All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Anʿām 6:91 Juzʾ 7 Page 139

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And they did not appraise Allah with true appraisal when they said, "Allah did not reveal to a human being anything." Say, "Who revealed the Scripture that Moses brought as light and guidance to the people? You [Jews] make it into pages, disclosing [some of] it and concealing much. And you were taught that which you knew not - neither you nor your fathers." Say, "Allah [revealed it]." Then leave them in their [empty] discourse, amusing themselves.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ. وأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ، وإبْطالَ الشِّرْكِ، وقَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ الدَّلِيلَ بِالوُجُوهِ الواضِحَةِ شَرَعَ بَعْدَهُ في تَقْرِيرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ حَيْثُ أنْكَرُوا النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ وأنَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٦٠
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وُجُوهٌ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ مَعْناهُ: ما آمَنُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ. وقالَ الأخْفَشُ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وحَقَّقَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَلِكَ، فَقالَ يُقالُ: قَدَّرَ الشَّيْءَ إذا سَبَرَهُ وحَرَّرَهُ، وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ يُقَدِّرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «وإنَّ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ» أيْ فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قالَ يُقالُ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا هو يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ أنَّهُ لا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ صَحِيحٌ في كُلِّ المَعانِي المَذْكُورَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَيَّنَ السَّبَبَ فِيهِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهم ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ فَهو في الحَقِيقَةِ ما عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مُنْكِرَ البِعْثَةِ والرِّسالَةِ، إمّا أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى ما كَلَّفَ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ تَكْلِيفًا أصْلًا، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى كَلَّفَهُمُ التَّكالِيفَ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أباحَ لَهم جَمِيعَ المُنْكَراتِ والقَبائِحِ نَحْوَ شَتْمِ اللَّهِ، ووَصْفِهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، والِاسْتِخْفافِ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ وأهْلِ الدِّينِ، والإعْراضِ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ، ومُقابَلَةِ الإنْعامِ بِالإساءَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ باطِلٌ. وإمّا أنْ يُسَلِّمَ أنَّهُ تَعالى كَلَّفَ الخَلْقَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، فَهَهُنا لا بُدَّ مِن مُبَلِّغٍ وشارِعٍ ومُبَيِّنٍ، وما ذاكَ إلّا الرَّسُولُ.

فَإنْ قِيلَ: لَمْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: العَقْلُ كافٍ في إيجابِ الواجِباتِ واجْتِنابِ المُقَبَّحاتِ ؟

قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُمْ، إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ تَأْكِيدُ التَّعْرِيفِ العَقْلِيِّ بِالتَّعْرِيفاتِ المَشْرُوعَةِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن مَنَعَ البَعْثَةَ والرِّسالَةَ فَقَدْ طَعَنَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ جَهْلًا بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ في حَقِّهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى: أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ؛ لِأنَّهُ يَمْتَنِعُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ دَعَواهُ تَصْدِيقًا لَهُ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ لَهم مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ لَيْسَ في الإمْكانِ خَرْقُ العاداتِ ولا إيجادُ شَيْءٍ عَلى خِلافِ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ.

والمَقامُ الثّانِي: الَّذِينَ يُسَلِّمُونَ إمْكانَ ذَلِكَ. إلّا أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ هَذِهِ الأفْعالِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ لا دَلالَةَ لَها عَلى صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسالَةِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ يُوجِبُ القَدْحَ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَهو أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ. وثَبَتَ أنَّ ما يَحْتَمِلُهُ الشَّيْءُ وجَبَ أنْ يَحْتَمِلَهُ مَثَلُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ جِرْمُ الشَّمْسِ والقَمَرِ قابِلًا لِلتَّمَزُّقِ والتَّفَرُّقِ.

فَإنْ قُلْنا: إنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ وصْفًا لَهُ بِالعَجْزِ ونُقْصانِ القُدْرَةِ، وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ في حَقِّ هَذا القائِلِ: أنَّهُ ما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا انْشِقاقُ القَمَرِ، ولا حُصُولُ سائِرِ المُعْجِزاتِ.

صفحة ٦١
وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الأفْعالِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ عِنْدَ دَعْوى مُدَّعِي النُّبُوَّةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِمْ، فَهَذا أيْضًا ظاهِرٌ عَلى ما هو مُقَرَّرٌ في كُتُبِ الأُصُولِ. فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ إمْكانَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ، فَقَدْ وصَفَ اللَّهَ بِالعَجْزِ ونُقْصانِ القُدْرَةِ، وكُلُّ مَن قالَ ذَلِكَ فَهو ما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ حُدُوثُ العالَمِ، فَنَقُولُ: حُدُوثُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إلَهَ العالَمِ قادِرٌ عالِمٌ حَكِيمٌ، وأنَّ الخَلْقَ كُلَّهم عَبِيدُهُ وهو مالِكٌ لَهم عَلى الإطْلاقِ، ومَلِكٌ لَهم عَلى الإطْلاقِ، والمَلِكُ المُطاعُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ أمْرٌ ونَهْيٌ وتَكْلِيفٌ عَلى عِبادِهِ، وأنْ يَكُونَ لَهُ وعْدٌ عَلى الطّاعَةِ، ووَعِيدٌ عَلى المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ ولا يَكْمُلُ إلّا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، فَكُلُّ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ طَعَنَ في كَوْنِهِ تَعالى مَلِكًا مُطاعًا، ومَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَهو ما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ فَهو ما قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ بَحْثٌ صَعْبٌ، وهو أنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ يُقالُ: إنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَإنْ كانَ الأوَّلُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إبْطالُ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ والبَراهِمَةَ كَما يُنْكِرُونَ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَذَلِكَ يُنْكِرُونَ رِسالَةَ سائِرِ الأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُحْسِنُ إيرادُ هَذا الإلْزامِ عَلَيْهِمْ، وأمّا إنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَهَذا أيْضًا صَعْبٌ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهم لا يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، وكَيْفَ يَقُولُونَهُ مَعَ أنَّ مَذْهَبَهم أنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُوسى، والإنْجِيلَ كِتابٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى عِيسى؛ وأيْضًا فَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والمُناظَراتُ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى كُلُّها مَدَنِيَّةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْها، فَهَذا تَقْرِيرُ الإشْكالِ القائِمِ في هَذِهِ الآيَةِ. واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ اليَهُودِ وهو القَوْلُ المَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ. «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ كانَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، وكانَ رَجُلًا سَمِينًا فَدَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ فِيها إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ وأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ وقَدْ سَمِنتَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُطْعِمُكَ اليَهُودُ فَضَحِكَ القَوْمُ، فَغَضِبَ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ثُمَّ التَفَتَ إلى عُمَرَ فَقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ. فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ويْلُكَ ما هَذا الَّذِي بَلَغَنا عَنْكَ ؟ فَقالَ: إنَّهُ أغْضَبَنِي»، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ لِأجْلِ هَذا الكَلامِ عَزَلُوهُ عَنْ رِياسَتِهِمْ، وجَعَلُوا مَكانَهُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، فَهَذا هو الرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ مُطْلَقًا بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ إلّا أنَّهُ قَدْ يَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ العُرْفِ. ألا تَرى أنَّ المَرْأةَ إذا أرادَتْ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الدّارِ فَغَضِبَ الزَّوْجُ، وقالَ: إنْ خَرَجْتِ مِنَ الدّارِ فَأنْتِ طالِقٌ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ. قالُوا: اللَّفْظُ وإنْ كانَ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ يَتَقَيَّدُ لِتِلْكَ المَرَّةِ فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وإنْ كانَ مُطْلَقًا بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ يَتَقَيَّدُ بِتِلْكَ الواقِعَةِ فَكانَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ مُرادَهُ مِنهُ أنَّهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ في أنَّهُ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ،

صفحة ٦٢
وإذا صارَ هَذا المُطْلَقُ مَحْمُولًا عَلى هَذا المُقَيَّدِ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مُبْطِلًا لِكَلامِهِ، فَهَذا أحَدُ السُّؤالاتِ:
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ كانَ مُفْتَخِرًا بِكَوْنِهِ يَهُودِيًّا مُتَظاهِرًا بِذَلِكَ ومَعَ هَذا المَذْهَبِ[يُسْتَبْعَدُ] البَتَّةَ أنْ يَقُولَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، إلّا عَلى سَبِيلِ الغَضَبِ المُدْهِشِ لِلْعَقْلِ أوْ عَلى سَبِيلٍ لا يُمْكِنُهُ طُغْيانُ اللِّسانِ، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْزالُ القُرْآنِ الباقِي عَلى وجْهِ الدَّهْرِ في إبْطالِهِ.

والسُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ الأكْثَرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وأنَّها أُنْزِلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، ومُناظَراتُ اليَهُودِ مَعَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَدَنِيَّةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى تِلْكَ المُناظَرَةِ ؟ وأيْضًا لَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ دُفْعَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ المُعَيَّنَةُ إنَّما نَزَلَتْ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ ؟ فَهَذِهِ هي السُّؤالاتُ الوارِدَةُ عَلى هَذا القَوْلِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: لَعَلَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ لَمّا تَأذّى مِن هَذا الكَلامِ طَعَنَ في نُبُوَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ شَيْئًا البَتَّةَ، ولَسْتَ رَسُولًا مِن قِبَلِ اللَّهِ البَتَّةَ، فَعِنْدَ هَذا الكَلامِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَقْصُودُ مِنها أنَّكَ لَمّا سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَعِنْدَ هَذا لا يُمْكِنُكَ الإصْرارُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَلَيَّ شَيْئًا لِأنِّي بَشَرٌ ومُوسى بَشَرٌ أيْضًا، فَلَمّا سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ عَلى بَشَرٍ امْتَنَعَ عَلَيْكَ أنْ تَقْطَعَ وتَجْزِمَ بِأنَّهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَكانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ أنَّ الَّذِي ادَّعاهُ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُمْتَنِعاتِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِلْخَصْمِ اليَهُودِيِّ أنْ يُصِرَّ عَلى إنْكارِهِ، بَلْ أقْصى ما في البابِ أنْ يُطالِبَهُ بِالمُعْجِزِ، فَإنْ أتى بِهِ فَهو المَقْصُودُ، وإلّا فَلا، فَإمّا أنْ يُصِرَّ اليَهُودِيُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ شَيْئًا البَتَّةَ مَعَ أنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى، فَذاكَ مَحْضُ الجَهالَةِ والتَّقْلِيدِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَظْهَرُ الجَوابُ عَنِ السُّؤالَيْنِ الأوَّلِينَ.

فَأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ: هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ونَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُناظَرَةُ اليَهُودِيِّ.

قُلْنا: القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ قالُوا: السُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ ونَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً إلّا هَذِهِ الآيَةَ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في هَذِهِ الواقِعَةِ، فَهَذا مُنْتَهى الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الوَجْهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ أعْنِي ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قَوْمٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَهَذا القَوْلُ قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُهم.

بَقِيَ أنْ يُقالَ: كُفّارُ قُرَيْشٍ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْزامُ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِمْ ؟ وأيْضًا فَما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ بِكَفّارِ قُرَيْشٍ، وإنَّما يَلِيقُ بِاليَهُودِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَمِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لا تَلِيقُ إلّا بِاليَهُودِ، وهو قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ أوَّلَ الآيَةِ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ، وآخِرَها خِطابٌ مَعَ اليَهُودِ، فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ تَفْكِيكَ نَظْمِ الآيَةِ وفَسادَ تَرْكِيبِها، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأحْسَنِ الكَلامِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، فَهَذا تَقْرِيرُ الإشْكالِ عَلى هَذا القَوْلِ.

صفحة ٦٣
أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأنَّ كَفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا مُخْتَلِطِينَ بِاليَهُودِ والنَّصارى، وكانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، وفَلْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ وغَيْرِها، والكَفّارُ كانُوا يَطْعَنُونَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ أمْثالَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ، وكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ جِئْتَنا بِأمْثالِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ لَآمَنّا بِكَ، فَكانَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الكَلِماتِ جارِيًا مَجْرى ما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافَ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ إيرادُ نُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلْزامًا عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ .
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَجَوابُهُ: أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ واليَهُودَ والنَّصارى، لَمّا كانُوا مُتَشارِكِينَ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ وارِدًا عَلى سَبِيلِ أنْ يَكُونَ بَعْضُهُ خِطابًا مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ وبَقِيَّتُهُ يَكُونُ خِطابًا مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، فَهَذا ما يَحْضُرُنا في هَذا البَحْثِ الصَّعْبِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ أنَّ عُقُولَ الخَلْقِ لا تَصِلُ إلى كُنْهِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّ الكَثِيرَ مِن أهْلِ هَذا المَذْهَبِ يَحْتَجُّونَ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ وما عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ في القُرْآنِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ، وكُلُّها ورَدَتْ في حَقِّ الكُفّارِ فَهَهُنا ورَدَ في حَقِّ اليَهُودِ أوْ كُفّارِ مَكَّةَ، وكَذا القَوْلُ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى في هَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ أحْكامٌ.
الحُكْمُ الأوَّلُ

أنَّ النَّكِرَةَ في مَوْضِعِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ نَكِرَةٌ في مَوْضِعِ النَّفْيِ، فَلَوْ لَمْ تُفِدِ العُمُومَ لَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ إبْطالًا لَهُ، ونَقْضًا عَلَيْهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَفَسَدَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا، ثَبَتَ أنَّ النَّكِرَةَ في مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُكْمُ الثّانِي

النَّقْضُ يَقْدَحُ في صِحَّةِ الكَلامِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى نَقَضَ قَوْلَهم: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ فَلَوْ لَمْ يَدُلَ النَّقْضُ عَلى فَسادِ الكَلامِ لَما كانَتْ حُجَّةُ اللَّهِ مُفِيدَةً لِهَذا المَطْلُوبِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إبْداءُ الفارِقِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ النَّقْصِ مُبْطِلًا ضَعِيفٌ؛ إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَسَقَطَتْ حُجَّةُ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لَأنَّ اليَهُودِيَّ كانَ يَقُولُ: مُعْجِزاتُ مُوسى أظْهَرُ وأبْهَرُ مِن مُعْجِزاتِكَ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن إثْباتِ النُّبُوَّةِ هُناكَ إثْباتُها هُنا، ولَوْ كانَ الفَرْقُ مَقْبُولًا لَسَقَطَتْ هَذِهِ الحُجَّةُ، وحَيْثُ لا يَجُوزُ القَوْلُ بِسُقُوطِها عَلِمْنا أنَّ النَّقْضَ عَلى الإطْلاقِ مُبْطِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٦٤
الحُكْمُ الثّالِثُ
تَفَلْسَفَ الغَزالِيُّ فَزَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الشَّكْلِ الثّانِي مِنَ الأشْكالِ المَنطِقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ مُوسى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَيْئًا، وأحَدٌ مِنَ البَشَرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَيْئًا. يَنْتِجُ مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي أنَّ مُوسى ما كانَ مِنَ البَشَرِ، وهَذا خُلْفٌ مُحالٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الِاسْتِحالَةُ بِحَسَبِ شَكْلِ القِياسِ، ولا بِحَسَبِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الأُولى، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ لَزِمَ مِن فَرْضِ صِحَّةِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهم: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِكَوْنِها كاذِبَةً، فَثَبَتَ أنَّ دَلالَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَطْلُوبِ، إنَّما تَصِحُّ عِنْدَ الِاعْتِرافِ بِصِحَّةِ الشَّكْلِ الثّانِي مِنَ الأشْكالِ المَنطِقِيَّةِ، وعِنْدَ الِاعْتِرافِ بِصِحَّةِ قِياسِ الخُلْفِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وصَفَ بَعْدَهُ كِتابَ مُوسى بِالصِّفاتِ.

فالصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهُ نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ نُورًا تَشْبِيهًا لَهُ بِالنُّورِ الَّذِي بِهِ يُبَيِّنُ الطَّرِيقَ.

فَإنْ قالُوا: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى بَيْنَ كَوْنِهِ نُورًا وبَيْنَ كَوْنِهِ هُدًى لِلنّاسِ فَرْقٌ، وعَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ يُوجِبُ التَّغايُرَ.

قُلْنا: النُّورُ لَهُ صِفَتانِ:

إحْداهُما: كَوْنُهُ في نَفْسِهِ ظاهِرًا جَلِيًّا.

والثّانِيَةُ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِظُهُورِ غَيْرِهِ.

فالمُرادُ مِن كَوْنِهِ نُورًا وهُدًى هَذانِ الأمْرانِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ أيْضًا بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في آيَةٍ أُخْرى، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الشُّورى: ٥٢] .

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ”يَجْعَلُونَهُ“ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وكَذَلِكَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ لِأجْلِ أنَّهم غائِبُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَلَمّا ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ عَلى لَفْظِ المُغايَبَةِ، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في البَواقِي، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، فالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَجاءَ عَلى الخِطابِ، فَكَذَلِكَ ما قَبْلَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ”يَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ“ أيْ يَجْعَلُونَهُ ذاتَ قَراطِيسَ. أيْ يُودِعُونَهُ إيّاها.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ كِتابٍ فَلا بُدَّ وأنْ يُودَعَ في القَراطِيسِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ في كُلِّ الكُتُبِ، فَما السَّبَبُ في أنْ حَكى اللَّهُ تَعالى هَذا المَعْنى في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم.

قُلْنا: الذَّمُّ لَمْ يَقَعْ عَلى هَذا المَعْنى فَقَطْ، بَلِ المُرادُ أنَّهم لَمّا جَعَلُوهُ قَراطِيسَ، وفَرَّقُوهُ وبَعَّضُوهُ، لا جَرَمَ قَدَرُوا عَلى إبْداءِ البَعْضِ، وإخْفاءِ البَعْضِ، وهو الَّذِي فِيهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

صفحة ٦٥
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ وصَلَ إلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وعَرَفَهُ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ وحَفِظُوهُ، ومِثْلُ هَذا الكِتابِ لا يُمْكِنُ إدْخالُ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ في هَذا الزَّمانِ لَوْ أرادَ إدْخالَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في القُرْآنِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَذا القَوْلُ في التَّوْراةِ.
قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ التَّحْرِيفِ تَفْسِيرُ آياتِ التَّوْراةِ بِالوُجُوهِ الباطِلَةِ الفاسِدَةِ كَما يَفْعَلُهُ المُبْطِلُونَ في زَمانِنا، هَذا بِآياتِ القُرْآنِ.

فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ حَصَلَ في التَّوْراةِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ، والقَوْمُ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ التَّوْراةِ إلّا تِلْكَ الآياتِ، فَلِمَ قالَ: ويُخْفُونَ كَثِيرًا ؟

قُلْنا: القَوْمُ كَما يُخْفُونَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَذَلِكَ يُخْفُونَ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى الأحْكامِ، ألا تَرى أنَّهم حاوَلُوا عَلى إخْفاءِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ، واليَهُودُ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا يَقْرَءُونَ تِلْكَ الآياتِ وما كانُوا يَفْهَمُونَ مَعانِيَها، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِن تِلْكَ الآياتِ هو مَبْعَثُهُ ﷺ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ التَّوْراةَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ، قالَ: (قُلِ اللَّهُ) والمَعْنى أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الَّذِي صِفَتُهُ كَذا وكَذا فَقالَ بَعْدَهُ: (قُلِ اللَّهُ) والمَعْنى أنَّ العَقْلَ السَّلِيمَ والطَّبْعَ المُسْتَقِيمَ يَشْهَدُ بِأنَّ الكِتابَ المَوْصُوفَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُؤَيِّدَ قَوْلَ صاحِبِهِ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ مِثْلِ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا صارَ هَذا المَعْنى ظاهِرًا بِسَبَبِ ظُهُورِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى لِمُحَمَّدٍ: قُلِ المُنْزِلُ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ١٩] وأيْضًا إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي حاوَلَ إقامَةَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ يَقُولُ: مَنِ الَّذِي أحْدَثَ الحَياةَ بَعْدَ عَدَمِها، ومَنِ الَّذِي أحْدَثَ العَقْلَ بَعْدَ الجَهالَةِ، ومَنِ الَّذِي أوْدَعَ في الحَدَقَةِ القُوَّةَ الباصِرَةَ، وفي الصِّماخِ القُوَّةَ السّامِعَةَ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ القائِلَ نَفْسَهُ يَقُولُ: (اللَّهُ) والمَقْصُودُ أنَّهُ بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ والبَيِّنَةُ إلى حَيْثُ يَجِبُ عَلى كُلِّ عاقِلٍ أنْ يَعْتَرِفَ بِها، فَسَواءٌ أقَرَّ الخَصْمُ بِهِ أوْ لَمْ يُقِرَّ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ فَكَذا هاهُنا.

ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكَ إذا أقَمْتَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، وبَلَغْتَ في الأعْذارِ والأنْذارِ هَذا المَبْلَغَ العَظِيمَ، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ البَتَّةَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَذْكُورٌ لِأجْلِ التَّهْدِيدِ، وذَلِكَ لا يُنافِي حُصُولَ المُقاتَلَةِ، فَلَمْ يَكُنْ وُرُودُ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ المُقاتَلَةِ، رافِعًا لِشَيْءٍ مِن مَدْلُولاتِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ فِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ بِالدَّلِيلِ قَوْلَ مَن قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ، أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ كِتابٌ، وتَفْسِيرُ الكِتابِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (أنْزَلْناهُ) والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِها مِن تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي تَوَلّى إنْزالَهُ بِالوَحْيِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (مُبارَكٌ) قالَ أهْلُ المَعانِي كِتابٌ مُبارَكٌ أيْ كَثِيرٌ خَيْرُهُ، دائِمٌ بَرَكَتُهُ ومَنفَعَتُهُ، يُبَشِّرُ بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ، ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، وأقُولُ: العُلُومُ إمّا نَظَرِيَّةٌ، وإمّا عَمَلِيَّةٌ، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، فَأشْرَفُها وأكْمَلُها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ، ولا تَرى هَذِهِ العُلُومَ أكْمَلَ ولا أشْرَفَ مِمّا تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، وأمّا العُلُومُ العَمَلِيَّةُ، فالمَطْلُوبُ، إمّا أعْمالُ الجَوارِحِ، وإمّا أعْمالُ القُلُوبِ، وهو المُسَمّى بِطَهارَةِ الأخْلاقِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ ولا تَجِدُ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ مِثْلَ ما تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، ثُمَّ قَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْهُ والمُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ.

يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: وأنا قَدْ نَقَلْتُ أنْواعًا مِنَ العُلُومِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِي بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ العُلُومِ مِن أنْواعِ السَّعاداتِ في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ خِدْمَةِ هَذا العِلْمِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فالمُرادُ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إمّا عِلْمُ الأُصُولِ، وإمّا عِلْمُ الفُرُوعِ.

أمّا عُلُومُ الأُصُولِ: فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّفاوُتِ فِيهِ بِسَبَبِ اخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ مُوافِقٌ ومُطابِقٌ لِما في التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وأمّا عِلْمُ الفُرُوعِ: فَقَدْ كانَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى القُرْآنِ مُشْتَمِلَةً عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ في تِلْكَ الكُتُبِ أنَّ التَّكالِيفَ المَوْجُودَةَ فِيها، إنَّما

صفحة ٦٧
تَبْقى إلى وقْتِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا بَعْدَ ظُهُورِ شَرْعِهِ فَإنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الكُتُبَ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ الأحْكامِ عَلى هَذا الوَجْهِ، والقُرْآنُ مُطابِقٌ لِهَذا المَعْنى ومُوافِقٌ، فَثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِكُلِّ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في جُمْلَةِ عِلْمِ الأُصُولِ والفُرُوعِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهاهُنا أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: اتَّفَقُوا عَلى أنْ هاهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ولِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى. واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أُمَّ القُرى هي مَكَّةُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ سُمِّيَتْ مَكَّةُ بِهَذا الِاسْمِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الأرَضِينَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها ومِن حَوْلِها، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ الدُّنْيا، فَصارَتْ هي كالأصْلِ وسائِرُ البِلادِ والقُرى تابِعَةٌ لَها، وأيْضًا مِن أُصُولِ عِباداتِ أهْلِ الدُّنْيا الحَجُّ، وهو إنَّما يَحْصُلُ في تِلْكَ البَلْدَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَجْتَمِعُ الخَلْقُ إلَيْها كَما يَجْتَمِعُ الأوْلادُ إلى الأُمِّ، وأيْضًا فَلَمّا كانَ أهْلُ الدُّنْيا يَجْتَمِعُونَ هُناكَ بِسَبَبِ الحَجِّ، لا جَرَمَ يَحْصُلُ هُناكَ أنْواعٌ مِنَ التِّجاراتِ والمَنافِعِ ما لا يَحْصُلُ في سائِرِ البِلادِ، ولا شَكَّ أنَّ الكَسْبَ والتِّجارَةَ مِن أُصُولِ المَعِيشَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ القُرى. وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ القُرى لِأنَّ الكَعْبَةَ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّ مَكَّةَ أوَّلُ بَلْدَةٍ سُكِنَتْ في الأرْضِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دَخَلَ فِيهِ سائِرُ البُلْدانِ والقُرى.

والبَحْثُ الثّانِي: زَعَمَتْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى العَرَبِ فَقَطْ. واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ لِيُبَلِّغَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ وإلى القُرى المُحِيطَةِ بِها، والمُرادُ مِنها جَزِيرَةُ العَرَبِ، ولَوْ كانَ مَبْعُوثًا إلى كُلِّ العالَمِينَ لَكانَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ باطِلًا.

والجَوابُ: أنَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ المَواضِعِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحُكْمِ فِيما سِواها إلّا بِدَلالَةِ المَفْهُومِ وهي ضَعِيفَةٌ، لا سِيَّما وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ، المَقْطُوعِ بِهِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَتَناوَلُ جَمِيعَ البِلادِ والقُرى المُحِيطَةِ بِها، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ بِلادِ العالَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”لِيُنْذِرَ“ بِالياءِ، جَعَلَ الكِتابَ هو المُنْذِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ إنْذارًا، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ”لِيُنْذَرُوا بِهِ“ أيْ بِالكِتابِ، وقالَ: ”وأنْذِرْ بِهِ“ وقالَ: ”﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾“ فَلا يَمْتَنِعُ إسْنادُ الإنْذارِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، وأمّا الباقُونَ: فَإنَّهم قَرَءُوا ”ولِتُنْذِرَ“ بِالتّاءِ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ والمَوْصُوفَ بِالإنْذارِ هو. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٥١] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي أنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ جارٍ مَجْرى السَّبَبِ لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ . والعُلَماءُ ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذِهِ السَّبَبِيَّةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ هو الَّذِي يُؤْمِنُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُعَظِّمُ رَغْبَتَهُ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ، ورَهْبَتَهُ عَنْ حُلُولِ العِقابِ، ويُبالِغُ في النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَيَصِلُ إلى العِلْمِ والإيمانِ.

والثّانِي: أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَبْنِيٌّ عَلى الإيمانِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ

صفحة ٦٨
مُبالَغَةٌ في تَقْرِيرِ هَذِهِ القاعِدَةِ مِثْلَ ما في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِصِحَّةِ الآخِرَةِ أمْرَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ.
والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهَ عَلى إخْراجِ أهْلِ مَكَّةَ مِن قَبُولِ هَذا الدِّينِ؛ لِأنَّ الحامِلَ عَلى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرْكِ رِياسَةِ الدُّنْيا، وتَرْكِ الحِقْدِ والحَسَدِ لَيْسَ إلّا الرَّغْبَةَ في الثَّوابِ، والرَّهْبَةَ عَنِ العِقابِ. وكُفّارُ مَكَّةَ لَمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا في البَعْثِ والقِيامَةِ، امْتَنَعَ مِنهم تَرْكُ الحَسَدِ وتَرْكُ الرِّياسَةِ، فَلا جَرَمَ يَبْعُدُ قَبُولُهم لِهَذا الدِّينِ واعْتِرافُهم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ كَما يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ، فَكَذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلى المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإيمانُ بِالآخِرَةِ يَحْمِلُ عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ ؟ لِأنّا نَقُولُ: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ وأعْظَمُها خَطَرًا، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ اسْمُ الإيمانِ عَلى شَيْءٍ مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ إلّا عَلى الصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٣] أيْ صَلاتَكم، ولَمْ يَقَعِ اسْمُ الكُفْرِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي إلّا عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ؛ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» فَلَمّا اخْتَصَّتِ الصَّلاةُ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ التَّشْرِيفِ، لا جَرَمَ خَصَّها اللَّهُ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيَّنَ ما فِيهِ مِن صِفاتِ الجَلالَةِ والشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى وعِيدِ مَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ وعِيدَ مَن ذَكَرَ أحَدَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ:

فَأوَّلُها: أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَ هَذا في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ صاحِبِ اليَمامَةِ، وفي الأسْوَدِ العَنْسِيِّ صاحِبِ صَنْعاءَ، فَإنَّهُما كانا يَدَّعِيانِ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وكانَ مُسَيْلِمَةُ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ، وأنا رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ. قالَ القاضِي: الَّذِي يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ

صفحة ٦٩
يَدْخُلُ فِيهِ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ كَذِبًا، ولَكِنْ لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. فَكُلُّ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا في الذّاتِ، وإمّا في الصِّفاتِ، وإمّا في الأفْعالِ كانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.
قالَ: والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ في صِفاتِهِ، كالمُجَسِّمَةِ، وفي عَدْلِهِ كالمُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ ظَلَمُوا أعْظَمَ أنْواعِ الظُّلْمِ بِأنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وأقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: المُجَسِّمَةُ قَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، فَهو حَقٌّ.

وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ في صِفاتِهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ الذّاتِ جِسْمًا ومُتَحَيَّزًا لَيْسَ بِصِفَةٍ، بَلْ هو نَفْسُ الذّاتِ المَخْصُوصَةِ، فَمَن زَعَمَ أنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ يَقُولُ: جَمِيعُ الأجْسامِ والمُتَحَيَّزاتِ مُحْدَثَةٌ، ولَها بِأسْرِها خالِقٌ هو مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمُتَحَيَّزٍ، والمُجَسِّمُ يَنْفِي هَذِهِ الذّاتَ، فَكانَ الخِلافُ بَيْنَ المُوَحِّدِ والمُجَسِّمِ لَيْسَ في الصِّفَةِ بَلْ في نَفْسِ الذّاتِ؛ لِأنَّ المُوَحِّدَ يُثْبِتُ هَذِهِ الذّاتَ والمُجَسِّمَ يَنْفِيها، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الخِلافَ لَمْ يَقَعْ في الصِّفَةِ، بَلْ في الذّاتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: المُجْبِرَةُ قَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى في صِفاتِهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ يُقالُ لَهُ المُجْبِرَةُ ما زادُوا عَلى قَوْلِهِمْ: المُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنَّ كَذَبُوا في هَذِهِ القَضِيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَعْرِفُوا وُجُودَ الإلَهِ ؟ وإنْ صَدَقُوا في ذَلِكَ لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِتَوْقِيفِ صُدُورِ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ الدّاعِي بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَيْنُ ما نُسَمِّيهِ بِالجَبْرِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي وصَفَهُ بِكَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ باطِلٌ، بَلِ المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ مَن يَقُولُ: المُمْكِنُ لا يَتَوَقَّفُ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ عَلى حُصُولِ المُرَجَّحِ. فَإنَّ مَن قالَ هَذا الكَلامَ لَزِمَهُ نَفْيُ الصّانِعِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ نَفْيُ الآثارِ والمُؤَثِّراتِ بِالكُلِّيَّةِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِها افْتِراءً، قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ، أنَّ في الأوَّلِ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ، وما كانَ يَكْذِبُ بِنُزُولِ الوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا في هَذا القَوْلِ، فَقَدْ أثْبَتَ الوَحْيَ لِنَفْسِهِ ونَفاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ هَذا جَمْعًا بَيْنَ نَوْعَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الكَذِبِ، وهو إثْباتُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ونَفْيُ ما هو مَوْجُودٌ.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ ما قالَهُ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وهو قَوْلُهُ: ”لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا“ وقَوْلُهُ في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، وكُلُّ أحَدٍ يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ، وحاصِلُهُ: أنَّ هَذا القائِلَ يَدَّعِي مُعارَضَةَ القُرْآنِ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [المؤمنون: ١٢] أمْلاهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنهُ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ الرَّسُولُ: هَكَذا أُنْزِلَتِ الآيَةُ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ، وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا، فَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَقَدْ عارَضْتُهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّ أوَّلَ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يُفِيدُ التَّخْوِيفَ العَظِيمَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كالتَّفْصِيلِ لِذَلِكَ المُجْمَلِ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهم، وغَمَراتُ المَوْتِ جَمْعُ غَمْرَةٍ، وهي شَدَّةُ المَوْتِ، وغَمْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَثْرَتُهُ ومُعْظَمُهُ، ومِنهُ غَمْرَةُ الماءِ، وغَمْرَةُ الحَرْبِ، ويُقالُ غَمَرَهُ الشَّيْءُ إذا عَلاهُ وغَطّاهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في شَيْءٍ كَثِيرٍ قَدْ غَمَرَهُ ذَلِكَ، وغَمَرَهُ الدَّيْنُ إذا كَثُرَ
صفحة ٧٠
عَلَيْهِ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ يُقالُ لِلشَّدائِدِ والمَكارِهِ: الغَمَراتُ، وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَلائِكَةُ العَذابِ باسِطُو أيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَهم ويُعَذِّبُونَهم، كَما يُقالُ بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ بِالمَكْرُوهِ، ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ . هاهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكم، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى إخْراجِ أرْواحِهِمْ مِن أجْسادِهِمْ، فَما الفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ ؟ .

فَنَقُولُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذا صارُوا إلى غَمَراتِ المَوْتِ في الآخِرَةِ فَأُدْخِلُوا جَهَنَّمَ، فَغَمَراتُ المَوْتِ عِبارَةٌ عَمّا يُصِيبُهم هُناكَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ والتَّعْذِيباتِ، والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ يُبَكِّتُونَهم، ويَقُولُونَ لَهم: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذا العَذابِ الشَّدِيدِ إنْ قَدَرْتُمْ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ في الدُّنْيا والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهم لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، يَقُولُونَ لَهم: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ، وخَلِّصُوها مِن هَذِهِ الآفاتِ والآلامِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ أخْرِجُوها إلَيْنا مِن أجْسادِكم، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ العُنْفِ والتَّشْدِيدِ في إزْهاقِ الرُّوحِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ، وأنَّهم يَفْعَلُونَ بِهِمْ فِعْلَ الغَرِيمِ المُلازِمِ المُلِحِّ يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ ولا يُمْهِلُهُ، ويَقُولُ لَهُ: أخْرِجْ إلَيَّ ما لِي عَلَيْكَ السّاعَةَ ولا أبْرَحُ مِن مَكانِي حَتّى أنْزَعَهُ مِن أحْداقِكَ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ حالِهِمْ، وأنَّهم بَلَغُوا في البَلاءِ والشِّدَّةِ إلى حَيْثُ تَوَلّى بِنَفْسِهِ إزْهاقَ رُوحِهِ.

والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لَيْسَ بِأمْرٍ، بَلْ هو وعِيدٌ وتَقْرِيعٌ، كَقَوْلِ القائِلِ: امْضِ الآنَ لِتَرى ما يَحِلُّ بِكَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تَنْشَطُ في الخُرُوجِ لِلِقاءِ رَبِّهِ، ونَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ ذَلِكَ فَيَشُقُّ عَلَيْها الخُرُوجُ؛ لِأنَّها تَصِيرُ إلى أشَدِّ العَذابِ، كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أرادَ لِقاءَ اللَّهِ أرادَ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» وذَلِكَ عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارِ تُكْرِهُهُمُ المَلائِكَةُ عَلى نَزْعِ الرُّوحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا الهَيْكَلِ، وغَيْرُ هَذا الجَسَدِ، احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: أخْرِجُوا أنْفُسَكم عَنْ أجْسادِكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ مُغايِرَةٌ لِلْأجْسادِ، إلّا أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، لَمْ يَتِمَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: عَذابُ الهُونِ أيِ العَذابُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الهَوانُ الشَّدِيدُ. قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النحل: ٥٩] والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ هُناكَ بَيْنَ الإيلامِ وبَيْنَ الإهانَةِ، فَإنَّ الثَّوابَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فَكَذَلِكَ العِقابُ شَرْطُهُ أنْ
صفحة ٧١
يَكُونَ مَضَرَّةً مَقْرُونَةً بِالإهانَةِ. قالَ بَعْضُهم: الهُونُ هو الهَوانُ، والهَوْنُ هو الرِّفْقُ والدَّعَةُ. قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: ٦٣] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ أنَّ هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ؛ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، والتَّكَبُّرِ عَلى آياتِ اللَّهِ. وأقُولُ: هَذانِ النَّوْعانِ مِنَ الآفاتِ والبَلاءِ تَرى أكْثَرَ المُتَوَسِّمِينَ بِالعِلْمِ مُتَوَغِّلِينَ فِيهِ مُواظِبِينَ عَلَيْهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، ومِن آثارِهِ ونَتائِجِهِ.
وذَكَرَ الواحِدِيُّ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا تُصَلُّونَ لَهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ» .

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 6:91–95 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:91