All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Wāqiʿah 56:79 Juzʾ 27 Page 537

‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

None touch it except the purified.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ ووَجْهُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ آتاهُ كُلَّ ما يَنْبَغِي لَهُ وطَهَّرَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي لَهُ، فَآتاهُ الحِكْمَةَ وهي البَراهِينُ القاطِعَةُ واسْتِعْمالُها عَلى وُجُوهِها، والمَوْعِظَةَ الحَسَنَةَ وهي الأُمُورُ المُفِيدَةُ المُرَقِّقَةُ لِلْقُلُوبِ المُنَوِّرَةُ لِلصُّدُورِ، والمُجادَلَةَ الَّتِي هي عَلى أحْسَنِ الطُّرُقِ فَأتى بِها وعَجَزَ الكُلُّ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِشَيْءٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا، والَّذِي يُتْلى عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ ولا يُؤْمِنُ لا يَبْقى لَهُ غَيْرَ أنَّهُ يَقُولُ: هَذا البَيانُ لَيْسَ لِظُهُورِ المُدَّعى بَلْ لِقُوَّةِ ذِهْنِ المُدَّعِي وقُوَّتِهِ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَغْلِبُ بِقُوَّةِ جِدالِهِ لا بِظُهُورِ مَقالِهِ ورُبَّما يَقُولُ أحَدُ المُناظِرَيْنِ لِلْآخَرِ عِنْدَ انْقِطاعِهِ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ بِيَدِي لَكِنْ تَسْتَضْعِفُنِي ولا تُنْصِفُنِي، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلْخَصْمِ جَوابٌ غَيْرَ القَسَمِ بِالأيْمانِ الَّتِي لا مَخارِجَ عَنْها أنَّهُ غَيْرُ مُكابِرٍ وأنَّهُ مُنْصِفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أتى بِدَلِيلٍ آخَرَ لَكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا الدَّلِيلُ أيْضًا غَلَبْتَنِي فِيهِ بِقُوَّتِكَ وقُدْرَتِكَ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا آتاهُ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ ما يَنْبَغِي قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ التَّفَضُّلَ عَلَيْنا وهو يُجادِلُنا فِيما يَعْلَمُ

صفحة ١٦٣
خِلافَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يُقْسِمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أنْواعًا مِنَ القَسَمِ بَعْدَ الدَّلائِلِ، ولِهَذا كَثُرَتِ الأيْمانُ في أوائِلِ التَّنْزِيلِ وفي السُّبُعِ الأخِيرِ خاصَّةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَعَلُّقِ الباءِ، نَقُولُ: إنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ والرِّزْقِ ولَهُ العَظَمَةُ بِالدَّلِيلِ القاطِعِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ: لَمْ يَبْقَ إلّا القَسَمُ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المَعْنى مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعَ أنَّكَ تَقُولُ: إنَّهُ قَسَمٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ مَنقُولَةٌ ومَعْقُولَةٌ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِلنَّقْلِ، أمّا المَنقُولُ:

فَأحَدُها: أنَّ (لا) زائِدَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] مَعْناهُ لِيَعْلَمَ.

ثانِيها: أصْلُها لَأُقْسِمُ بِلامِ التَّأْكِيدِ أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها فَصارَتْ لا كَما في الوَقْفِ.

ثالِثُها: لا نافِيَةٌ وأصْلُهُ عَلى مَقالَتِهِمْ والقَسَمُ بَعْدَها كَأنَّهُ قالَ: لا، واللَّهِ لا صِحَّةَ لِقَوْلِ الكُفّارِ أُقْسِمُ عَلَيْهِ، أمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّ كَلِمَةَ لا هي نافِيَةٌ عَلى مَعْناها غَيْرَ أنَّ في الكَلامِ مَجازًا تَرْكِيبِيًّا، وتَقْدِيرُهُ أنْ نَقُولَ: لا في النَّفْيِ هُنا كَهي في قَوْلِ القائِلِ: لا تَسْألْنِي عَمّا جَرى عَلَيَّ، يُشِيرُ إلى أنَّ ما جَرى عَلَيْهِ أعْظَمُ مِن أنْ يُشْرَحَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَهُ، فَإنَّ غَرَضَهُ مِنَ السُّؤالِ لا يَحْصُلُ ولا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ النَّهْيِ إلّا بَيانَ عَظَمَةِ الواقِعَةِ، ويَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: جَرى عَلَيَّ أمْرٌ عَظِيمٌ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ السّامِعَ يَقُولُ لَهُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ؟ ولَوْ فَهِمَ مِن حَقِيقَةِ كَلامِهِ النَّهْيَ عَنِ السُّؤالِ لَما قالَ: ماذا جَرى عَلَيْكَ، فَيَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَ: أخْطَأْتُ حَيْثُ مَنَعْتُكَ عَنِ السُّؤالِ، ثُمَّ سَألْتَنِي وكَيْفَ لا وكَثِيرًا ما يَقُولُ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي قالَ: لا تَسْألْنِي عِنْدَ سُكُوتِ صاحِبِهِ عَنِ السُّؤالِ، أوْ لا تَسْألْنِي، ولا تَقُولُ: ماذا جَرى عَلَيْكَ ولا يَكُونُ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: إنَّكَ مَنَعْتَنِي عَنِ السُّؤالِ كُلُّ ذَلِكَ تَقَرَّرَ في أفْهامِهِمْ أنَّ المُرادَ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لا النَّهْيُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ في القَسَمِ مِثْلُ هَذا مَوْجُودٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ:

إمّا لِكَوْنِ الواقِعَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِأنَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُشْهَرَ، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، فَيَقُولُ: لا أُقْسِمُ ولا يُرِيدُ بِهِ القَسَمَ ونَفْيَهُ، وإنَّما يُرِيدُ الإعْلامَ بِأنَّ الواقِعَةَ ظاهِرَةٌ.

وإمّا لِكَوْنِ المُقْسَمِ بِهِ فَوْقَ ما يُقْسِمُ بِهِ، والمُقْسِمُ صارَ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ لا أُقْسِمُ يَمِينًا بَلْ ألْفَ يَمِينٍ، ولا أُقْسِمُ بِرَأْسِ الأمِيرِ بَلْ بِرَأْسِ السُّلْطانِ، ويَقُولُ: لا أُقْسِمُ بِكَذا مُرِيدًا لِكَوْنِهِ في غايَةِ الجَزْمِ.

والثّانِي: يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ، والمُقْسَمُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما جاءَتْ أُمُورٌ مَخْلُوقَةٌ والأوَّلُ لا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكالٌ إنْ قُلْنا إنَّ المُقْسَمَ بِهِ في جَمِيعِ المَواضِعِ رَبُّ الأشْياءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] المُرادُ مِنهُ رَبُّ الصّافّاتِ ورَبُّ القِيامَةِ ورَبُّ الشَّمْسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَإذًا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: الأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأنْ يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلَيْهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَواقِعُ النُّجُومِ ما هي ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: المَشارِقُ والمَغارِبُ أوِ المَغارِبُ وحْدَها، فَإنَّ عِنْدَها سُقُوطَ النُّجُومِ.

الثّانِي: هي مَواضِعُها في السَّماءِ في بُرُوجِها ومَنازِلِها.

الثّالِثُ: مَواقِعُها في اتِّباعِ الشَّياطِينِ عِنْدَ المُزاحَمَةِ.

الرّابِعُ: مَواقِعُها يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَنْتَثِرُ النُّجُومُ، وأمّا مَواقِعُ نُجُومِ القُرْآنِ فَهي قُلُوبُ عِبادِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وصالِحِي المُؤْمِنِينَ، أوْ مَعانِيها وأحْكامُها الَّتِي ورَدَتْ فِيها.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ في اخْتِصاصِ مَواقِعِ النُّجُومِ لِلْقَسَمِ بِها فائِدَةٌ ؟ قُلْنا: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وبَيانُها أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ القَسَمَ بِمَواقِعِها كَما هي قَسَمٌ كَذَلِكَ هي مِنَ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في الذّارِياتِ، وفي الطُّورِ، وفي النَّجْمِ، وغَيْرِها، فَنَقُولُ: هي هُنا أيْضًا كَذَلِكَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الآدَمِيِّ مِنَ المَنِيِّ

صفحة ١٦٤
ومَوْتَهُ، بَيَّنَ بِإشارَتِهِ إلى إيجادِ الضِّدَّيْنِ في الأنْفُسِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلًا مِن دَلائِلِ الأنْفُسِ ذَكَرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ أيْضًا قُدْرَتَهُ واخْتِيارَهُ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٦٣] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٦٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى زَرْعِهِ وجَعْلِهِ حُطامًا، وخَلْقِهِ الماءَ فُراتًا عَذْبًا، وجَعْلِهِ أُجاجًا، إشارَةً إلى أنَّ القادِرَ عَلى الضِّدَّيْنِ مُخْتارٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الدَّلِيلَ السَّماوِيَّ في مَعْرِضِ القَسَمِ، وقالَ: مَواقِعُ النُّجُومِ، فَإنَّها أيْضًا دَلِيلُ الِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ كَوْنَ كُلِّ واحِدٍ في مَوْضِعٍ مِنَ السَّماءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ مَعَ اسْتِواءِ المَواضِعِ في الحَقِيقَةِ دَلِيلُ فاعِلٍ مُخْتارٍ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لَيْسَ إلى البَراهِينِ النَّفْسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ بِالذِّكْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٢١] حَيْثُ ذَكَرَ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ كَذَلِكَ هُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَسَمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَصْدَرِ، ولِهَذا تُوصَفُ المَصادِرُ الَّتِي لَمْ تَظْهَرُ بَعْدَ الفِعْلِ، فَيُقالُ: ضَرَبْتُهُ قَوِيًّا، وفِيهِ مَسائِلُ نَحْوِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، أمّا النَّحْوِيَّةُ:
فالمَسْألَةُ الأُولى: هو أنْ يُقالَ: جَوابُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ماذا ؟ ورُبَّما يَقُولُ بَعْضُ مَن لا يَعْلَمُ: إنَّ جَوابَهُ ما تَقَدَّمَ وهو فاسِدٌ في جَمِيعِ المَواضِعِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا يَتَقَدَّمُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ في مَعْمُولاتِها لا يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِها، فَلا يُقالُ: زَيْدًا إنْ قامَ ولا غَيْرُهُ مِنَ الحُرُوفِ والسِّرُّ فِيهِ أنَّ عَمَلَ الحُرُوفِ مُشَبَّهٌ بِعَمَلِ المَعانِي، ويُمَيِّزُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ وغَيْرِهِما، فَإذا كانَ العامِلُ مَعْنًى لا مَوْضِعَ لَهُ في الحِسِّ فَيُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وتَأخُّرُ مُدْرَكٍ بِالحِسِّ، جازَ أنْ يُقالَ: قائِمًا ضَرَبْتُ زَيْدًا، أوْ ضَرْبًا شَدِيدًا ضَرْبَتُهُ، وأمّا الحُرُوفُ فَلَها تَقَدُّمٌ وتَأخُّرٌ مُدْرَكٌ بِالحِسِّ فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ عِلْمِنا بِتَأخُّرِها فَرْضُ وُجُودِها مُتَقَدِّمَةً بِخِلافِ المَعانِي، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَمَلُ حَرْفِ الشَّرْطِ في المَعْنى إخْراجُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً، فَإذا قُلْتَ: مَن، وإنْ، لا يُمْكِنُ إخْراجُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً بَعْدِ وُقُوعِها جُمَلٌ، لِيُعْلَمَ أنَّ حَرْفَها أضْعَفُ مِن عَمَلِ المَعْنى لِتَوَقُّفِهِ عَلى عَمَلِهِ مَعَ أنَّ المَعْنى أمْكَنَ فَرْضُهُ مُتَقَدِّمًا ومُتَأخِّرًا وعَمَلُ الأفْعالِ عَمَلٌ مَعْنَوِيٌّ، وعَمَلُ الحُرُوفِ عَمَلٌ مُشَبَّهٌ بِالمَعْنى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [يوسف: ٢٤] قالَ بَعْضُ الوُعّاظِ مُتَعَلِّقٌ بِلَوْلا، فَلا يَكُونُ الهَمُّ وقَعَ مِنهُ، وهو باطِلٌ لِما ذَكَرْنا، وهُنا أدْخَلُ في البُطْلانِ؛ لِأنَّ المُتَقَدِّمَ لا يَصْلُحُ جَزاءً لِلْمُتَأخِّرِ، فَإنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ، لَمْ يَأْتِ بِالعَرَبِيَّةِ، إذا تَبَيَّنَ هَذا فالقَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ جَوابٌ، وإنَّما يُرادُ نَفْيُ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَوْ، وكَأنَّهُ قالَ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ لا تَعْلَمُونَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ لَوْ تُذْكَرُ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ، فَإدْخالُ لَوْ عَلى تَعْلَمُونَ أفادَنا أنَّ عِلْمَهم مُنْتَفٍ، سَواءٌ عَلِمْنا الجَوابَ أوْ لَمْ نَعْلَمْ، وهو كَقَوْلِهِمْ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، حَيْثُ لا يُقْصَدُ بِهِ مَفْعُولٌ، وإنَّما يُرادُ إثْباتُ القُدْرَةِ، وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ العُدُولِ إلى غَيْرِ الحَقِيقَةِ، وتَرْكِ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَقَسَمٌ ولا تَعْلَمُونَ ؟ فَنَقُولُ: فائِدَتُهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كانَ ذَلِكَ دَعْوى مِنهُ، فَإذا طُولِبَ وقِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنّا لا نَعْلَمُ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَفَعَلْتُمْ كَذا، فَإذا قالَ في ابْتِداءِ الأمْرِ: لا تَعْلَمُونَ كانَ مُرِيدًا لِلنَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أقُولُ: إنَّكم لا تَعْلَمُونَ قَوْلًا مِن غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِدَلِيلٍ وسَبَبٍ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظَّمْتُمُوهُ لَكِنَّكم ما عَظَّمْتُمُوهُ، فَعُلِمَ أنَّكم لا تَعْلَمُونَ، إذْ لَوْ تَعْلَمُونَ لَعَظُمَ في أعْيُنِكم، ولا تَعْظِيمَ فَلا تَعْلَمُونَ.

صفحة ١٦٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ أمْ لا ؟ قُلْنا: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا مَفْعُولَ لَهُ، كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وكَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِعِظَمِ القَسَمِ، فَيَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأدْخَلُ في الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا؛ لِأنَّهم لَوْ عَلِمُوا لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِالعِلْمِ هَذِهِ الأُمُورُ الظّاهِرَةُ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقَوْلِهِ: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وعَلى الثّانِي أيْضًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِالقَسَمِ لَعَظَّمْتُمُوهُ.

وثانِيهِما: لَوْ كانَ لَكم عِلْمٌ بِعَظَمَتِهِ لَعَظَّمْتُمُوهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ ؟ فَنَقُولُ: هو كَلامُ اعْتِراضٍ في أثْناءِ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: وإنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ لَصَدَّقْتُمْ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الِاعْتِراضِ ؟ نَقُولُ: الِاهْتِمامُ بِقَطْعِ اعْتِراضِ المُعْتَرِضِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أرادَ أنْ يَصِفَهُ بِالعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: عَظِيمٌ والكَفّارُ كانُوا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ العِلْمَ بِأُمُورِ النَّجْمِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ فَما بالُهُ لا يَحْصُلُ لَنا عِلْمٌ وظَنٌّ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ لَحَصَلَ لَكُمُ القَطْعُ، وعَلى ما ذَكَرْنا الأمْرُ أظْهَرُ مِن هَذا، وذَلِكَ لِأنّا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ الأمْرُ واضِحٌ مِن أنْ يُصَدَّقَ بِيَمِينٍ، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: أيْنَ الظُّهُورُ ونَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِهِ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَما كانَ كَذَلِكَ، والأظْهَرُ مِنهُ أنّا بَيَّنّا أنَّ كُلَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ قَسَمًا فَهو في نَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلى المَطْلُوبِ وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ القَسَمِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإنَّهُ دَلِيلٌ وبُرْهانٌ قَوِيٌّ لَوْ تَعْلَمُونَ وجْهَهُ لاعْتَرَفْتُمْ بِمَدْلُولِهِ، وهو التَّوْحِيدُ والقُدْرَةُ عَلى الحَشْرِ، وذَلِكَ لَأنَّ دَلالَةَ اخْتِصاصِ الكَواكِبِ بِمَواضِعِها في غايَةِ الظُّهُورِ ولا يَلْزَمُ الفَلاسِفَةَ دَلِيلٌ أظْهَرُ مِنهُ، وأمّا المَعْنَوِيَّةُ:

فالمَسْألَةُ الأُولى: ما المُقْسَمُ عَلَيْهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: القُرْآنُ كانُوا يَجْعَلُونَهُ تارَةً شِعْرًا وأُخْرى سِحْرًا وغَيْرَ ذَلِكَ.

وثانِيهِما: هو التَّوْحِيدُ والحَشْرُ وهو أظْهَرُ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقُرْآنٌ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في وصْفِهِ بِالعَظِيمِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ وكانَ مَعْناهُ: لا أُقْسِمُ بِهَذا لِوُضُوحِ المُقْسَمِ بِهِ عَلَيْهِ. قالَ: لَسْتُ تارِكًا لِلْقَسَمِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ أوْ لَيْسَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ، بَلْ هو قَسَمٌ عَظِيمٌ ولا أُقْسِمُ بِهِ، بَلْ بِأعْظَمَ مِنهُ أُقْسِمُ لِجَزْمِي بِالأمْرِ وعِلْمِي بِحَقِيقَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اليَمِينُ في أكْثَرِ الأمْرِ تُوصَفُ بِالمُغَلَّظَةِ والعِظَمِ يُقالُ في المُقْسِمِ: حَلَفَ فُلانٌ بِالأيْمانِ العِظامِ، ثُمَّ تَقُولُ في حَقِّهِ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ؛ لِأنَّ آثامَها كَبِيرَةٌ. وأمّا في حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِالعَظِيمِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هو الَّذِي قَرُبَ قَوْلُهُ مِن كُلِّ قَلْبٍ ومَلَأ الصَّدْرَ بِالرُّعْبِ لِما بَيَّنّا أنَّ مَعْنى العَظِيمِ فِيهِ ذَلِكَ، كَما أنَّ الجِسْمَ العَظِيمَ هو الَّذِي قَرُبَ مِن أشْياءَ عَظِيمَةٍ ومَلَأ أماكِنَ كَثِيرَةً مِنَ العِظَمِ، كَذَلِكَ العَظِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِجِسْمٍ قَرُبَ مِن أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ومَلَأ صُدُورًا كَثِيرَةً.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٦
المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ عائِدٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلى مَعْلُومٍ وهو الكَلامُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الكُلِّ، وكانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ سِحْرٌ، فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ وهو جَمِيعُ ما سَبَقَ في سُورَةِ الواقِعَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ، والحَشْرِ، والدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِما، والقَسَمِ الَّذِي قالَ فِيهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: هَذا كُلُّهُ كَلامُ مُحَمَّدٍ ومُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرْآنُ مَصْدَرٌ أوِ اسْمٌ غَيْرُ مَصْدَرٍ ؟ فَنَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ وهو المَقْرُوءُ ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣١] وهَذا كَما يُقالُ في الجِسْمِ العَظِيمِ: انْظُرْ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْدُورِهِ وهو كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [لقمان: ١١] وعَلى هَذا سَنُبَيِّنُ فَسادَ قَوْلِ مَن رَدَّ عَلى الفُقَهاءِ قَوْلَهم في بابِ الزَّكاةِ: يُعْطِي شَيْئًا أعْلى مِمّا وجَبَ ويَأْخُذُ الجُبْرانَ أوْ يُعْطِي شَيْئًا دُونَهُ، ويُعْطِي الجُبْرانَ أيْضًا، حَيْثُ قالَ: الجُبْرانُ مَصْدَرٌ لا يُؤْخَذُ ولا يُعْطى، فَيُقالُ لَهُ هو كالقُرْآنِ بِمَعْنى المَقْرُوءِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِما أُخِذَ جابِرٌ أوْ مَجْبُورٌ أوْ يُقالُ: هو اسْمٌ لِما يُجْبَرُ بِهِ كالقُرْبانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا كانَ هَذا الكَلامُ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ فَهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ مَقْرُوءًا فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الكُلِّ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَهم كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ قُرْآنًا كَرِيمًا، وهم ما كانُوا يُقِرُّونَ بِهِ. وثانِيهِما:

وهُوَ أحْسَنُ مِنَ الأوَّلِ، أنَّهم قالُوا: هو مُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ سَمِعْتُهُ وتَلَوْتُهُ عَلَيْكم فَما كانَ القُرْآنُ عِنْدَهم مَقْرُوءًا، وما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وفَرْقٌ بَيْنَ القِراءَةِ والإنْشاءِ، فَلَمّا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أثْبَتَ كَوْنَهُ مَقْرُوءًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُقْرَأ ويُتْلى فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ سَمّاهُ قُرْآنًا لِكَثْرَةِ ما قُرِئَ، ويُقْرَأُ إلى الأبَدِ بَعْضُهُ في الدُّنْيا وبَعْضُهُ في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَرِيمٌ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ ؟ وهي أنَّ الكَلامَ إذا قُرِئَ كَثِيرًا يَهُونُ في الأعْيُنِ والآذانِ، ولِهَذا تَرى مَن قالَ شَيْئًا في مَجْلِسِ المُلُوكِ لا يَذْكُرُهُ ثانِيًا، ولَوْ قِيلَ فِيهِ يُقالُ لِقائِلِهِ لِمَ تُكَرِّرُ هَذا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مَقْرُوءٌ، قُرِئَ ويُقْرَأُ، قالَ: ﴿كَرِيمٌ﴾ أيْ لا يَهُونُ بِكَثْرَةِ التِّلاوَةَ ويَبْقى أبَدَ الدَّهْرِ كالكَلامِ الغَضِّ والحَدِيثِ الطَّرِيِّ، ومِن هُنا يَقَعُ أنَّ وصْفَ القُرْآنِ بِالحَدِيثِ مَعَ أنَّهُ قَدِيمٌ يَسْتَمِدُّ مِن هَذا مَدَدًا فَهو قَدِيمٌ يَسْمَعُهُ السّامِعُونَ كَأنَّهُ كَلامُ السّاعَةِ، وما قَرَعَ سَمْعَ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عَلِمُوهُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِأُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ إذا سَمِعُوهُ مِن أحَدِنا يَتَلَذَّذُونَ بِهِ التِذاذَ السّامِعِ بِكَلامٍ جَدِيدٍ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِن قَبْلُ، والكَرِيمُ اسْمٌ جامِعٌ لِصِفاتِ المَدْحِ، قِيلَ: الكَرِيمُ هو الَّذِي كانَ طاهِرَ الأصْلِ ظاهِرَ الفَضْلِ، حَتّى إنَّ مَن أصْلُهُ غَيْرُ زَكِيٍّ لا يُقالُ لَهُ كَرِيمٌ مُطْلَقًا، بَلْ يُقالُ لَهُ: كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، ومَن يَكُونُ زَكِيَّ الأصْلِ غَيْرَ زَكِيِّ النَّفْسِ لا يُقالُ لَهُ: كَرِيمٌ إلّا مَعَ تَقْيِيدٍ، فَيُقالُ: هو كَرِيمُ الأصْلِ لَكِنَّهُ خَسِيسٌ في نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّ السَّخِيَّ المُجَرَّدَ هو الَّذِي يَكْثُرُ عَطاؤُهُ لِلنّاسِ، أوْ يَسْهُلُ عَطاؤُهُ ويُسَمّى كَرِيمًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ آخَرُ لا عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ، وهو أنَّ النّاسَ يُحِبُّونَ مَن يُعْطِيهِمْ، ويَفْرَحُونَ بِمَن يُعْطِي أكْثَرَ مِمّا يَفْرَحُونَ بِغَيْرِهِ، فَإذا رَأوْا زاهِدًا أوْ عالِمًا لا يُسَمُّونَهُ كَرِيمًا، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّهم إذا رَأوْا واحِدًا لا يَطْلُبُ مِنهم شَيْئًا يُسَمُّونَهُ كَرِيمَ النَّفْسِ لِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ الِاسْتِعْطاءَ لَمّا أنَّ الأخْذَ مِنهم صَعْبٌ عَلَيْهِمْ وهَذا كُلُّهُ في العادَةِ الرَّدِيئَةِ، وأمّا في الأصْلِ فَيُقالُ: الكَرِيمُ هو

صفحة ١٦٧
الَّذِي اسْتُجْمِعَ فِيهِ ما يَنْبَغِي مِن طَهارَةِ الأصْلِ وظُهُورِ الفَضْلِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ السَّخِيَّ في مُعامَلَتِهِ يَنْبَغِي أنْ لا يُوجَدَ مِنهُ ما يُقالُ بِسَبَبِهِ إنَّهُ لَئِيمٌ، فالقُرْآنُ أيْضًا كَرِيمٌ بِمَعْنى طاهِرِ الأصْلِ ظاهِرِ الفَضْلِ، لَفْظُهُ فَصِيحٌ، ومَعْناهُ صَحِيحٌ لَكِنَّ القُرْآنَ أيْضًا كَرِيمٌ عَلى مَفْهُومِ العَوامِّ فَإنَّ كُلَّ مَن طَلَبَ مِنهُ شَيْئًا أعْطاهُ، فالفَقِيهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ ويَأْخُذُ مِنهُ، والحَكِيمُ يَسْتَمِدُّ مِنهُ ويَحْتَجُّ بِهِ، والأدِيبُ يَسْتَفِيدُ مِنهُ ويَتَقَوّى بِهِ، واللَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ كَرِيمًا، وبِكَوْنِهِ عَزِيزًا، وبِكَوْنِهِ حَكِيمًا، فَلِكَوْنِهِ كَرِيمًا كُلُّ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ نالَ مِنهُ ما يُرِيدُهُ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَفْهَمُ مِنَ العُلُومِ شَيْئًا وإذا اشْتَغَلَ بِالقُرْآنِ سَهُلَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، وقَلَّما يُرى شَخْصٌ يَحْفَظُ كِتابًا يَقْرَؤُهُ بِحَيْثُ لا يُغَيِّرُ مِنهُ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ، ولا يُبَدِّلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ وجَمِيعُ القُرّاءِ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ ولا تَبْدِيلٍ، ولِكَوْنِهِ عَزِيزًا أنَّ كُلَّ مَن يُعْرِضُ عَنْهُ لا يَبْقى مَعَهُ مِنهُ شَيْءٌ، بِخِلافِ سائِرِ الكُتُبِ، فَإنَّ مَن قَرَأ كِتابًا وحَفِظَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ يَتَعَلَّقُ بِقَلْبِهِ مَعْناهُ حَتّى يَنْقُلَهُ صَحِيحًا، والقُرْآنُ مَن تَرَكَهُ لا يَبْقى مَعَهُ مِنهُ شَيْءٌ لِعِزَّتِهِ ولا يَثْبُتُ عِنْدَ مَن لا يَلْزَمُهُ بِالحِفْظِ، ولِكَوْنِهِ حَكِيمًا مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِالقَلْبِ أغْناهُ عَنْ سائِرِ العُلُومِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ جَعَلَهُ شَيْئًا مَظْرُوفًا بِكِتابٍ فَما ذَلِكَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المَظْرُوفُ: القُرْآنُ، أيْ هو قُرْآنٌ في كِتابٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلٌ كَرِيمٌ في بَيْتِهِ، لا يَشُكُّ السّامِعُ أنَّ مُرادَ القائِلِ: أنَّهُ في الدّارِ قاعِدٌ ولا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ كَرِيمٌ إذا كانَ في الدّارِ، وغَيْرُ كَرِيمٍ إذا كانَ خارِجًا ولا يَشُكُّ أيْضًا أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ كَرِيمٌ في بَيْتِهِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ رَجُلٌ كَرِيمٌ وهو في البَيْتِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا أنَّ القُرْآنَ كَرِيمٌ وهو في كِتابٍ، أوِ المَظْرُوفَ كَرِيمٌ عَلى مَعْنى أنَّهُ كَرِيمٌ في كِتابٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ رَجُلٌ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ، فَيَفْهَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ القائِلَ لَمْ يَجْعَلْهُ رَجُلًا مَظْرُوفًا فَإنَّ القائِلَ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ رَجُلٌ في نَفْسِهِ قاعِدٌ أوْ نائِمٌ، وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهُ كَرِيمٌ كَرَمُهُ في نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ فالقُرْآنُ كَرِيمٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَرِيمًا عِنْدَ الكُفّارِ.

ثانِيهِما: المَظْرُوفُ هو مَجْمُوعُ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ هو كَذا في كِتابٍ كَما يُقالُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [المطففين: ١٩] في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ حِينَئِذٍ أنَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ نَعْتُهُ مَكْتُوبٌ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والكُلُّ صَحِيحٌ، والأوَّلُ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ بِالمَقْرُوءِ السَّماوِيِّ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما المُرادُ مِنَ الكِتابِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] .

الثّانِي: الكِتابُ هو المُصْحَفُ.

الثّالِثُ: كِتابٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ فَهو قُرْآنٌ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ الكِتابُ كِتابًا والكِتابُ فِعالٌ، وهو إذا كانَ لِلْواحِدِ فَهو إمّا مَصْدَرٌ كالحِسابِ والقِيامِ وغَيْرِهِما، أوِ اسْمٌ لِما يُكْتَبُ كاللِّباسِ واللِّثامِ وغَيْرِهِما، فَكَيْفَما كانَ فالقُرْآنُ لا يَكُونُ في كِتابٍ بِمَعْنى المَصْدَرِ، ولا يَكُونُ في مَكْتُوبٍ، وإنَّما يَكُونُ مَكْتُوبًا في لَوْحٍ أوْ ورَقٍ، فالمَكْتُوبُ لا يَكُونُ في الكِتابِ، إنَّما يَكُونُ في القِرْطاسِ، نَقُولُ: ما ذَكَرْتَ مِنَ المَوازِينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَ لَيْسَ المَكْتُوبَ ولا هو المَكْتُوبَ فِيهِ أوِ المَكْتُوبَ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللِّثامَ ما يُلْثَمُ بِهِ، والصِّوانَ ما يُصانُ فِيهِ الثَّوْبُ، لَكِنَّ اللَّوْحَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إلّا الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ صَحَّ تَسْمِيَتُهُ كِتابًا.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المَكْتُوبُ هو المَسْتُورُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٢٣]، قالَ: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحَ فَهو لَيْسَ بِمَسْتُورٍ وإنَّما الشَّيْءُ فِيهِ مَنشُورٌ، وإنْ كانَ المُرادُ هو المُصْحَفَ فَعُدِمَ كَوْنُهُ مَكْتُوبًا مَسْتُورًا، فَكَيْفَ الجَوابُ عَنْهُ ؟ فَنَقُولُ: المَكْنُونُ المَحْفُوظُ إذا كانَ غَيْرَ عَزِيزٍ يُحْفَظُ بِالعَيْنِ، وهو ظاهِرٌ لِلنّاسِ فَإذا كانَ شَرِيفًا عَزِيزًا لا يُكْتَفى بِالصَّوْنِ والحِفْظِ بِالعَيْنِ بَلْ يُسْتَرُ

صفحة ١٦٨
عَنِ العُيُونِ، ثُمَّ كَلَّما تَزْدادُ عِزَّتُهُ يَزْدادُ سَتْرُهُ فَتارَةً يَكُونُ مَخْزُونًا ثُمَّ يُجْعَلُ مَدْفُونًا، فالسَّتْرُ صارَ كاللّازِمِ لِلصَّوْنِ البالِغِ فَقالَ: ﴿مَكْنُونٍ﴾ أيْ مَحْفُوظٍ غايَةَ الحِفْظِ، فَذَكَرَ اللّامَ وأرادَ المَلْزُومَ وهو بابٌ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ تَقُولُ مَثَلًا: فُلانٌ كِبْرِيتٌ أحْمَرُ، أيْ قَلِيلُ الوُجُودِ. والجَوابُ الثّانِي: إنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ مَسْتُورٌ عَنِ العَيْنِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَلائِكَةٌ مَخْصُوصُونَ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ إلّا قَوْمٌ مُطَهَّرُونَ، وأمّا القُرْآنُ فَهو مَكْتُوبٌ مَسْتُورٌ أبَدَ الدَّهْرِ عَنْ أعْيُنِ المُبَدِّلِينَ، مَصُونٌ عَنْ أيْدِي المُحَرِّفِينَ، فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ كَوْنِهِ ‏ ‏‏‏ وكُلُّ مَقْرُوءٍ في كِتابٍ ؟ نَقُولُ: هو لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ مُخْتَرَعٌ مِن عِنْدِهِ مُفْتَرًى، فَلَمّا قالَ: مَقْرُوءٌ عَلَيْهِ انْدَفَعَ كَلامُهم، ثُمَّ إنَّهم قالُوا: إنْ كانَ مَقْرُوءًا عَلَيْهِ فَهو كَلامُ الجِنِّ فَقالَ: ‏ ‏‏‏ أيْ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ عَلَيْهِ المَلَكُ إلّا بَعْدَما أخَذَهُ مِن كِتابٍ فَهو لَيْسَ بِكَلامِ المَلائِكَةِ فَضْلًا أنْ يَكُونَ كَلامَ الجِنِّ، وأمّا إذا قُلْنا: إذا كانَ كَرِيمًا فَهو في كِتابٍ، فَفائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ، وأمّا فائِدَةُ كَوْنِهِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَيَكُونُ رَدًّا عَلى مَن قالَ: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ في كُتُبٍ ظاهِرَةٍ، أيْ فَلِمَ لا يُطالِعُها الكُفّارُ، ولِمَ لا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ لا بَلْ هو ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏، فَإذًا تَبَيَّنَ فِيما ذَكَرْنا أنَّ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا صارَ رَدًّا عَلى مَن قالَ: يَذْكُرُهُ مِن عِنْدِهِ، وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: يَتْلُوهُ عَلَيْهِ الجِنُّ حَيْثُ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ مَقْرُوءًا ونازَعَ في شَيْءٍ آخَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿مَكْنُونٍ﴾ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّهُ مَقْرُوءٌ في كِتابٍ لَكِنَّهُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ‏ ‏‏‏‏‏ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكِتابِ عَلى الصَّحِيحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ المُضْمَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ ومَعْناهُ: لا يَمَسُّ القُرْآنَ إلّا المُطَهَّرُونَ، والصِّيغَةُ إخْبارٌ، لَكِنَّ الخِلافَ في أنَّهُ هَلْ هو بِمَعْنى النَّهْيِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إخْبارٌ بِمَعْنى الأمْرِ، فَمَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وهو الأصَحُّ عَلى ما بَيَّنّا، قالَ: هو إخْبارٌ مَعْنًى كَما هو إخْبارٌ لَفْظًا، إذا قُلْنا: إنَّ المُضْمَرَ في ﴿يَمَسُّهُ﴾ لِلْكِتابِ، ومَن قالَ: المُرادُ المُصْحَفُ اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ، وفِيهِ وجْهٌ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ نَهْيٌ لَفْظًا ومَعْنًى وجُلِبَتْ إلَيْهِ ضَمَّةُ الهاءِ لا لِلْإعْرابِ ولا وجْهَ لَهُ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا كانَ الأصَحُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فالصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ في ‏ ‏‏‏‏‏ لِلْكِتابِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ: لا يَجُوزُ مَسُّ المُصْحَفِ لِلْمُحْدِثِ، نَقُولُ: الظّاهِرُ أنَّهُ ما أخَذَهُ مِن صَرِيحِ الآيَةِ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِنَ السُّنَّةِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «لا يَمَسُّ القُرْآنَ مَن هو عَلى غَيْرِ طُهْرٍ» أوْ أخَذَهُ مِنَ الآيَةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْباطِ، وقالَ: إنَّ المَسَّ بِطُهْرٍ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْظِيمِ والمَسَّ بِغَيْرِ طُهُورٍ نَوْعُ إهانَةٍ في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الأضْدادَ يَنْبَغِي أنْ تُقابَلَ بِالأضْدادِ، فالمَسُّ بِالمُطَهَّرِ في مُقابَلَةِ المَسِّ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ، وتَرْكُ المَسِّ خُرُوجٌ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما فَكَذَلِكَ الإكْرامُ في مُقابَلَةِ الإهانَةِ وهُناكَ شَيْءٌ لا إكْرامَ ولا إهانَةَ فَنَقُولُ: إنَّ مَن لا يَمَسُّ المُصْحَفَ لا يَكُونُ مُكَرَّمًا ولا مَهِينًا وبِتَرْكِ المَسِّ خَرَجَ عَنِ الضِّدَّيْنِ فَفي المَسِّ عَلى الطُّهْرِ التَّعْظِيمُ، وفي المَسِّ عَلى الحَدَثِ الإهانَةُ فَلا تَجُوزُ وهو مَعْنًى دَقِيقٌ يَلِيقُ بِالشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن يَقْرُبُ مِنهُ في الدَّرَجَةِ.

ثُمَّ إنَّ هَهُنا لَطِيفَةً فِقْهِيَّةً لاحَتْ لِهَذا الضَّعِيفِ في حالِ تَفَكُّرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَأرادَ تَقْيِيدَها هُنا فَإنَّها مِن فَضْلِ اللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيَّ إكْرامُها بِالتَّقْيِيدِ بِالكِتابِ، وهي أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنَعَ المُحْدِثَ والجُنُبَ مِن مَسِّ المُصْحَفِ وجَعَلَهُما غَيْرَ مُطَهَّرَيْنِ ثُمَّ مَنَعَ الجُنُبَ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ ولَمْ يَمْنَعِ المُحْدِثَ وهو اسْتِنْباطٌ مِنهُ

صفحة ١٦٩
مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُ عَنِ المَسْجِدِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا﴾ [النساء: ٤٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِلذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أهْلًا لِلذِّكْرِ لَما مَنَعَهُ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أذِنَ لِأهْلِ الذِّكْرِ في الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النور: ٣٦] الآيَةَ، والمَأْذُونُ في الذِّكْرِ في المَسْجِدِ مَأْذُونٌ في دُخُولِ المَسْجِدِ ضَرُورَةً فَلَوْ كانَ الجُنُبُ أهْلًا لِلذِّكْرِ لَما كانَ مَمْنُوعًا عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ والمُكْثِ فِيهِ وإنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُما وعَنْ أحَدِهِما، وأمّا المُحْدِثُ فَعُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ فَإنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن كانَ يَدْخُلُ المَسْجِدَ، وجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ نَوْمَ القَوْمِ في المَسْجِدِ ولَيْسَ النَّوْمُ حَدَثًا إذِ النَّوْمُ الخاصُّ يَلْزَمُهُ الحُكْمُ بِالحَدَثِ عَلى اخْتِلافٍ بَيْنَ الأئِمَّةِ وما لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِن دُخُولِ المَسْجِدِ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ غَيْرَ أهْلٍ لِلذِّكْرِ فَجازَ لَهُ القِراءَةُ، فَإنْ قِيلَ: وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ لِلْجُنُبِ أنْ يُسَبِّحَ ويَسْتَغْفِرَ؛ لِأنَّهُ ذِكْرٌ، نَقُولُ: القُرْآنُ هو الذِّكْرُ المُطْلَقُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٤٤] وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] وقَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [النُّورِ: ٣٦] مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّ المَسْجِدَ يُسَمّى مَسْجِدًا، ومَسْجِدُ القَوْمِ مَحَلُّ السُّجُودِ، والمُرادُ مِنهُ الصَّلاةُ، والذِّكْرُ الواجِبُ في الصَّلاةِ هو القُرْآنُ، فالقُرْآنُ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾، ومِن حَيْثُ المَعْقُولُ هو أنَّ غَيْرَ القُرْآنِ رُبَّما يُذْكَرُ مُرِيدًا بِهِ مَعْناهُ فَيَكُونُ كَلامًا غَيْرَ ذِكْرٍ، فَإنَّ مَن قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأمْرٍ، ومَن قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ كَذَلِكَ أخْبَرَ عَنْ أمْرٍ كائِنٍ بِخِلافِ مَن قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ١] فَإنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ بِهِ بَلْ هو قائِلٌ لَهُ غَيْرُ آمِرٍ لِغَيْرِهِ بِالقَوْلِ، فالقُرْآنُ هو الذِّكْرُ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا عَلى قَصْدِ الذِّكْرِ لا عَلى قَصْدِ الكَلامِ فَهو المُطْلَقُ وغَيْرُهُ قَدْ يَكُونُ ذِكْرًا، وقَدْ لا يَكُونُ، فَإنْ قِيلَ: فَإذا قالَ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ [الحجر: ٤٦] وأرادَ الإخْبارَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ قُرْآنًا وذِكْرًا، نَقُولُ: هو في نَفْسِهِ قُرْآنٌ، ومَن ذَكَرَهُ عَلى قَصْدِ الإخْبارِ، وأرادَ الأمْرَ والإذْنَ في الدُّخُولِ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قارِئًا لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، ولِهَذا نَقُولُ نَحْنُ بِبُطْلانِ صَلاتِهِ ولَوْ كانَ قارِئًا لَما بَطَلَتْ، وهَذا جَوابٌ فِيهِ لُطْفٌ يَنْبَغِي أنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ المُطالِعُ لِهَذا الكِتابِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنِّي فَرَّقْتُ بَيْنَ أنْ يُقالَ: لَيْسَ قَوْلُ القائِلٍ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ عَلى قَصْدِ الإذْنِ قُرْآنًا، وبَيْنَ قَوْلِهِ: لَيْسَ القائِلُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ بِقارِئٍ لِلْقُرْآنِ، وأمّا الجَوابُ مِن حَيْثُ المَعْقُولُ فَهو أنَّ العِبادَةَ عَلى مُنافاةِ الشَّهْوَةِ، والشَّهْوَةُ إمّا شَهْوَةُ البَطْنِ، وإمّا شَهْوَةُ الفَرْجِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَخْلُو عَنْهُما، وإنْ لَمْ يَشْتَهِ شَيْئًا آخَرَ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والمَنكُوحِ، لَكِنَّ شَهْوَةَ البَطْنِ قَدْ لا تَبْقى شَهْوَةً بَلْ تَصِيرُ حاجَةً عِنْدَ الجُوعِ وضَرُورَةً عِنْدِ الخَوْفِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٢١] أيْ لا يَكُونُ لِحاجَةٍ ولا ضَرُورَةٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا شَهْوَةُ الفَرْجِ فَلا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها شَهْوَةً وإنْ خَرَجَتْ تَكُونُ في مَحَلِّ الحاجَةِ لا الضَّرُورَةِ، فَلا يُعْلَمُ أنَّ شَهْوَةَ الفَرْجِ لَيْسَتْ شَهْوَةً مَحْضَةً، والعِبادَةُ فِيها مُنْضَمَّةٌ لِلشَّهْوَةِ، فَلَمْ تَخْرُجْ شَهْوَةُ الفَرْجِ عَنْ كَوْنِها عِبادَةً بَدَنِيَّةً قَطُّ، بَلْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِبُطْلانِ الحَجِّ بِهِ، وبُطْلانِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، وأمّا قَضاءُ شَهْوَةِ البَطْنِ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ شَهْوَةً مُجَرَّدَةً بَطَلَ بِهِ الصَّلاةُ والصَّوْمُ دُونَ الحَجِّ، ورُبَّما لَمْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلاةُ أيْضًا، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: خُرُوجُ الخارِجِ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ البَطْنِيَّةِ، وخُرُوجُ المَنِيِّ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ، فَواجِبٌ بِهِما تَطْهِيرُ النَّفْسِ، لَكِنَّ الظّاهِرَ والباطِنَ مُتَحاذِيانِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِ الظّاهِرِ عِنْدَ الحَدَثِ والإنْزالِ لِمُوافَقَةِ الباطِنِ، والإنْسانُ إذا كانَ لَهُ بَصِيرَةٌ ويَنْظُرُ في تَطْهِيرِ باطِنِهِ عِنْدَ الِاغْتِسالِ لِلْجَنابَةِ، فَإنَّهُ يَجِدُ خِفَّةً ورَغْبَةً في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وهُنا تَتِمَّةٌ لِهَذِهِ اللَّطِيفَةِ: وهي أنَّ قائِلًا لَوْ قالَ: لَوْ صَحَّ قَوْلُكَ لَلَزِمَ أنْ يَجِبَ الوُضُوءُ بِالأكْلِ كَما يَجِبُ
صفحة ١٧٠
بِالحَدَثِ؛ لِأنَّ الأكْلَ قَضاءُ الشَّهْوَةِ، وهَذا كَما أنَّ الِاغْتِسالَ لَمّا وجَبَ بِالإنْزالِ، لِكَوْنِهِ دَلِيلَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وكَذا بِالإيلاجِ لِكَوْنِهِ قَضاءً بِالإيلاجِ، فَكَذَلِكَ الإحْداثُ والأكْلُ فَنَقُولُ: هَهُنا سِرٌّ مَكْنُونٌ وهو ما بَيَّنّاهُ أنَّ الأكْلَ قَدْ يَكُونُ لِحاجَةٍ وضَرُورَةٍ فَنَقُولُ: الأكْلُ لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ لِلشَّهْوَةِ إلّا بِعَلامَةٍ، فَإذا أحْدَثَ عُلِمَ أنَّهُ أكَلَ ولا يُعْلَمُ كَوْنُهُ لِلشَّهْوَةِ، وأمّا الإيلاجُ فَلا يَكُونُ لِلْحاجَةِ ولا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ فَهو شَهْوَةٌ كَيْفَما كانَ، فَناطَ الشّارِعُ إيجابَ التَّطْهِيرِ بِدَلِيلَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ» فَإنَّ الإنْزالَ كالإحْداثِ، وكَما أنَّ الحَدَثَ هو الخارِجُ وهو أصْلٌ في إيجابِ الوُضُوءِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإنْزالُ الَّذِي هو الخُرُوجُ هو الأصْلَ في إيجابِ الغُسْلِ، فَإنَّ عِنْدَهُ يَتَبَيَّنُ قَضاءُ الحاجَةِ والشَّهْوَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الإنْزالِ لا يَشْتَهِي الجِماعَ في الظّاهِرِ. وثانِيهِما: ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: ”«الوُضُوءُ مِن أكْلِ ما مَسَّتْهُ النّارُ» “ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ كَما أنَّ خُرُوجَ الحَدَثِ دَلِيلُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُضْطَرَّ لا يَصْبِرُ إلى أنْ يَسْتَوِيَ الطَّعامُ بِالنّارِ بَلْ يَأْكُلُ كَيْفَما كانَ، فَأكْلُ الشَّيْءِ بَعْدَ الطَّبْخِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قاضٍ بِهِ الشَّهْوَةَ لا دافِعٌ بِهِ الضَّرُورَةَ، ونَعُودُ إلى الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ ونَقُولُ: إذا تَبَيَّنَ هَذا فالشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضى بِأنَّ شَهْوَةَ الفَرْجِ شَهْوَةٌ مَحْضَةٌ، فَلا تُجامِعُ العِبادَةُ الجَنابَةَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ الجُنُبُ القُرْآنَ، والمُحْدِثُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَقْرَأ؛ لِأنَّ الحَدَثَ لَيْسَ يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ مَحْضَةٍ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ هُمُ المَلائِكَةُ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ في أوَّلِ أمْرِهِمْ وأبْقاهم كَذَلِكَ طُولَ عُمُرِهِمْ ولَوْ كانَ المُرادُ نَفْيَ الحَدَثِ لَقالَ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُتَطَهِّرُونَ أوِ المُطَّهَّرُونَ، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والهاءِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَةُ ﴿المُطَهَّرُونَ﴾ مِنَ التَّطْهِيرِ لا مِنَ الإطْهارِ، وعَلى هَذا يَتَأيَّدُ ما ذَكَرْنا مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: هو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ بِهِ الجِنُّ ويُلْقِيهِ عَلَيْهِ كَما كانُوا يَقُولُونَ في حَقِّ الكَهَنَةِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: النَّبِيُّ ﷺ كاهِنٌ، فَقالَ: لا يَمَسُّهُ الجِنُّ وإنَّما يَمَسُّهُ المُطَهَّرُونَ الَّذِينَ طُهِّرُوا عَنِ الخُبْثِ، ولا يَكُونُونَ مَحَلًّا لِلْإفْسادِ والسَّفْكِ، فَلا يُفْسِدُونَ ولا يَسْفِكُونَ، وغَيْرُهم لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَيَكُونُ هَذا رَدًّا عَلى القائِلِينَ: بِكَوْنِهِ مُفْتَرِيًا، وبِكَوْنِهِ شاعِرًا، وبِكَوْنِهِ مَجْنُونًا بِمَسِّ الجِنِّ، وبِكَوْنِهِ كاهِنًا، وكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُهم، والكُلُّ رُدَّ عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا مِن أوْصافِ كِتابِ اللَّهِ العَزِيزِ.

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَصْدَرٌ، والقُرْآنُ الَّذِي في كِتابٍ لَيْسَ تَنْزِيلًا إنَّما هو مُنَزَّلٌ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشعراء: ١٩٣] نَقُولُ: ذِكْرُ المَصْدَرِ وإرادَةُ المَفْعُولِ كَثِيرٌ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ في هَذا المَوْضِعِ ؟ فَنَقُولُ: التَّنْزِيلُ والمُنَزَّلُ كِلاهُما مَفْعُولانِ ولَهُما تَعَلُّقٌ بِالفاعِلِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَ الفاعِلِ بِالمَصْدَرِ أكْثَرُ، وتَعَلُّقَ المَفْعُولِ عِبارَةٌ عَنِ الوَصْفِ القائِمِ بِهِ، فَنَقُولُ هَذا في الكَلامِ، فَإنَّ كَلامَ اللَّهِ أيْضًا وصْفٌ قائِمٌ بِاللَّهِ عِنْدَنا، وإنَّما نَقُولُ: مِن حَيْثُ الصِّيغَةُ واللَّفْظُ ولَكَ أنْ تَنْظُرَ في مِثالٍ آخَرَ لِيَتَيَسَّرَ لَكَ الأمْرُ مِن غَيْرِ غَلَطٍ وخَطَأٍ في الِاعْتِقادِ، فَنَقُولُ في القُدْرَةِ والمَقْدُورِ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِالفاعِلِ أبْلَغُ مِن تَعَلُّقِ المَقْدُورِ، فَإنَّ القُدْرَةَ في القادِرِ والمَقْدُورُ لَيْسَ فِيهِ، فَإذا قالَ: هَذا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى كانَ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ما لا يَكُونُ في قَوْلِهِ: هَذا مَقْدُورُ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَظَمَةَ الشَّيْءِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، فَإذا جَعَلْتَ الشَّيْءَ قائِمًا بِالتَّعْظِيمِ غَيْرَ مُبايِنٍ عَنْهُ كانَ أعْظَمَ، وإذا ذَكَرْتَهُ بِلَفْظٍ يُقالُ مِثْلُهُ فِيما لا يَقُومُ بِاللَّهِ وهو المَفْعُولُ بِهِ كانَ دُونَهُ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: مُنَزَّلٌ، ثُمَّ إنَّ هَهُنا بَلاغَةً أُخْرى وهي أنَّ المَفْعُولَ قَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ المَصْدَرُ عَلى ضِدِّ ما ذَكَرْنا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾

صفحة ١٧١
[الإسراء: ٨٠] أيْ دُخُولَ صِدْقٍ أوْ إدْخالَ صِدْقٍ وقالَ تَعالى: ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] أيْ تَمْزِيقٍ، فالمُمَزَّقُ بِمَعْنى التَّمْزِيقِ، كالمُنَزَّلِ بِمَعْنى التَّنْزِيلِ، وعَلى العَكْسِ سَواءٌ، وهَذِهِ البَلاغَةُ هي أنَّ الفِعْلَ لا يُرى، والمَفْعُولَ بِهِ يَصِيرُ مَرْئِيًّا، والمَرْئِيُّ أقْوى في العِلْمِ، فَيُقالُ: مَزَّقَهم تَمْزِيقًا وهو فِعْلٌ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أحَدٍ عِلْمًا بَيِّنًا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الرُّؤْيَةِ ويَصِيرُ التَّمَزُّقُ هُنا كَما صارَ المُمَزَّقُ ثابِتًا مَرْئِيًّا، والكَلامُ يَخْتَلِفُ بِمَواضِعِ الكَلامِ، ويَسْتَخْرِجُ المُوَفَّقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْضًا لِتَعْظِيمِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَعْظُمُ بِعَظَمَةِ المُتَكَلِّمُ، ولِهَذا يُقالُ لِرَسُولِ المَلِكِ هَذا كَلامُ المَلِكِ أوْ كَلامُكَ وهَذا كَلامُ المَلِكِ الأعْظَمِ أوْ كَلامُ المَلِكِ الَّذِي دُونَهُ، إذا كانَ الرَّسُولُ رَسُولَ مُلُوكٍ، فَيَعْظُمُ الكَلامُ بِقَدْرِ عَظَمَةِ المُتَكَلِّمِ، فَإذا قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَبَيَّنَ مِنهُ عَظَمَةٌ لا عَظَمَةَ مِثْلُها وقَدْ بَيَّنّا تَفْسِيرَ العالَمِ وما فِيهِ مِنَ اللَّطائِفِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ رَدٌّ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ في كِتابٍ، ولا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ، لَكِنَّ المَلَكَ يَأْخُذُ ويُعَلِّمُ النّاسَ مِن عِنْدِهِ ولا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرَّوافِضِ يَقُولُونَ: إنَّ جِبْرائِيلَ أُنْزِلَ عَلى عَلِيٍّ، فَنَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ تَعالى: هو مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِاخْتِيارِ المَلَكِ أيْضًا، وعِنْدَ هَذا تَبَيَّنَ الحَقُّ فَعادَ إلى تَوْبِيخِ الكُفّارِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is it to this statement that you are indifferent

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (هَذا) إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ وإطْلاقُ الحَدِيثِ في القُرْآنِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ كَثِيرٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا لا وصْفًا فَإنَّ الحَدِيثَ اسْمٌ لِما يُتَحَدَّثُ بِهِ، ووَصْفٌ يُوصَفُ بِهِ ما يَتَجَدَّدُ، فَيُقالُ: أمْرٌ حادِثٌ ورَسْمٌ حَدِيثٌ أيْ جَدِيدٌ، ويُقالُ: أعْجَبَنِي حَدِيثُ فُلانٍ وكَلامُهُ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ لَهُ لَذَّةُ الكَلامِ الجَدِيدِ والحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨] وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ مُنْتَظِمٌ فَإنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٤٩] وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وبِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وأقْسَمَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلائِلِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ عادَ إلى كَلامِهِمْ، وقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأصْحابِكم تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ، أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ، وعَلى الإصْرارِ عازِمُونَ، وسَنُبَيِّنُ وجْهَهُ بِتَفْسِيرِ المُدْهِنِ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُدْهِنَ المُرادُ بِهِ المُكَذِّبُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أفَبِالقُرْآنِ أنْتُمْ تُكَذِّبُونَ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الإدْهانَ تَلْيِينُ الكَلامِ لِاسْتِمالَةِ السّامِعِ مِن غَيْرِ اعْتِقادِ صِحَّةِ الكَلامِ مِنَ المُتَكَلِّمِ، كَما أنَّ العَدُوَّ إذا عَجَزَ عَنْ عَدُوِّهِ يَقُولُ لَهُ: أنا داعٍ لَكَ ومُثْنٍ عَلَيْكَ مُداهَنَةً وهو كاذِبٌ، فَصارَ اسْتِعْمالُ المُدْهِنِ في المُكَذِّبِ اسْتِعْمالًا ثانِيًا، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ الحَدِيثَ هو القُرْآنُ.

والوَجْهُ الثّانِي: المُدْهِنُ هو الَّذِي يَلِينَ في الكَلامِ ويُوافِقُ بِاللِّسانِ وهو مُصِرٌّ عَلى الخِلافِ فَقالَ: ‏‏‏‏ فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ كاذِبٌ، وإنَّ الحَشْرَ مُحالٌ وذَلِكَ لِما هم عَلَيْهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ، وتَخافُونَ أنَّكم إنْ صَدَّقْتُمْ ومَنَعْتُمْ ضُعَفاءَكم عَنِ الكُفْرِ يَفُوتُ عَلَيْكم مِن كَسْبِكم ما تَرْبَحُونَهُ بِسَبَبِهِمْ فَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم

صفحة ١٧٢
أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، والأوَّلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّ الثّانِيَ مُطابِقٌ لِصَرِيحِ اللَّفْظِ فَإنَّ الحَدِيثَ بِكَلامِهِمْ أوْلى وهو عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ والمُدْهِنُ يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم ما كانُوا مُدْهِنِينَ بِالقُرْآنِ، وقَوْلُ الزَّجّاجِ: مُكَذِّبُونَ جاءَ بَعْدَهُ صَرِيحًا. وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ النِّعَمِ أنَّكم تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، وهَذا عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

الثّانِي: تَجْعَلُونَ مَعاشَكم وكَسْبَكم تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، يُقالُ: فُلانٌ قَطَعَ الطَّرِيقُ مَعاشَهُ، والرِّزْقُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْزَقُ، يُقالُ لِلْمَأْكُولِ رِزْقٌ، كَما يُقالُ لِلْمَقْدُورِ قُدْرَةٌ، والمَخْلُوقِ خَلْقٌ، وعَلى هَذا فالتَّكْذِيبُ مَصْدَرٌ قُصِدَ بِهِ ما كانُوا يُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَهم، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ تَكْذِيبُهم بِما قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [هود: ٦] وغَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى الثّانِي المُرادُ جَمِيعُ ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ، وهو أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ.

You read 56:79–81 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Wāqiʿah 56:79