All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Sabaʾ 34:2 Juzʾ 22 Page 428

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.

Read in the muṣḥaf

(سُورَةُ سَبَأٍ خَمْسٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

(p-٢٥٧)هَذِهِ السُّورَةُ قالَ في التَّحْرِيرِ: مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَدَنِيَّةٌ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأشْباهِهِ. انْتَهى. وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، لَمّا سَمِعُوا ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٧٣]: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، ويُخَوِّفُنا بِالبَعْثِ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، ولا نُبْعَثُ. فَقالَ اللَّهُ: (قُلْ) يا مُحَمَّدُ ﴿بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] قالَهُ مُقاتِلٌ، وباقِي السُّورَةِ تَهْدِيدٌ لَهم وتَخْوِيفٌ. ومَن ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ ظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي قَبْلَها.

‏‏‏‏ ‏ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ المَحامِدِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ظاهِرُهُ الِاسْتِغْراقُ. ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الآخِرَةِ مُخْبَرًا بِها، غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ لَنا في الدُّنْيا، ذَكَرَها لِيُقاسَ نِعَمُها بِنِعَمِ الدُّنْيا، قِياسَ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وإنِ اخْتَلَفا في الفَضِيلَةِ والدَّيْمُومَةِ. وقِيلَ: ”ألْ“ لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ [يونس: ١٠] أوْ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزمر: ٧٤] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ وُجُوبُ الحَمْدِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ عَلى نِعَمِهِ مُتَفَضِّلٌ بِها، وهو الطَّرِيقُ إلى تَحْصِيلِ نِعْمَةِ الآخِرَةِ، وهي الثَّوابُ. وحَمْدُ الآخِرَةِ لَيْسَ بِواجِبٍ؛ لِأنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ واجِبَةِ الِاتِّصالُ إلى مُسْتَحِقِّها، إنَّما هو تَتِمَّةُ سُرُورِ المُؤْمِنِينَ وتَكْمِلَةُ اغْتِباطِهِمْ يَلْتَذُّونَ بِهِ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ مِنَ المِياهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِنَ الأمْواتِ والدَّفائِنِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مِنَ النَّباتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مِن جَواهِرِ المَعادِنِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِنَ المَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والصّاعِقَةِ والرِّزْقِ والمَلَكِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن أعْمالِ الخَلْقِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: وما يَنْزِلُ مِنَ المَلائِكَةِ. وقِيلَ: مِنَ الأقْضِيَةِ والأحْوالِ والأدْعِيَةِ والأعْمالِ. وقِيلَ: مِنَ الأنْعامِ والعَطاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: ”وما يُنْزَلُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ أيِ: اللَّهُ تَعالى. و(بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِمْ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: بَلى لَتَأْتِيَنَّكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أيِ: السّاعَةُ الَّتِي أنْكَرْتُمْ مَجِيئُها. وقَرَأ طَلْقٌ عَنْ أشْياخِهِ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لَيَأْتِيَنَّكُمُ البَعْثُ؛ لِأنَّهُ مَقْصُودُهم مِن نَفْيِ السّاعَةِ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ عَلى مَعْنى السّاعَةِ أيِ: اليَوْمَ، أوْ عَلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ عَلى مَعْنى لَيَأْتِيَنَّكم أمْرُ عالِمِ الغَيْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أيْ: أمْرُهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ مَذْهَبَ التَّذْكِيرِ، لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوُ قَوْلِهِ:

؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها

ثُمَّ أكَّدَ الجَوابَ بِالقَسَمِ عَلى البَعْثِ، وأتْبَعَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وما بَعْدَهُ، لِيُعْلَمَ أنَّ إنْباتَها مِنَ الغَيْبِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ تَعالى. وجاءَ القَسَمُ بِقَوْلِهِ: (ورَبِّي) مُضافًا إلى الرَّسُولِ ﷺ، لِيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ القَسَمِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ في الِاسْمِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن أنْكَرَ السّاعَةَ، وهو لَفْظُ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ورُوَيْسٌ، وسَلامٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَعْنَبٌ: ”عالِمُ“ بِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ هو، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً (p-٢٥٨)والخَبَرُ ‏ ‏‏‏‏ . وقالَ الحَوْفِيُّ: أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: عالِمُ الغَيْبِ هو. وباقِي السَّبْعَةِ: (عالِمِ) بِالجَرِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ: وذَلِكَ عَلى البَدَلِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ صِفَةً، ويَعْنِي أنَّ (عالِمَ الغَيْبِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ، وكَذا كُلُّ ما أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ مِمّا كانَ لا يَتَعَرَّفُ بِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَرَّفَ بِالإضافَةِ، إلّا الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ فَلا تَتَعَرَّفُ بِإضافَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ، وقَلَّ مَن يَعْرِفُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (عَلّامِ) عَلى المُبالَغَةِ والخَفْضِ، وتَقَدَّمَتْ قِراءَةُ ﴿يَعْزُبُ﴾ في يُونُسَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ بِرَفْعِ الرّاءَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مِثْقالَ﴾ [النساء: ٤٠] وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏ . وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ تَوْكِيدًا لِما تَضَمَّنَ النَّفْيَ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏ وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّهُ في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ ضَبْطِ الشَّيْءِ والتَّحَفُّظِ بِهِ، فَكَأنَّهُ في كِتابٍ، ولَيْسَ ثَمَّ كِتابٌ حَقِيقَةً. وعَلى التَّخْرِيجِ الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الرّاءَيْنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَطْفًا عَلى (ذَرَّةٍ) . ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَزاها أيْضًا إلى نافِعٍ، ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَ، بَلْ تَكُونُ ”لا“ لِنَفْيِ الجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، أعْنِي مَجْمُوعَ ”لا“ وما بُنِيَ مَعَها عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، لا مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَوابًا لِسُؤالِ مَن قالَ: هَلْ جازَ عَطْفُ ‏‏ ‏‏‏‏ عَلى ﴿مِثْقالُ﴾ وعَطْفُ ‏‏ ‏‏‏‏ عَلى (ذَرَّةٍ) ؟ قُلْتُ: يَأْبى ذَلِكَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، إلّا إذا جَعَلْتَ الضَّمِيرَ في ”عَنْهُ“ لِلْغَيْبِ، وجَعَلْتَ الغَيْبَ اسْمًا لِلْخَفِيّاتِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ في اللَّوْحِ؛ لِأنَّ إثْباتَها في اللَّوْحِ نَوْعٌ مِنَ البُرُوزِ عَنِ الحِجابِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ ولا يَزُولُ عَنْهُ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ، انْتَهى. ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إذا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ لَيْسَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ”‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏“ بِخَفْضِ الرّاءَيْنِ بِالكَسْرَةِ، كَأنَّهُ نَوى مُضافًا إلَيْهِ مَحْذُوفًا، التَّقْدِيرُ: ولا أصْغَرِهِ ولا أكْبَرِهِ، ومِن ذَلِكَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعَلَ، بَلْ هو بِتَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ أبْهَمَ لَفْظًا فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِن ذَلِكَ) أيْ: عَنى مِن ذَلِكَ، وقَدْ جاءَتْ مِن مَعَ كَوْنِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ مُضافًا في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنا ∗∗∗ مِنّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السَّدَفِ

وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ أرادَ عِلْمٌ بِنا، فَأضافَ ناوِيًا طَرْحَ المُضافِ إلَيْهِ، فاحْتَمَلَتْ قِراءَةُ زَيْدٍ هَذا التَّوْجِيهَ الآخَرَ: أنَّهُ لَمّا أضافَ أصْغَرَ وأكْبَرَ عَلى إعْرابِهِما حالَةَ الإضافَةِ، وهَذا كُلُّهُ تَوْجِيهُ شُذُوذٍ، وناسَبَ وصْفَهُ تَعالى بِعالِمِ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَفُوتُ عِلْمُهُ شَيْءٌ مِنَ الخَفِيّاتِ، فانْدَرَجَ في ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ السّاعَةِ، وصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ كُلِّها وجُزْئِها، وكانَتْ قُدْرَتُهُ ثابِتَةً، كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ ما فَنِيَ مِن جَمِيعِ الأرْواحِ والأشْباحِ. قِيلَ: وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأرْواحِ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى عِلْمِهِ بِالأشْياءِ. وكَما أبْرَزَهُما مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوَّلًا، فَكَذَلِكَ يُعِيدُهُما ثانِيًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنى اليَمِينِ مُصَحِّحَةً لِما أنْكَرُوهُ ؟ قُلْتُ: هَذا لَوِ اقْتَصَرَ عَلى اليَمِينِ ولَمْ يُتْبِعْها بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ في العُقُولِ ورَكَّبَ في الغَرائِزِ وُجُوبَ الجَزاءِ، وأنَّ المُحْسِنَ لا بُدَّ لَهُ مِن ثَوابٍ، والمُسِيءُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِقابٍ، انْتَهى. وفي السُّؤالِ بَعْضُ اخْتِصارٍ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقِيلَ: بِالعامِلِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: إلّا مُسْتَقِرًّا في كِتابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”مُعْجِزِينَ“ مُخَفَّفًا، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والجَحْدَرِيُّ وأبُو السِّماكِ: مُثَقَّلًا وتَقَدَّمَ في الحَجِّ، أيْ: مُعَجِّزِينَ قُدْرَةَ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْناهُ مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ، مُدْخِلِينَ عَلَيْهِ العَجْزَ (p-٢٥٩)فِي نَشاطِهِ، وهَذا هو سَعْيُهم في الآياتِ أيْ: في شَأْنِ الآياتِ. وقالَ قَتادَةُ: مُسابِقِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا. وقالَ عِكْرِمَةُ: مُراغِمِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُجاهِدِينَ في إبْطالِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (ألِيمٌ) هُنا، وفي الجاثِيَةِ، بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْعَذابِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالجَرِّ صِفَةً لِلرِّجْزِ، والرِّجْزُ: العَذابُ السَّيِّئُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهي (أُولَئِكَ) . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ: ولِيَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا. واحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ المُصَدَّرَتانِ بِـ: أُولَئِكَ، هُما نَفْسَ الثَّوابِ والعِقابِ، واحْتَمَلَ أنْ تَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ، والثَّوابُ والعِقابُ ما تَضَمَّنَتا مِمّا هو أعْظَمُ، كَرِضا اللَّهِ عَنِ المُؤْمِنِ دائِمًا، وسُخْطِهِ عَلى الفاسِقِ دائِمًا. قالَ العُتْبِيُّ: والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَرى﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمَّنْ أُوتِيَ العِلْمَ، يَعْلَمُونَ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلَيْكَ هو الحَقُّ. وقِيلَ: ﴿ويَرى﴾ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَجْزِيَ﴾، وقالَهُ الطَّبَرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ أنَّهُ الحَقُّ عِلْمًا لا يُزادُ عَلَيْهِ في الِاتِّفاقِ، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا وتَوَلَّوْا. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ولِيَعْلَمَ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأخْيارِ أنَّهُ هو الحَقُّ، فَيَزْدادَ حَسْرَةً وغَمًّا. انْتَهى. وإنَّما قالَ: عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ عَلَّقَ ﴿لِيَجْزِيَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فَبَنى التَّخْرِيجَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ، مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ: ”يَرى“، وهو فَصْلٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِالرَّفْعِ جَعَلَ (هو) مُبْتَدَأً و(الحَقُّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ: ”يَرى“، وهو لُغَةُ تَمِيمٍ، يَجْعَلُونَ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً، قالَهُ أبُو عُمَرَ الجَرْمِيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ لِـ: ”يَهْدِي“ هو ضَمِيرُ ‏‏‏ ‏‏‏‏، وهو القُرْآنُ، وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ. وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ الحالِ عَلى إضْمارِ: ”وهو يَهْدِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (الحَقَّ)، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أيْ: قابِضاتٍ، كَما عُطِفَ الِاسْمُ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ:

؎فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيدُ عَدُوَّهُ ∗∗∗ وبَحْرَ عَطاءٍ يَسْتَحِفُّ المَعابِرا

عُطِفَ ”وبَحْرَ“ عَلى ”يُبِيرُ“، وقِيلَ: الفاعِلُ بِـ: (يَهْدِي) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وفِيهِ بُعْدٌ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هم قُرَيْشٌ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِهْزاءِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يُرِيدُ أنْ يُعَجِّبَهُ: هَلْ أدُلُّكَ عَلى قِصَّةٍ غَرِيبَةٍ نادِرَةٍ ؟ لَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، جَعَلُوا مَن يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِهِ في حَيِّزِ مَن يُتَعَجَّبُ مِنهُ، وأتَوْا بِاسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَكِرَةً في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ؟ وكانَ اسْمُهُ أشْهَرَ عَلَمٍ في قُرَيْشٍ، بَلْ في الدُّنْيا، وإخْبارُهُ بِالبَعْثِ أشْهَرُ خَبَرٍ؛ لِأنَّهم أخْرَجُوا ذَلِكَ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّحَلِّي بِبَعْضِ الأحاجِيِّ المَعْمُولَةِ لِلتَّلَهِّي والتَّعْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ نَكَّرُوا اسْمَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ بِالهَمْزِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مَحْضَةً. وحَكى عَنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”يُنْبِئُكم“، بِالهَمْزَةِ مِن أنْبَأ، و”إذا“ جَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُبْعَثُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وهو العامِلُ ”إذا“ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ ذَلِكَ، وقالَ أيْضًا هو والنَّحّاسُ: العامِلُ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو خَطَأٌ وإفْسادٌ لِلْمَعْنى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ ولا إفْسادٍ لِلْمَعْنى، وإذا الشَّرْطِيَّةُ مُخْتَلَفٌ في العامِلِ فِيها، وقَدْ بَيَّنّا ما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) أنَّ الصَّحِيحَ أنْ يَعْمَلَ فِيها فِعْلُ الشَّرْطِ، كَسائِرِ أدَواتِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِـ: (يُنَبِّئُكم)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى ”يَقُولُ لَكم“: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ . ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْمُولًا لِـ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ و﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ، ولَوْلا اللّامُ في خَبَرِ إنَّ لَكانَتْ مَفْتُوحَةً، فالجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ اعْتِراضٌ، وقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ التَّعْلِيقَ في بابِ: اعْلَمْ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎حَذارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ أنَّكَ لَلَّذِي ∗∗∗ سَتُجْزى بِما تَسْعى فَتَسْعَدُ أوْ تَشْقى

(p-٢٦٠)و(مُمَزَّقٍ) مَصْدَرٌ جاءَ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، عَلى القِياسِ في اسْمِ المَصْدَرِ مِن كُلِّ فِعْلٍ زائِدٍ عَلى الثَّلاثَةِ، كَقَوْلِهِ:

؎ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافِي ∗∗∗ فَلا عِيًّا بِهِنَّ ولا اجْتِلابا

أيْ: تَسْرِيحِي القَوافِيَ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكانٍ، أيْ: إذا مُزِّقْتُمْ في مَكانٍ مِنَ القُبُورِ وبُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ، وما ذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وما نَسَفَتْهُ الرِّياحُ فَطَرَحَتْهُ كُلَّ مَطْرَحٍ. انْتَهى. و(جَدِيدٍ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ بِمَعْنى فاعِلٍ، تَقُولُ: جَدَّ فَهو جادٌّ وجَدِيدٌ، وبِمَعْنى مَفْعُولٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِن جَدَّهُ إذا قَطَعَهُ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (أفْتَرى) مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْ: هو مُفْتَرٍ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فِيما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِ البَعْثِ ‏‏ ‏‏‏ جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. عادَلُوا بَيْنَ الِافْتِراءِ والجُنُونِ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ عِنْدَهم إنَّما يَصْدُرُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَعْتَقِدُ خِلافَ ما أُتِيَ بِهِ فَهو مُفْتَرٍ، وإنْ كانَ لا يَعْتَقِدُهُ فَهو مَجْنُونٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ السّامِعِ المُجِيبِ لِمَن قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ رَدَّدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ولَمْ يَجْزِمْ بِأحَدِهِما، حَيْثُ جَوَّزَ هَذا وجَوَّزَ هَذا، ولَمْ يَجْزِمْ بِأنَّهُ افْتِراءٌ مَحْضٌ؛ احْتِرازًا مِن أنْ يَنْسُبَ الكَذِبَ لِعاقِلٍ نِسْبَةً قَطْعِيَّةً، إذِ العاقِلُ حَتّى الكافِرِ لا يَرْضى بِالكَذِبِ، لا مِن نَفْسِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، وأضْرَبَ تَعالى عَنْ مَقالَتِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ لِلرَّسُولِ كَما نَسَبْتُمُ البَتَّةَ، بَلْ أنْتُمْ في عَذابِ النّارِ، أوْ في عَذابِ الدُّنْيا بِما تُكابِدُونَهُ مِن إبْطالِ الشَّرْعِ وهو بِحَقٍّ، وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وهو مُتِمٌّ.

ولَمّا كانَ الكَلامُ في البَعْثِ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَرَتَّبَ العَذابَ عَلى إنْكارِ البَعْثِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في وصْفِ الضَّلالِ بِالبُعْدِ، وهو مِن أوْصافِ المَحالِّ، اسْتُعِيرَ لِلْمَعْنى، ومَعْنى بَعْدَهُ: أنَّهُ لا يَنْقَضِي خَبَرُهُ المُتَلَبَّسُ بِهِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حَيْثُ ما تَصَرَّفُوا، فالسَّماءُ والأرْضُ قَدْ أحاطَتا بِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْفُذُوا مِن أقْطارِهِما، ولا يَخْرُجُوا عَنْ مَلَكُوتِ اللَّهِ فِيهِما. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُعْمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا، جَعَلَ بَيْنَ الفاءِ والهَمْزَةِ فِعْلًا يَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ مِن أنَّهُ لا مَحْذُوفَ بَيْنَهُما، وأنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ عَلى ما قَبْلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ ”فَألَمْ“، لَكِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَ لَها الصَّدْرُ قُدِّمَتْ، وقَدْ رَجَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ هَذا المَذْهَبَ فِيما كَتَبْناهُ في (شَرْحِ التَّسْهِيلِ) . وقَّفَهم تَعالى عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وحَذَّرَهم إحاطَتَها بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإهْلاكِ لَهم، وكانَ ثَمَّ حالٌ مَحْذُوفَةٌ، أيْ: أفَلا يَرَوْنَ إلى ما يُحِيطُ بِهِمْ مِن سَماءٍ وأرْضٍ مَقْهُورٍ تَحْتَ قُدْرَتِنا نَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما نُرِيدُ ؟ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كَما فَعَلْنا بِأصْحابِ الظُّلَّةِ، أوْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُحِيطًا بِهِمْ، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِنا ؟ ‏‏ ‏ ‏‏‏ النَّظَرِ إلى السَّماءِ والأرْضِ، والفِكْرِ فِيهِما، وما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (لَآيَةً) لَعَلامَةً ودَلالَةً ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ راجِعٍ إلى رَبِّهِ، مُطِيعٍ لَهُ. قالَ مُجاهِدٌ: مُخْبِتٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: مُسْتَقِيمٍ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: مُخْلِصٍ في التَّوْحِيدِ. وقالَ قَتادَةُ: مُقْبِلٍ إلى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِهِ مَن يَكْفُرُ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ ونُسْقِطْ“ بِالنُّونِ في الثَّلاثَةِ؛ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وابْنُ مُطَرِّفٍ: بِالياءِ فِيهِنَّ؛ وأدْغَمَ الكِسائِيُّ الفاءَ في الباءِ في ”نَخْسِفْ بِهِمْ“ . قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ، فَلا تُدْغَمُ فِيها، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ، نَحْوُ: ضَرَبَ فُلانًا، وهَذا ما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ، كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ، كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بِكَ؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ.

(p-٢٦١)وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ الكِسائِيُّ نَخْسِفْ بِهِمْ بِالإدْغامِ، ولَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ. انْتَهى. والقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ويُوجَدُ فِيها الفَصِيحُ والأفْصَحُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَيْسِيرِهِ تَعالى القُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَلا التِفاتَ لِقَوْلِ أبِي عَلِيٍّ ولا الزَّمَخْشَرِيِّ.

The same ayah, in another commentary

Sabaʾ 34:2