allah prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified. And he whom Allah humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allah does what He wills.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

صفحة ١٨
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الرُّؤْيَةُ هاهُنا ؟ الجَوابُ: أنَّها العِلْمُ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، وإنَّما عَرَفَ ذَلِكَ بِخَبَرِ اللَّهِ لا أنَّهُ رَآهُ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما السُّجُودُ هاهُنا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: أجْوَدُ الوُجُوهِ في سُجُودِ هَذِهِ الأُمُورِ أنَّها تَسْجُدُ مُطِيعَةً لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فصلت: ١١]، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النحل: ٤٠]، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٧٤]، ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٤٤]، ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لَمّا كانَتْ قابِلَةً لِجَمِيعِ الأعْراضِ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى فِيها مِن غَيْرِ امْتِناعٍ البَتَّةَ أشْبَهَتِ الطّاعَةَ والِانْقِيادَ وهو السُّجُودُ، فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّأْوِيلُ يُبْطِلُهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ عامٌّ في كُلِّ النّاسِ، فَإسْنادُهُ إلى كَثِيرٍ مِنهم يَكُونُ تَخْصِيصًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ السُّجُودَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ وإنْ كانَ عامًّا في حَقِّ الكُلِّ إلّا أنَّ بَعْضَهم تَمَرَّدَ وتَكَبَّرَ وتَرَكَ السُّجُودَ في الظّاهِرِ، فَهَذا الشَّخْصُ وإنْ كانَ ساجِدًا بِذاتِهِ لَكِنَّهُ مُتَمَرِّدٌ بِظاهِرِهِ، أمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ ساجِدٌ بِذاتِهِ وبِظاهِرِهِ، فَلِأجْلِ هَذا الفَرْقِ حَصَلَ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ.

وثانِيها: أنْ نَقْطَعَ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ عَمّا قَبْلَهُ ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَيَكُونُ السُّجُودُ الأوَّلُ بِمَعْنى الِانْقِيادِ.

والثّانِي بِمَعْنى الطّاعَةِ والعِبادَةِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِأنَّهُ قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ جَمِيعًا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهو مُثابٌ؛ لِأنَّ خَبَرَ مُقابِلِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

والثّالِثُ: أنْ يُبالِغَ في تَكْثِيرِ المَحْقُوقِينَ بِالعَذابِ فَيَعْطِفَ كَثِيرٌ عَلى كَثِيرٌ ثُمَّ يُخْبِرُ عَنْهم بِحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.

وثالِثُها: أنَّ مَن يُجَوِّزُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَفْهُومَيْهِ جَمِيعًا يَقُولُ: المُرادُ بِالسُّجُودِ في حَقِّ الأحْياءِ العُقَلاءِ العِبادَةُ وفي حَقِّ الجَماداتِ الِانْقِيادُ، ومَن يُنْكِرُ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ مَرَّتَيْنِ، فَعَنى بِها في حَقِّ العُقَلاءِ الطّاعَةَ، وفي حَقِّ الجَماداتِ الِانْقِيادَ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] لَفْظُهُ لَفْظُ العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ النّاسُ فَلِمَ قالَ مَرَّةً أُخْرى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الجَوابُ: لَوِ اقْتَصَرَ عَلى ما تَقَدَّمَ لَأوْهَمَ أنَّ كُلَّ النّاسِ يَسْجُدُونَ كَما أنَّ كُلَّ المَلائِكَةِ يَسْجُدُونَ، فَبَيَّنَ أنَّ كَثِيرًا مِنهم يَسْجُدُونَ طَوْعًا دُونَ كَثِيرٍ مِنهم، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ وهُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ. القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ السُّجُودِ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ كَما قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النجم: ٤٢] وكَما أنَّ الإمْكانَ لازِمٌ لِلْمُمْكِنِ حالَ حُدُوثِهِ وبَقائِهِ فافْتِقارُهُ إلى الواجِبِ حاصِلٌ حالَ حُدُوثِهِ وحالَ بَقائِهِ، وهَذا الِافْتِقارُ الذّاتِيُّ اللّازِمُ لِلْماهِيَّةِ أدَلُّ عَلى الخُضُوعِ والتَّواضُعِ مِن وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلامَةٌ وضْعِيَّةٌ لِلِافْتِقارِ الذّاتِيِّ، قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْها الصِّدْقُ والكَذِبُ، أمّا نَفْسُ الِافْتِقارِ الذّاتِيِّ فَإنَّهُ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، فَجَمِيعُ المُمْكِناتِ ساجِدَةٌ بِهَذا المَعْنى لِلَّهِ تَعالى أيْ خاضِعَةٌ مُتَذَلِّلَةٌ مُعْتَرِفَةٌ بِالفاقَةِ إلَيْهِ والحاجَةِ إلى تَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ، وعَلى هَذا تَأوَّلُوا قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٤٤]

صفحة ١٩
وهَذا قَوْلُ القَفّالِ رَحِمَهُ اللَّهُ. القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ هَذِهِ الأشْياءِ سُجُودُ ظِلِّها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُوَحِّدُهُ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ مِمَّنْ لا يُوَحِّدُهُ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ. وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقالَ آخَرُونَ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ وجَبَ بِإبائِهِ وامْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فالمَعْنى أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ لَيْسَ لَهم أحَدٌ يَقْدِرُ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ الهَوانِ عَنْهم فَيَكُونُ مُكْرِمًا لَهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ الإكْرامُ والهَوانُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

These are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏

القِراءَةُ: رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ”خِصْمانِ“ بِكَسْرِ الخاءِ، وقُرِئَ ”قُطِعَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ كَأَّنَ اللَّهَ يُقَدِّرُ لَهم نِيرانًا عَلى مَقادِيرِ جُثَثِهِمْ تَشْتَمِلُ عَلَيْهِمْ كَما تُقَطَّعُ الثِّيابُ المَلْبُوسَةُ، قَرَأ الأعْمَشُ: ”كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ رُدُّوا فِيها“ الحَسَنُ: ”يُصَهَّرُ“ بِتَشْدِيدِ الهاءِ لِلْمُبالَغَةِ، وقُرِئَ ”ولُؤْلُؤًا“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ ويُؤْتَوْنَ لُؤْلُؤًا كَقَوْلِهِ: وحُورًا عِينًا، ولُؤْلُوًا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ النّاسَ قِسْمانِ مِنهم مَن يَسْجُدُ لِلَّهِ ومِنهم مَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ذَكَرَ هاهُنا كَيْفِيَّةَ اخْتِصامِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ٢٠
المسألة الأُولى: احْتَجَّ مَن قالَ: أقَلُّ الجَمْعِ اثْنانِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، والجَوابُ: الخَصْمُ صِفَةٌ وُصِفَ بِها الفَوْجُ أوِ الفَرِيقُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذانِ فَوْجانِ أوْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمانِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ لِلَّفْظِ واخْتَصَمُوا لِلْمَعْنى كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [محمد: ١٦] .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الخَصْمَيْنِ وُجُوهًا:

أحَدُها: المُرادُ طائِفَةُ المُؤْمِنِينَ وجَماعَتُهم وطائِفَةُ الكُفّارِ وجَماعَتُهم، وأنَّ كُلَّ الكُفّارِ يَدْخُلُونَ في ذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَرْجِعُ إلى أهْلِ الأدْيانِ السِّتَّةِ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.

وثانِيها: رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ وآمَنّا بِنَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ كِتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، فَهَذِهِ خُصُومَتُهم في رَبِّهِمْ.

وثالِثُها: رَوى قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ عَنْ أبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في سِتَّةِ نَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ. ورابِعُها: قالَ عِكْرِمَةُ: هُما الجَنَّةُ والنّارُ، قالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِعُقُوبَتِهِ. وقالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِرَحْمَتِهِ، فَقَصَّ اللَّهُ مِن خَبَرِهِما عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ذَلِكَ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِأنَّ السَّبَبَ وإنْ كانَ خاصًّا فالواجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ كالإشارَةِ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهم أهْلُ الأدْيانِ السِّتَّةِ، وأيْضًا ذَكَرَ صِنْفَيْنِ: أهْلَ طاعَتِهِ وأهْلَ مَعْصِيَتِهِ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رُجُوعُ ذَلِكَ إلَيْهِما، فَمَن خَصَّ بِهِ مُشْرِكِي العَرَبِ أوِ اليَهُودَ مِن حَيْثُ قالُوا في كِتابِهِمْ ونَبِيِّهِمْ ما حَكَيْناهُ فَقَدْ أخْطَأ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحج: ١٧] أرادَ بِهِ الحُكْمَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ التَّخاصُمِ يَقْتَضِي الواقِعَ بَعْدَهُ يَكُونُ حُكْمًا فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَهُ في الكُفّارِ، وذَكَرَ مِن أحْوالِهِمْ أُمُورًا ثَلاثَةً:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ والمُرادُ بِالثِّيابِ إحاطَةُ النّارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٤١] عَنْ أنَسٍ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِن نُحاسٍ أُذِيبَ بِالنّارِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] وأُخْرِجَ الكَلامُ بِلَفْظِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [يس: ٥١]، ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ق: ٢١] لِأنَّ ما كانَ مِن أمْرِ الآخِرَةِ فَهو كالواقِعِ. وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ سَقَطَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَأذابَتْها، يُصْهَرُ أيْ يُذابُ أيْ إذا صُبَّ الحَمِيمُ عَلى رُءُوسِهِمْ كانَ تَأْثِيرُهُ في الباطِنِ نَحْوَ تَأْثِيرِهِ في الظّاهِرِ، فَيُذِيبُ أمْعاءَهم وأحْشاءَهم كَما يُذِيبُ جُلُودَهم وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [محمد: ١٥] . وثالِثُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ المَقامِعُ السِّياطُ، وفي الحَدِيثِ: «لَوْ وُضِعَتْ مِقْمَعَةٌ مِنها في الأرْضِ فاجْتَمَعَ عَلَيْها الثَّقَلانِ ما أقَلُّوها» وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّ الإعادَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الخُرُوجِ، والمَعْنى كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ فَخَرَجُوا أُعِيدُوا فِيها، ومَعْنى الخُرُوجِ ما يُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّ النّارَ تَضْرِبُهم بِلَهَبِها فَتَرْفَعُهم حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِالمَقامِعِ فَهَوُوا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، والحَرِيقُ الغَلِيظُ مِنَ النّارِ العَظِيمُ الإهْلاكِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ حُكْمَهُ في المُؤْمِنِينَ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

صفحة ٢١
أحَدُها: المَسْكَنُ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وثانِيها: الحِلْيَةُ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُوَصِّلُهم في الآخِرَةِ إلى ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن هَذِهِ الأُمُورِ، وإنْ كانَ مَن أحَلَّهُ لَهم أيْضًا شارَكَهم فِيهِ لِأنَّ المُحَلَّلَ لِلنِّساءِ في الدُّنْيا يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما سَيَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ. وثالِثُها: المَلْبُوسُ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، ورابِعُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ هو الطَّيِّبُ مِنَ القَوْلِ لِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فاطر: ١٠] وهو صِراطُ الحَمِيدِ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٥٢] .

وثانِيها: قالَ السُّدِّيُّ: وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ هو القُرْآنُ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ هو قَوْلُهم: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ.

ورابِعُها: أنَّهم إذا سارُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ هُدُوا إلى البِشاراتِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِدَوامِ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والسَّلامِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٢٣]، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ خامِسٌ: وهو أنَّ العَلاقَةَ البَدَنِيَّةَ جارِيَةٌ مَجْرى الحِجابِ لِلْأرْواحِ البَشَرِيَّةِ في الِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدُسِ، فَإذا فارَقَتْ أبْدانَها انْكَشَفَ الغِطاءُ ولاحَتِ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ، وظُهُورُ تِلْكَ الأنْوارِ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والتَّعْبِيرُ عَنْها هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

By which is melted that within their bellies and [their] skins.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And for [striking] them are maces of iron.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 22:17–21 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥajj 22:17