All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

An-Naml 27:78 Juzʾ 20 Page 384

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.

وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ

صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So rely upon Allah; indeed, you are upon the clear truth.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.

وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ

صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.

وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ

صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [submitting to Allah].

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And when the word befalls them, We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 27:78–82 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

An-Naml 27:78