All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds strongest and why.

An-Nisāʾ 4:22 Juzʾ 4 Page 81

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

Read in the muṣḥaf

قوله عزّ وجلّ:

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏.

هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ في مُدَّةِ نُزُولِ الآيَةِ، ومَعْنى الآيَةِ والتَحْرِيمِ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقِرٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ أجْمَعُ. وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنهم قَبائِلُ قَدِ اعْتادَتْ أنْ يَخْلُفَ الرَجُلُ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ومِن ذَلِكَ خَبَرُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، ومِن ذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتِ امْرَأةَ أبِيهِ قُتِلَ عنها، ومِن ذَلِكَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانَ، خَلَفَ عَلى مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، وكانَتْ عِنْدَ أبِيهِ زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا. وقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، وهو حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ، (p-٥٠٦)تَمَجَّسَ وفَعَلَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ المَثالِبِ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِن هَذِهِ السِيَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ، إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ فَقالَ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ النِساءُ، أيْ: لا تَنْكِحُوا النِساءَ اللَواتِي نَكَحَ آباؤُكُمْ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَن كانَ واقَعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: "وَلا تَفْعَلُوا حاشا ما قَدْ سَلَفَ"، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هَؤُلاءِ النِساءُ صِنْفٌ مِن أصْنافِ مَن يَعْقِلُ، و"ما" تَقَعُ لِلْأصْنافِ والأوصافِ مِمَّنْ يَعْقِلُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ فِعْلُ الآباءِ، أيْ: لا تَنْكِحُوا كَما نَكَحَ آباؤُكم مِن عُقُودِهِمُ الفاسِدَةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ: إلّا ما تَقَدَّمَ مِنكم ووَقَعَ مِن تِلْكَ العُقُودِ الفاسِدَةِ فَمُباحٌ لَكُمُ الإقامَةُ عَلَيْهِ في الإسْلامِ، إذا كانَ مِمّا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ القَرابَةِ، ويُجَوِّزُهُ الشَرْعُ إنْ لَوِ ابْتُدِئَ نِكاحُهُ في الإسْلامِ عَلى سُنَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: فَهو مَعْفُوٌّ عنكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

و"ما" عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إلّا ما قَدْ سَلَفَ إلّا مَن تابَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكَذَلِكَ حَكاهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: النَهْيُ عن أنْ يَطَأ الرَجُلُ امْرَأةً وطِئَها الآباءُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِنى، لا عَلى وجْهِ المُناكَحَةِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ الزِنى كانَ فاحِشَةً، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَزادَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقْتَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ أوِ ابْنُكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ. و"كانَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الماضِيَ (p-٥٠٧)والمُسْتَقْبَلَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي زائِدَةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الخَبَرِ مَنصُوبًا؛ والمَقْتُ: البُغْضُ والِاحْتِقارُ بِسَبَبِ رَذِيلَةٍ يَفْعَلُها، فَسَمّى تَعالى هَذا النِكاحَ مَقْتًا إذْ هو ذُو مَقْتٍ يَلْحَقُ فاعِلَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الوَلَدَ الَّذِي يَجِيءُ مِن زَوْجِ الوالِدِ المَقْتِيَّ، وقَوْلُهُ: "وَساءَ سَبِيلًا" أيْ: بِئْسَ الطَرِيقُ والمَنهَجُ لِمَن يَسْلُكُهُ، إذْ عاقِبَتُهُ إلى عَذابِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ".... الآيَةُ، حُكْمٌ حَرَّمَ اللهُ بِهِ سَبْعًا مِنَ النَسَبِ، وسِتًّا مِن بَيْنِ رَضاعٍ وصِهْرٍ، وألْحَقَتِ السُنَّةُ المَأْثُورَةُ سابِعَةً، وذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، ومَضى عَلَيْهِ الإجْماعُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمَ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ مَوْلى الأنْصارِ: مِثْلَ ذَلِكَ، وجَعَلَ السابِعَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٢٤]. وتَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ عامٌّ في كُلِّ حالٍ لا يَتَخَصَّصُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ويُسَمِّيهِ أهْلُ العِلْمِ "المُبْهَمَ" أيْ لا بابَ فِيهِ، ولا طَرِيقَ إلَيْهِ لِانْسِدادِ التَحْرِيمِ وقُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ البَناتِ والأخَواتِ، فالأُمُّ كُلُّ مَن ولَدَتِ المَرْءَ وإنْ عَلَتْ، والبِنْتُ كُلُّ مَن ولَدَها وإنْ سَفَلَتْ، أمّا الأُخْتُ لِأبَوَيْنِ أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ فَهي الَّتِي قَدْ جَمَعَهُ وإيّاها صُلْبٌ أو بَطْنٌ، والعَمَّةُ أُخْتُ الأبِ، والخالَةُ أُخْتُ الأُمِّ، كَذَلِكَ فِيهِما العُمُومُ والإبْهامُ، وكَذَلِكَ عَمَّةُ الأبِ وخالَتُهُ، وعَمَّةُ الأُمِّ وخالَتُها، وكَذَلِكَ عَمَّةُ العَمَّةِ، وأمّا خالَةُ العَمَّةِ فَيَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ أُخْتَ أبٍ لِأُمٍّ أو لِأبٍ وأُمٍّ فَلا تَحِلُّ خالَةُ العَمَّةِ، لِأنَّها أُخْتُ الجَدَّةِ، وإنْ كانَتِ العَمَّةُ إنَّما هي أُخْتُ أبٍ لِأبٍ فَقَطْ فَخالَتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أخِيها، تَحِلُّ لِلرِّجالِ، ويُجْمَعُ بَيْنَها وبَيْنَ النِساءِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّةُ الخالَةِ يَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأبٍ، فَعَمَّتُها حَرامٌ، لِأنَّها أُخْتُ جَدٍّ، وإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأُمٍّ فَقَطْ فَعَمَّتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أُخْتِها، وكَذَلِكَ في بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ العُمُومُ والإبْهامُ، سَواءٌ كانَتِ الأُخُوَّةُ أشِقّاءَ، أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مِنَ الرِضاعَةِ" بِكَسْرِ الراءِ. والرَضاعُ يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ النَسَبُ، والمُرْضِعَةُ أُمٌّ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِها وتَأخَّرَ إخْوَةٌ، وفَحْلُ اللَبَنِ أبٌ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِهِ وتَأخَّرَ إخْوَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اللايِ" بِكَسْرِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "وَأُمَّهاتُكُمُ الَّتِي" بِالإفْرادِ، كَأنَّهُ مِن جِهَةِ الإبْهامِ يَقَعُ مَعَ الواحِدِ والجَماعَةِ.

(p-٥٠٨)واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏: فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هي تامَّةُ العُمُومِ فِيمَن دَخَلَ بِها أو لَمْ يَدْخُلْ، فَبِالعَقْدِ عَلى الِابْنَةِ حُرِّمَتِ الأُمُّ، وهَذا مَذْهَبُ جُمْلَةِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أيَتَزَوَّجُ أُمَّها؟ قالَ: نَعَمْ، هي بِمَنزِلَةِ الرَبِيبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ شَرْطٌ في هَذِهِ وفي الرَبِيبَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ كَقَوْلِ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها، وإنْ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَإنْ شاءَ فَعَلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: الدُخُولُ مُرادٌ في النازِلَتَيْنِ، وقَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ مُخالِفٌ لِهَذا القَوْلِ. ورُوِيَ في ذَلِكَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: ( أُمَّهاتُ نِسائِكم ) مُبْهَمَةٌ، وإنَّما الشَرْطُ في الرَبائِبِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: "وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ" ؟ فَقالَ: لا تَتَرَأَّ، قالَ حَجّاجٌ: قُلْتُ لِابْنِ جُرَيْجٍ: ما تَتَرَأَّ؟ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: لا لا. ويَرُدُّ هَذا القَوْلَ مِن جِهَةِ الإعْرابِ أنَّ المَجْرُورَيْنِ إذا اخْتَلَفا لَمْ يَكُنْ نَعْتُهُما واحِدًا، ومَعْناهُ: إذا اخْتَلَفا في العامِلِ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيها جِنْسُ العامِلِ.

قوله عزّ وجلّ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏.

الرَبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُرَبِّيها في حِجْرِهِ فَهي مَرْبُوبَتُهُ. ورَبِيبَةٌ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ذَكَرَ الأغْلَبَ في هَذِهِ الأُمُورِ، إذْ هي حالَةُ الرَبِيبَةِ في الأكْثَرِ، وهي مُحَرَّمَةٌ وإنْ كانَتْ في غَيْرِ الحِجْرِ، لِأنَّها في حُكْمِ أنَّها في الحِجْرِ، إلّا ما رُوِيَ عن عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: تَحِلُّ إذا لَمْ تَكُنْ في الحِجْرِ وإنْ دَخَلَ بِالأُمِّ، إذا كانَتْ بَعِيدَةً عنهُ، ويُقالُ: حَجْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وهو مُقَدَّمُ ثَوْبِ الإنْسانِ وما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنهُ في حالَةِ اللُبْسِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ في (p-٥٠٩)الحِفْظِ والسَتْرِ، لِأنَّ اللابِسَ إنَّما تَحْفَظُ طِفْلًا وما أشْبَهَهُ بِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الثَوْبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسُ وابْنُ دِينارٍ: الدُخُولُ في هَذا المَوْضِعِ: الجِماعُ، فَإنْ طَلَّقَ الرَجُلُ بَعْدَ البِناءِ وقَبْلَ الوَطْءِ فَإنَّ ابْنَتَها لَهُ حَلالٌ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُمْ: إنَّ التَجْرِيدَ والتَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ وجَمِيعَ أنْواعِ التَلَذُّذِ يُحَرِّمُ الِابْنَةَ كَما يُحَرِّمُها الوَطْءُ؛ والحَلائِلُ: جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وهي الزَوْجَةُ، لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ الرَجُلِ حَيْثُ حَلَّ، فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ. وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّها مِن لَفْظَةِ الحَلالِ، فَهي حَلِيلَةٌ بِمَعْنى مُحَلَّلَةٌ. وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَخْصِيصٌ لِيَخْرُجَ عنهُ كُلُّ مَن كانَتِ العَرَبُ تَتَبَنّاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلصُّلْبِ، وكانَ عِنْدَهم أمْرًا كَثِيرًا قَوِيَّ الحُكْمِ.

قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُتَحَدَّثُ واللهُ أعْلَمُ أنَّها نَزَلَتْ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وحُرِّمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنَ الرَضاعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلصُّلْبِ؛ بِالإجْماعِ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِهِ ﷺ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لَفْظٌ يَعُمُّ الجَمْعَ بِنِكاحٍ وبِمِلْكِ يَمِينٍ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى مَنعِ جَمْعِهِما بِنِكاحٍ، وأمّا بِمِلْكِ يَمِينٍ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ. فَأمّا أنا في خاصَّةِ نَفْسِي فَلا أرى الجَمْعَ بَيْنَهُما حَسَنًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وذَكَرَ أنَّ إسْحاقَ بْنَ راهَوَيْهِ حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وأنَّ جُمْهُورَ أهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا ذَلِكَ، وجَعَلَ مالِكًا فِيمَن كَرِهَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا خِلافَ في جَوازِ جَمْعِهِما في المِلْكِ، وكَذَلِكَ الأُمُّ وبِنْتُها، ويَجِيءُ مِن قَوْلِ إسْحاقَ أنْ يُرْجَمَ الجامِعُ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وتُسْتَقْرَأُ الكَراهِيَةُ مِن قَوْلِ مالِكٍ: إنَّهُ إذا وطِئَ واحِدَةً ثُمَّ وطِئَ أُخْرى؛ وقَفَ عنهُما حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما، فَلَمْ يُلْزِمْهُ حَدًّا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ بَعْدَ القَوْلِ بِالمَنعِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، إذا كانَ يَطَأُ واحِدَةً ثُمَّ (p-٥١٠)أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى؛ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ والأوزاعِيُّ والشافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ لَهُ وطْءُ الثانِيَةِ حَتّى يُحَرِّمَ فَرْجَ الأُخْرى بِإخْراجِها مِن مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ أو بِأنْ يُزَوِّجَها. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيها قَوْلٌ ثانٍ لِقَتادَةَ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ يَطَأُ واحِدَةً وأرادَ وطْءَ الأُخْرى فَإنَّهُ يَنْوِي تَحْرِيمَ الأُولى عَلى نَفْسِهِ وألّا يَقْرَبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ عنها حَتّى يَسْتَبْرِئَ الأُولى المُحَرَّمَةَ، ثُمَّ يَغْشى الثانِيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذا كانَ أُخْتانِ عِنْدَ رَجُلٍ يَمْلِكُ، فَلَهُ أنْ يَطَأ أيَّتَهُما شاءَ، والكَفُّ عَنِ الأُخْرى مَوْكُولٌ إلى أمانَتِهِ، فَإنْ أرادَ وطْءَ الأُخْرى فَيَلْزَمُهُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَرْجَ الأُولى بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، مِن إخْراجٍ عَنِ المِلْكِ أو تَزْوِيجٍ أو عِتْقٍ إلى أجَلٍ أو إخْدامٍ طَوِيلٍ، فَإنْ كانَ يَطَأُ إحْداهُما ثُمَّ وثَبَ عَلى الأُخْرى دُونَ أنْ يُحَرِّمَ الأُولى وُقِفَ عنهُما ولَمْ يَجُزْ لَهُ قُرْبُ إحْداهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأُخْرى، ولَمْ يُبْقَ ذَلِكَ إلى أمانَتِهِ، لِأنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَن قَدْ وطِئَ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ مُتَّهَمًا إذْ كانَ لَمْ يَطَأْ إلّا الواحِدَةَ. وإنْ كانَتْ عِنْدَ رَجُلِ أمَةٌ يَطَؤُها ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَها، فَفِيها في المَذْهَبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: في النِكاحِ الثالِثِ مِنَ المُدَوَّنَةِ أنَّهُ يُوقَفُ عنهُما إذا وقَعَ عَقْدُ النِكاحِ حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما مَعَ كَراهِيَتِهِ لِهَذا النِكاحِ، إذْ هو عَقْدٌ في مَوْضِعٍ لا يَجُوزُ فِيهِ الوَطْءُ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ إلّا في الحَيْضِ، لِأنَّهُ أمْرٌ غالِبٌ كَثِيرٌ، وفي البابِ بِعَيْنِهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ النِكاحَ لا يَنْعَقِدُ. وقالَ أشْهَبُ في كِتابِ الِاسْتِبْراءِ: عَقْدُ النِكاحِ في الواحِدَةِ تَحْرِيمٌ لِفَرْجِ المَمْلُوكَةِ؛ وثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها،» وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ذَلِكَ؛ وقَدْ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ناسِخٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: ٢٤] وذَلِكَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَواتِرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ ناسِخٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ مِن ذَلِكَ ووَقَعَ وأزالَهُ الإسْلامُ فَإنَّ اللهَ يَغْفِرُهُ، والإسْلامَ يَجُبُّهُ.

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:22