All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Muʾminūn 23:15 Juzʾ 18 Page 342

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then indeed, after that you are to die.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ٧٤

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:

النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:

المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.

المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.

المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.

المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.

المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].

المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.

المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ

صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!

المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.

المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.

المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].

المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.

* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.

والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ٧٤

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:

النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:

المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.

المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.

المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.

المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.

المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].

المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.

المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ

صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!

المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.

المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.

المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].

المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.

* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.

والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

النوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِخِلْقَةِ السَّماواتِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ، وإنَّما قِيلَ لَها: طَرائِقُ، لِتَطارُقِها، بِمَعْنى كَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ

صفحة ٧٧
يُقالُ: طارَقَ الرَّجُلُ نَعْلَيْهِ: إذا أطْبَقَ نَعْلًا عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ: إذا لَبِسَ ثَوْبًا فَوْقَ ثَوْبٍ؛ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والزَّجّاجِ والفَرّاءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو كَقَوْلِهِ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [المُلْكِ: ٣] وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها طَرائِقُ لِلْمَلائِكَةِ في العُرُوجِ والهُبُوطِ والطَّيَرانِ، وقالَ آخَرُونَ: لِأنَّها طَرائِقُ الكَواكِبِ فِيها مَسِيرُها. والوجه في إنْعامِهِ عَلَيْنا بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَها مَوْضِعًا لِأرْزاقِنا بِإنْزالِ الماءِ مِنها، وجَعَلَها مَقَرًّا لِلْمَلائِكَةِ، ولِأنَّها مَوْضِعُ الثَّوابِ، ولِأنَّها مَكانُ إرْسالِ الأنْبِياءِ ونُزُولِ الوَحْيِ.
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَفِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ما كُنّا غافِلِينَ بَلْ كُنّا لِلْخَلْقِ حافِظِينَ مِن أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمُ الطَّرائِقُ السَّبْعُ فَتُهْلِكَهم، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١].

وثانِيها: إنَّما خَلَقْناها فَوْقَهم لِنُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ والبَرَكاتِ مِنها، عَنِ الحَسَنِ.

وثالِثُها: أنّا خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ فَدَلَّ خَلْقُنا لَها عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، وذَلِكَ يُفِيدُ نِهايَةَ الزَّجْرِ. ورابِعُها: وما كُنّا عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ غافِلِينَ بَلْ نَحْنُ لَها حافِظُونَ؛ لِئَلّا تَخْرُجَ عَنِ التَّقْدِيرِ الَّذِي أرَدْنا كَوْنَها عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [المُلْكِ: ٣].

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَسائِلِ، إحْداها: أنَّها دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ فَإنَّ انْقِلابَ هَذِهِ الأجْسامِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى تُضادُّ الأُولى مَعَ إمْكانِ بَقائِها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُحَوِّلٍ ومُغَيِّرٍ. وثانِيَتُها: أنَّها تَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ، فَإنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لَوْ حَصَلَ بِالطَّبِيعَةِ لَوَجَبَ بَقاؤُها وعَدَمُ تَغَيُّرِها، ولَوْ قُلْتَ: إنَّما تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ لِتَغَيُّرِ تِلْكَ الطَّبِيعَةِ، افْتَقَرَتْ تِلْكَ الطَّبِيعَةُ إلى خالِقٍ ومُوجِدٍ. وثالِثَتُها: تَدُلُّ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ قادِرٌ عالِمٌ؛ لِأنَّ المُوجِبَ والجاهِلَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ هَذِهِ الأفْعالُ العَجِيبَةُ. ورابِعَتُها: تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. وخامِسَتُها: تَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ والنَّشْرِ؛ نَظَرًا إلى صَرِيحِ الآيَةِ ونَظَرًا إلى أنَّ الفاعِلَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ كَما كانَتْ. وسادِسَتُها: أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ اسْتِدْلالِيَّةً لا تَقْلِيدِيَّةً وإلّا لَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَبَثًا.

النوع الثّالِثُ: الِاسْتِدْلالُ بِنُزُولِ الأمْطارِ وكَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في النَّباتِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food for those who eat.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And upon them and on ships you are carried.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allah had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 23:15–24 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Muʾminūn 23:15