All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Ṣād 38:11 Juzʾ 23 Page 453

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

Read in the muṣḥaf

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ المَقْدَّرَةِ في "أمْ" الأُولى، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمْ لَهم هَذا المُلْكُ فَتَكُونَ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ عَلى اخْتِيارِهِمْ ونَظَرِهِمْ، ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ: إلى السَماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. و"الأسْبابُ" كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأشْياءِ، وهي هُنا بِمَعْنى الحِبالِ والسَلالِمِ. وقالَ قَتادَةُ: أرادَ أبْوابَ السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الإشارَةِ بِـ"هُنالِكَ" إلى ما هِيَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ إلى الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ إنْ رامُوا ذَلِكَ جُنْدٌ مَهْزُومٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

وهَذا قَوِيٌّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى حِمايَةِ الأصْنامِ وعَضُدِها، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ في هَذِهِ السَبِيلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ غَيْبًا أعْلَمَ اللهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ أنَّ جُنْدَ المُشْرِكِينَ يُهْزَمُونَ، فَخَرَجَ في بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى مَن حَضَرَ عامَ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ: مِن جُمْلَةِ أحْزابِ الأُمَمِ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا في الباطِلِ وكَذَّبُوا الرُسُلَ فَأخَذَهُمُ اللهُ تَعالى.

(p-٣٢٨)وَ"ما"، في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيها تَخْصِيصٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي الأوتادِ﴾ [الفجر: ١٠]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أوتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ يَقْتُلُ الناسَ بِالأوتادِ يَشُدُّهم في الأرْضِ بِها، وقالَ الضَحّاكُ: أرادَ المَبانِيَ العِظامَ الثابِتَةَ. وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ، كَما يُقالُ لِلْجِبالِ أوتادٌ لِثُبُوتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ: "ذُو الأوتادِ" عِبارَةٌ عن كَثْرَةِ أخْبِيَتِهِ وعِظَمِ عَساكِرِهِ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُهُمْ: "أهْلُ العَمُودِ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَيْكَةِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الأيْكَةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هُمُ الأحْزابُ، وضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ حَقٌّ عَلى جَمِيعِهِمْ، أيْ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ كُلٌّ لَمّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّ فِيها: "إنْ كُلُّهم إلّا كَذَّبَ".

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

The people of Noah denied before them, and [the tribe of] 'Aad and Pharaoh, the owner of stakes,

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ المَقْدَّرَةِ في "أمْ" الأُولى، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمْ لَهم هَذا المُلْكُ فَتَكُونَ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ عَلى اخْتِيارِهِمْ ونَظَرِهِمْ، ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ: إلى السَماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. و"الأسْبابُ" كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأشْياءِ، وهي هُنا بِمَعْنى الحِبالِ والسَلالِمِ. وقالَ قَتادَةُ: أرادَ أبْوابَ السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الإشارَةِ بِـ"هُنالِكَ" إلى ما هِيَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ إلى الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ إنْ رامُوا ذَلِكَ جُنْدٌ مَهْزُومٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

وهَذا قَوِيٌّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى حِمايَةِ الأصْنامِ وعَضُدِها، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ في هَذِهِ السَبِيلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ غَيْبًا أعْلَمَ اللهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ أنَّ جُنْدَ المُشْرِكِينَ يُهْزَمُونَ، فَخَرَجَ في بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى مَن حَضَرَ عامَ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ: مِن جُمْلَةِ أحْزابِ الأُمَمِ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا في الباطِلِ وكَذَّبُوا الرُسُلَ فَأخَذَهُمُ اللهُ تَعالى.

(p-٣٢٨)وَ"ما"، في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيها تَخْصِيصٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي الأوتادِ﴾ [الفجر: ١٠]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أوتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ يَقْتُلُ الناسَ بِالأوتادِ يَشُدُّهم في الأرْضِ بِها، وقالَ الضَحّاكُ: أرادَ المَبانِيَ العِظامَ الثابِتَةَ. وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ، كَما يُقالُ لِلْجِبالِ أوتادٌ لِثُبُوتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ: "ذُو الأوتادِ" عِبارَةٌ عن كَثْرَةِ أخْبِيَتِهِ وعِظَمِ عَساكِرِهِ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُهُمْ: "أهْلُ العَمُودِ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَيْكَةِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الأيْكَةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هُمُ الأحْزابُ، وضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ حَقٌّ عَلى جَمِيعِهِمْ، أيْ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ كُلٌّ لَمّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّ فِيها: "إنْ كُلُّهم إلّا كَذَّبَ".

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [the tribe of] Thamud and the people of Lot and the companions of the thicket. Those are the companies.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ المَقْدَّرَةِ في "أمْ" الأُولى، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمْ لَهم هَذا المُلْكُ فَتَكُونَ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ عَلى اخْتِيارِهِمْ ونَظَرِهِمْ، ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ: إلى السَماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. و"الأسْبابُ" كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأشْياءِ، وهي هُنا بِمَعْنى الحِبالِ والسَلالِمِ. وقالَ قَتادَةُ: أرادَ أبْوابَ السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الإشارَةِ بِـ"هُنالِكَ" إلى ما هِيَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ إلى الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ إنْ رامُوا ذَلِكَ جُنْدٌ مَهْزُومٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

وهَذا قَوِيٌّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى حِمايَةِ الأصْنامِ وعَضُدِها، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ في هَذِهِ السَبِيلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ غَيْبًا أعْلَمَ اللهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ أنَّ جُنْدَ المُشْرِكِينَ يُهْزَمُونَ، فَخَرَجَ في بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى مَن حَضَرَ عامَ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ: مِن جُمْلَةِ أحْزابِ الأُمَمِ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا في الباطِلِ وكَذَّبُوا الرُسُلَ فَأخَذَهُمُ اللهُ تَعالى.

(p-٣٢٨)وَ"ما"، في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيها تَخْصِيصٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي الأوتادِ﴾ [الفجر: ١٠]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أوتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ يَقْتُلُ الناسَ بِالأوتادِ يَشُدُّهم في الأرْضِ بِها، وقالَ الضَحّاكُ: أرادَ المَبانِيَ العِظامَ الثابِتَةَ. وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ، كَما يُقالُ لِلْجِبالِ أوتادٌ لِثُبُوتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ: "ذُو الأوتادِ" عِبارَةٌ عن كَثْرَةِ أخْبِيَتِهِ وعِظَمِ عَساكِرِهِ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُهُمْ: "أهْلُ العَمُودِ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَيْكَةِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الأيْكَةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هُمُ الأحْزابُ، وضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ حَقٌّ عَلى جَمِيعِهِمْ، أيْ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ كُلٌّ لَمّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّ فِيها: "إنْ كُلُّهم إلّا كَذَّبَ".

‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ المَقْدَّرَةِ في "أمْ" الأُولى، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمْ لَهم هَذا المُلْكُ فَتَكُونَ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ عَلى اخْتِيارِهِمْ ونَظَرِهِمْ، ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ: إلى السَماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. و"الأسْبابُ" كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأشْياءِ، وهي هُنا بِمَعْنى الحِبالِ والسَلالِمِ. وقالَ قَتادَةُ: أرادَ أبْوابَ السَماءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الإشارَةِ بِـ"هُنالِكَ" إلى ما هِيَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ إلى الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ إنْ رامُوا ذَلِكَ جُنْدٌ مَهْزُومٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

وهَذا قَوِيٌّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى حِمايَةِ الأصْنامِ وعَضُدِها، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ في هَذِهِ السَبِيلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ غَيْبًا أعْلَمَ اللهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ أنَّ جُنْدَ المُشْرِكِينَ يُهْزَمُونَ، فَخَرَجَ في بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى مَن حَضَرَ عامَ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ: مِن جُمْلَةِ أحْزابِ الأُمَمِ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا في الباطِلِ وكَذَّبُوا الرُسُلَ فَأخَذَهُمُ اللهُ تَعالى.

(p-٣٢٨)وَ"ما"، في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيها تَخْصِيصٌ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي الأوتادِ﴾ [الفجر: ١٠]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أوتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ يَقْتُلُ الناسَ بِالأوتادِ يَشُدُّهم في الأرْضِ بِها، وقالَ الضَحّاكُ: أرادَ المَبانِيَ العِظامَ الثابِتَةَ. وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ، كَما يُقالُ لِلْجِبالِ أوتادٌ لِثُبُوتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ: "ذُو الأوتادِ" عِبارَةٌ عن كَثْرَةِ أخْبِيَتِهِ وعِظَمِ عَساكِرِهِ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُهُمْ: "أهْلُ العَمُودِ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَيْكَةِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الأيْكَةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هُمُ الأحْزابُ، وضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ حَقٌّ عَلى جَمِيعِهِمْ، أيْ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ كُلٌّ لَمّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّ فِيها: "إنْ كُلُّهم إلّا كَذَّبَ".

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

‏‏‏‏ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُ، وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ، صَدَّقَهُ الوُجُودُ، فالصَيْحَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عِبارَةٌ عن جَمِيعِ ما نابَهم مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَلَبَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: صاحَ فِيهِمُ الدَهْرُ، وقالَ قَتادَةُ: تَوَعَّدَهم بِصَيْحَةِ القِيامَةِ والنَفْخِ في الصُورِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ مَرْفُوعًا إلى النَبِيِّ ﷺ. وقالَتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهم تَعالى (p-٣٢٩)بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِها في الدُنْيا، وعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ فَمَعْنى الكَلامِ أنَّهم بِمَدْرَجِ عُقُوبَةٍ، وتَحْتَ أمْرٍ خَطِيرٍ، ما يَنْتَظِرُونَ فِيهِ إلّا الهَلَكَةَ، ولَيْسَ مَعْناهُ التَوَعُّدُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَظِرُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فِيهِ كالتَأْوِيلِ الأوَّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏‏‏‏ بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فُواقٍ" بِضَمِّ الفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ما لَها مِنَ انْقِطاعٍ وعَوْدَةٍ، بَلْ هي مُتَّصِلَةٌ حَتّى مَهْلِكَهُمْ، ومِنهُ: "فَواقُ الحَلْبَةِ": المُهْلَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَخْبَتَيْنِ، وجَعَلُوهُ مِثْلَ قَصاصِ الشِعْرِ وقُصاصِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن رابَطَ فَوْقَ ناقَةٍ حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلى النارِ".» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ومُؤَرِّجٌ، والفَرّاءُ: المَعْنى مُخْتَلِفٌ، الضَمُّ كَما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى فَواقٍ، والفَتْحُ بِمَعْنى الإفاقَةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الصَيْحَةِ إفاقَةٌ ولا اسْتِراحَةٌ، فَفَواقٌ مِثْلَ جَوابٌ، مِن أجابَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ عنهم أنَّهم قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏، والقِطُّ: الحَظُّ والنَصِيبُ، والقِطُّ أيْضًا: الصَكُّ والكِتابُ مِنَ السُلْطانِ بِصِلَةٍ ونَحْوُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتَهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ

(p-٣٣٠)وَهُوَ مِن، قَطَطْتُ، أيْ: قَطَعْتُ. واخْتَلَفَ الناسُ في "القِطِّ" هُنا، ما أرادُوا بِهِ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادُوا بِهِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الخَيْرِ والنَعِيمِ في دُنْيانا، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ: أرادُوا: عَجِّلْ لَنا صُحُفَنا بِأيْمانِنا، وذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا في القُرْآنِ أنَّ الصُحُفَ تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ قالُوا ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أرادُوا ضِدَّ هَذا مِنَ العَذابِ ونَحْوِهُ، فَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٢]. وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: أرِنا مَنازِلَنا في الجَنَّةِ حَتّى نُتابِعَكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ، فَكَلامُهم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عُلِمَ مِن كُفْرِهِمْ واسْتَمَرَّ، ولَفْظُ الآيَةِ يُعْطِي إقْرارًا بِيَوْمِ الحِسابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ: مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها الِاسْتِخْفافَ، ولا تَلْتَفِتْ إلَيْها، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ في الدِينِ والصَدْعِ بِهِ، فَتَأسَّ بِهِ وتَأيَّدْ كَما تَأيَّدَ، و"الأيْدِ": القُوَّةُ، وهي في داوُدَ مُتَضَمِّنَةٌ قُوَّةَ البَدَنِ وقُوَّتَهَ عَلى الطاعَةِ. و"الأوّابُ": الرَجّاعُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، وفَسَّرَهُ السُدِّيُّ بِالمُسَبِّحِ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "الزُرْقَةُ يُمْنٌ"،» وكانَ داوُدُ أزْرَقَ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَمّا وهَبَ لِداوُدَ مِنَ الكَرامَةِ في أنْ سَخَّرَ الجِبالَ مَعَهُ تُسَبِّحُ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ الجِبالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي الجِبالُ الَّتِي كانَ فِيها وعِنْدَها، وتَسْبِيحُ الجِبالِ هُنا حَقِيقَةٌ. و"الإشْراقُ": وقْتُ ضِياءِ الشَمْسِ وارْتِفاعِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ"، أيِ: ادْخُلْ في الشُرُوقِ. وُفي (p-٣٣١)هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ كانَتْ صَلاةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَلاةُ الضُحى عِنْدَنا هي صَلاةُ الإشْراقِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "والطَيْرَ"﴾ عَطْفٌ عَلى "الجِبالَ"، أيْ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ، و"مَحْشُورَةً" نَصْبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: مَجْمُوعَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [والطَيْرُ مَحْشُورَةٌ] بِالرَفْعِ فِيهِما، والضَمِيرُ في "لَهُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، فـَ "كُلٌّ" عَلى هَذا يُرادُ بِهِ:داوُدُ، والجِبالُ، والطَيْرُ. وقالَتْ فِرَقٌ: هو عائِدٌ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"كُلٌّ": الجِبالُ والطَيْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عِبارَةٌ عامَّةٌ لِجَمِيعِ ما وهَبَهُ اللهُ تَعالى مِن قُوَّةٍ وخَيْرٍ ونِعْمَةٍ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ أشْياءَ دُونَ أشْياءَ، فَقالَ السُدِّيُّ ؛ بِالجُنُودِ، وقالَ آخَرُونَ: بِهَيْبَةٍ جَعَلَها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَشَدَدْنا"﴾ بِتَخْفِيفِ الدالِّ الأُولى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: (شَدَّدْنا) بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ. و﴿الحِكْمَةَ﴾: الفَهْمُ في الدِينِ وجَوْدَةُ النَظَرِ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِـ (الحِكْمَةِ) النُبُوَّةَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الحِكْمَةُ؛ العِلْمُ الَّذِي لا تَرُدُّهُ العُقُولُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ:

هِيَ عَقائِدُ البُرْهانِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "فَصْلِ الخِطابِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هو فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ وإصابَتُهُ وفَهْمُهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، (p-٣٣٢)وَشُرَيْحٌ، والشَعْبِيُّ: هو إيجابُ اليَمِينِ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، والبَيِّنَةِ عَلى المُدَّعِي، وقالَ زِيادٌ، والشَعْبِيُّ أيْضًا: أرادَ قَوْلَ: "أمّا بَعْدُ"، فَإنَّهُ أوَّلُ مَن قالَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

والَّذِي يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى آتاهُ أنَّهُ كانَ إذا خاطَبَ في نازِلَةٍ فَصَّلَ المَعْنى وأوضَحَهُ، وبَيَّنَهُ، لا يَأْخُذُهُ في ذَلِكَ حَصَرٌ ولا ضَعْفٌ، وهَذِهِ صِفَةٌ قَلِيلٌ مَن يُدْرِكُها، فَكانَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَلامُ فَصْلًا، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في صِفَةِ القُرْآنَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]، ويَزِيدُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى هَذِهِ الدَرَجَةِ بِالإيجازِ في العِبارَةِ، وجَمْعِ المَعانِي الكَثِيرَةِ في اللَفْظِ اليَسِيرِ، وهَذا هو الَّذِي تَخَصَّصَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِهِ في قَوْلِهِ: « "وَأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ"،» فَإنَّها في الخِلالِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ، وذِكْرُ "جَوامِعِ الكَلِمِ" مَعْدُودٌ ومُسَلَّمٌ لَهُ ﷺ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Ṣād 38:11