All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction, at length.

Āl ʿImrān 3:26 Juzʾ 3 Page 53

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Say, "O Allah, Owner of Sovereignty, You give sovereignty to whom You will and You take sovereignty away from whom You will. You honor whom You will and You humble whom You will. In Your hand is [all] good. Indeed, You are over all things competent.

Read in the muṣḥaf
البحر المحيط Abū Ḥayyān

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: بِقُدْرَتِكَ وتَصْدِيقِكَ وقَعَ الخَيْرُ، ويَسْتَحِيلُ وُجُودُ اليَدِ بِمَعْنى الجارِحَةِ لِلَّهِ تَعالى. قِيلَ: المَعْنى والشَّرُّ، نَحْوَ: تَقِيكُمُ الحُرَّ، أيْ والبَرْدَ. وحَذْفُ المَعْطُوفِ جائِزٌ لِفَهْمِ المَعْنى، إذْ أحَدُ الضِّدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنهُ الآخَرُ، وهو تَعالى قَدْ ذَكَرَ إيتاءَ المُلْكِ ونَزْعَهُ، والإعْزازَ والإذْلالَ، وذَلِكَ خَيْرٌ لِناسٍ وشَرٌّ لِآخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، ثُمَّ خَتَمَها بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَجاءَ بِهَذا العامِ المُنْدَرِجِ تَحْتَهُ الأوْصافُ السّابِقَةُ، وجَمَعَ الخُيُورَ والشُّرُورَ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ تَعْلِيمٌ لَنا كَيْفَ نَمْدَحُ ؟ بِأنْ نَذْكُرَ أفْضَلَ الخِصالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في الخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي أنْكَرَتْهُ الكَفَرَةُ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تُؤْتِيهِ أوْلِياءَكَ عَلى رَغْمِ أعْدائِكَ؛ ولِأنَّ كُلَّ أفْعالِ اللَّهِ مِن نافِعٍ وضارٍّ صادِرٌ عَنِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ فَهو خَيْرٌ كُلُّهُ انْتَهى كَلامُهُ، وهو يُدافِعُ آخِرُهُ أوَّلَهُ، لِأنَّهُ ذَكَرَ في السُّؤالِ؛ لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ ؟

وأجابَ بِالجَوابِ الأوَّلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِيَدِهِ تَعالى الخَيْرَ والشَّرَّ، وإنَّما كانَ اقْتِصارُهُ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ فِيما يَسُوقُهُ تَعالى مِنَ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَناسَبَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الخَيْرِ فَقَطْ. وأجابَ بِالجَوابِ الثّانِي: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَمِيعُ أفْعالِهِ خَيْرٌ لَيْسَ فِيها شَرٌّ، وهَذا الجَوابُ يُناقِضُ الأوَّلَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ، وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٌ؛ إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ ورَغْبَةٍ، فَكانَ المَعْنى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَأجْزِلْ حَظِي مِنهُ.

وقالَ الرّاغِبُ: لَمّا كانَتْ في الحَمْدِ والشُّكْرِ لا لِلْحُكْمِ، ذَكَرَ الخَيْرَ إذْ هو المَشْكُورُ عَلَيْهِ. وقالَ الرّازِيُّ: الخَيْرُ فِيهِ الألِفُ واللّامُ الدّالَّةُ عَلى العُمُومِ، وتَقْدِيمُ: بِيَدِكَ، يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ، فَدَلَّ عَلى أنْ لا خَيْرَ إلّا بِيَدِهِ، وأفْضَلُ الخَيْراتِ الإيمانُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. ولِأنَّ فاعِلَ الأشْرَفِ أشْرَفُ، والإيمانُ أشْرَفُ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ (p-٤٢١)عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَّهارِ يَزِيدُ في اللَّيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَّيْلِ يَزِيدُ في النَّهارِ، دَأْبًا كُلُّ فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ، قِيلَ: حَتّى يَصِيرَ النّاقِصُ تِسْعَ ساعاتٍ، والزّائِدُ خَمْسَ عَشْرَةَ ساعَةً. وذَكَرَ بَعْضُ مُعاصِرِينا: أجْمَعَ أرْبابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ، عَلى أنَّ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّيادَةُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِأخْذِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ثَلاثِينَ دَرَجَةً، فَتَنْتَهِي زِيادَةُ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ إلى أرْبَعَ عَشْرَةَ ساعَةً، وكَذَلِكَ العَكْسُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ المَعْنى في الوُلُوجِ هُنا تَغْطِيَةُ اللَّيْلِ بِالنَّهارِ إذا أقْبَلَ، وتَغْطِيَةُ النَّهارِ بِاللَّيْلِ إذا أقْبَلَ، فَصَيْرُورَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في زَمانِ الآخَرِ كالوُلُوجِ فِيهِ، وأوْرَدَ هَذا القَوْلَ احْتِمالًا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وكانَ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجَ الآخَرِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْنى الإخْراجِ: التَّكْوِينُ هُنا، والإخْراجُ حَقِيقَةً: هو إخْراجُ الشَّيْءِ مِنَ الظَّرْفِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وإبْراهِيمُ، والسُّدِّيُّ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالَةَ إبْراهِيمَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. تُخْرِجُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيِّتَةٌ إذا انْفَصَلَتِ النُّطْفَةُ مِنَ الحَيَوانِ، وتُخْرِجُ النُّطْفَةَ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الرَّجُلِ وهو حَيٌّ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْتُ مَجازًا إذِ النُّطْفَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَها حَياةٌ، ويَكُونُ المَعْنى: وتُخْرِجُ الحَيَّ مِن ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ، وتُخْرِجُ ما لا تَحِلُّهُ الحَياةُ مِنَ الحَيِّ، والإخْراجُ عِبارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الحالِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ؛ أيِ: الفَرْخَ مِنَ البَيْضَةِ، والبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، والمَوْتُ أيْضًا هُنا مَجازٌ، والإخْراجُ حَقِيقَةٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والمَوْتُ والحَياةُ في هَذا مَجازٌ. وقالَ الحَسَنُ: ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ: تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، وهُما أيْضًا مَجازٌ. وفي الحَدِيثِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«سُبْحانَ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ“ . وقَدْ رَأى امْرَأةً صالِحَةً ماتَ أبُوها كافِرًا»، وهي خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الحَبِّ، ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ. وقِيلَ: الطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: ويُحْتَمَلُ: يُخْرِجُ الجَلْدَ الفَطِنَ مِنَ البَلِيدِ العاجِزِ، والعَكْسُ؛ لِأنَّ الفِطْنَةَ حَياةُ الحِسِّ، والبَلادَةَ مَوْتُهُ. وقِيلَ: يُخْرِجُ الحِكْمَةَ مِن قَلْبِ الفاجِرِ؛ لِأنَّها لا تَسْتَقِرُّ فِيهِ، والسَّقْطَةُ مِن لِسانِ العارِفِ، وهَذِهِ كُلُّها مَجازاتٌ بَعِيدَةٌ. والأظْهَرُ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ تَصَوُّرُ اثْنَيْنِ. وقِيلَ: عَنى بِذَلِكَ شَيْئًا واحِدًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الحالُ، فَيَكُونُ مَيِّتًا ثُمَّ يَحْيا، وحَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. نَحْوَ قَوْلِكَ: جاءَ مِن فُلانٍ أسَدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ هُنا حَقِيقَتانِ لا اسْتِعارَةَ فِيهِما، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المَثَلِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ، وذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلَ عِكْرِمَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ، ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ إذْ ذاكَ عَلى الحَقِيقَةِ أصْلًا، وكَذَلِكَ في المَوْتِ، وشَدَّدَ حَفْصٌ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: المَيِّتُ، في هَذِهِ الآيَةِ. وفي الأنْعامِ، والأعْرافِ، ويُونُسَ، والرُّومِ، وفاطِرٍ، زادَ نافِعٌ تَشْدِيدَ الياءِ في: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] في الأنْعامِ و﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ [يس: ٣٣] في يس ﴿لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] في الحُجُراتِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفَ ذَلِكَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ التَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ في الِاسْتِعْمالِ، كَما تَقُولُ: لَيِّنٌ ولَيْنٌ، وهَيِّنٌ وهَيْنٌ. ومَن زَعَمَ أنَّ المُخَفَّفَ لِما قَدْ ماتَ، والمُشَدَّدَ لِما قَدْ ماتَ ولِما لَمْ يَمُتْ فَيَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢١٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ، فَذَكَرَ حالَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في المُعاقَبَةِ بَيْنَهُما، وحالَ الحَيِّ والمَيِّتِ في إخْراجِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ العَظِيمَةِ المُحَيِّرَةِ لِلْأفْهامِ، ثُمَّ قَدَرَ أنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسابٍ (p-٤٢٢)مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم، ويُؤْتِيَهُ العَرَبُ ويُعِزَّهُمُ انْتَهى. وهو حَسَنٌ. قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ، والبَلاغَةِ، والبَدِيعِ. الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّعَجُّبُ في ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٣] . والإشارَةُ في ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٣] فَإدْخالُ: مِن، يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُحِيطُوا بِالتَّوْراةِ عِلْمًا، ولا حِفْظًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإزْراءِ بِهِمْ، وتَنْقِيصِ قَدْرِهِمْ وذَمِّهِمْ؛ إذْ يَزْعُمُونَ أنَّهم أخْيارٌ وهم بِخِلافِ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٤] إشارَةٌ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمُ اللَّذَيْنِ سَبَبُهُما افْتِراؤُهم، وفي ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ [آل عمران: ٢٥] إشارَةٌ إلى أنَّ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ.

والتَّكْرارُ في ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٣] ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [آل عمران: ٢٣] إمّا في اللَّفْظِ والمَعْنى إنْ كانَ المَدْلُولُ واحِدًا، وإمّا في اللَّفْظِ إنْ كانَ مُخْتَلِفًا. وفي التَّوَلِّي والإعْراضِ إنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ. وفي: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وتَكْرارُهُ في جُمَلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، إنْ كانَ المُرادُ واحِدًا، وإنِ اخْتَلَفَ كانَ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ فَقَطْ، وتَكْرارُ ‏‏ ‏‏‏‏ وفي (تُولِجُ) وفي (تُخْرِجُ) وفي مُتَعَلِّقَيْهِما. والِاتِّساعُ في جَعْلِ في بِمَعْنى عَلى، عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: عَلى النَّهارِ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ أيْ: عَلى اللَّيْلِ.

وعَبَّرَ بِالإيلاجِ عَنِ العُلُوِّ والتَّغْشِيَةِ. والنَّفْيُ المُتَضَمِّنُ الأمْرَ في ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٥] عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ، أيْ: لا تَرْتابُوا فِيهِ، والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والطِّباقُ: في: تُؤْتِي وتَنْزِعُ، وتُعِزُّ وتُذِلُّ، وفي اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي الحَيِّ والمَيِّتِ. ورَدُّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ في: تُولِجُ، وما بَعْدَهُ، والحَذْفُ وهو في مَواضِعَ مِمّا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِها. كَقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مَن تَشاءُ أنْ تُؤْتِيَهُ. والإسْنادُ المَجازِيُّ في ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٣] أسْنَدَ الحُكْمَ إلى الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ الأحْكامَ فَهو سَبَبُ الحُكْمِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «إنَّ مَن أرادَ قَضاءَ دَيْنِهِ قَرَأ كُلَّ يَوْمٍ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . وبُقُولِ: رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُما، تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. فَلَوْ كانَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَأدّاهُ اللَّهُ» .

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٨] قِيلَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ كانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ فَأرادَ أنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ. وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ كانُوا يَتَوالَوْنَ اليَهُودَ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وهُمُ: الحَجّاجُ بْنُ عُمَرَ، وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وقَيْسُ بْنُ يَزِيدَ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ يَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا، فَنَزَلَتْ، هَذِهِ الأقْوالُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: في حاطِبِ بْنِ بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ.

ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ اللُّطْفُ بِهِمْ في المُعاشَرَةِ؛ وذَلِكَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ، قَبْلَ الإسْلامِ، أوْ يَدٍ سابِقَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا فِيما يَظْهَرُ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وأمّا أنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَّهْيُ هُنا إنَّما مَعْناهُ النَّهْيُ عَنِ اللُّطْفِ بِهِمْ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، واللُّطْفُ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا في القُرْآنِ.

ويَكْفِيكَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، والمَحَبَّةُ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏ ‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٨]، عَلى النَّهْيِ، وقَرَأ الضَّبِّيُّ بِرَفْعِ الذّالِ عَلى النَّفْيِ، والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ، وقَدْ أجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ كَقِراءَةِ الضَّبِّيِّ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى - لَمّا ذَكَرَ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَمِنُ عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها، ذَكَرَ ما يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ مِن مُعامَلَةِ الخَلْقِ، وكانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ في الكُفّارِ فَنُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ، وأُمِرُوا بِالرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ وعِنْدَ أوْلِيائِهِ دُونَ أعْدائِهِ؛ إذْ هو تَعالى مالِكُ المُلْكِ.

وظاهِرُ الآيَةِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مُوالاتِهِمْ إلّا ما فَسَحَ لَنا فِيهِ مِنَ اتِّخاذِهِمْ عَبِيدًا، والِاسْتِعانَةِ بِهِمُ اسْتِعانَةَ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ، والأرْفَعِ بِالأوْضَعِ، والنِّكاحِ فِيهِمْ. فَهَذا كُلُّهُ ضَرْبٌ (p-٤٢٣)مِنَ المُوالاةِ أُذِنَ لَنا فِيهِ، ولَسْنا مَمْنُوعِينَ مِنهُ، فالنَّهْيُ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: مِن دُونِ، في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [البقرة: ٢٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

و”يَتَّخِذِ“، هُنا مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، ومِن دُونِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ”لا يَتَّخِذِ“؛ ومِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ. قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: أيْ لا تَجْعَلُوا ابْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:26