All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Al-Anʿām 6:122 Juzʾ 8 Page 143

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ السالِفَةِ ذِكْرُ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِتَرْكِ ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذِكْرُ قَوْمٍ كافِرِينَ يَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَمَثَّلَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الطائِفَتَيْنِ؛ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِأمْواتٍ أُحْيُوا؛ هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ وشَبَّهَ الكافِرِينَ وحَيْرَةَ جَهْلِهِمْ بِقَوْمٍ في ظُلُماتٍ يَتَرَدَّدُونَ فِيها ولا يُمْكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنها؛ لِيُبَيِّنَ - عَزَّ وجَلَّ - الفارِقَ بَيْنَ الطائِفَتَيْنِ؛ والبَوْنَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَمَن"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ فَهي ألِفُ اسْتِفْهامٍ؛ دَخَلَتْ عَلى واوِ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"مَن"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أفَمَن"؛ بِالفاءِ؛ والمَعْنى قَرِيبٌ مِن مَعْنى الواوِ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأحْيَيْناهُ"؛﴾ عاطِفَةٌ؛ و﴿ "نُورًا"؛﴾ أمْكَنُ ما يُعْنى بِهِ: اَلْإيمانُ؛ و﴿ "يَمْشِي بِهِ"؛﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ التَصَرُّفِ في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ النُورُ الَّذِي يُؤْتاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و﴿ "فِي الناسِ"؛﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمْشِي"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "كانَ مَيْتًا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى (p-٤٥٣)﴿ "كَمَن مَثَلُهُ"؛﴾ بِمَنزِلَةِ: "كَمَن هُوَ"؛ والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ﴾ ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَما أحْيَيْنا المُؤْمِنِينَ وجَعَلْنا لَهم نُورًا؛ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "كَمَن مَثَلُهُ"؛ أيْ: "كَهَذِهِ الحالِ هو التَزْيِينُ".

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مَيِّتًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مَيْتًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّخْفِيفُ كالتَشْدِيدِ؛ والياءُ المَحْذُوفَةُ هي الثانِيَةُ المُنْقَلِبَةُ عن واوٍ؛ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ؛ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي مُثِّلَ بِها؛ وإنْ كانَتْ تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَإنَّما نَزَلَتْ في مَخْصُوصِينَ؛ فَقالَ الضَحّاكُ: اَلْمُؤْمِنُ الَّذِي كانَ مَيْتًا فَأُحْيِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ الزَجّاجُ: جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الَّذِي في الظُلُماتِ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ؛ وإلى حالِهِ وحالِ أمْثالِهِ هي الإشارَةُ؛ والتَشْبِيهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إنْذارًا بِفَسادِ حالِ الكَفَرَةِ؛ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ مَن تَقَدَّمَهم مِن نَظائِرِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَعْنِي أنَّ التَمْثِيلَ لَهُمْ؛ و"جَعَلْنا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "صَيَّرْنا"؛ فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ: ﴿ "مُجْرِمِيها"؛﴾ والثانِي: "أكابِرَ"؛ وفي الكَلامِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ"؛ وقَدَّمَ الأهَمَّ؛ إذْ لِعِلَّةِ كِبَرِهِمْ أجْرَمُوا؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ: "أكابِرَ"؛ و"مُجْرِمِيها"؛ مُضافًا؛ والمَفْعُولُ الثانِي قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ‏ ‏ ‏‏‏‏ ؛ و"لِيَمْكُرُوا"؛ نُصِبَ بِلامِ الصَيْرُورَةِ.

والأكابِرُ جَمْعُ "أكْبَرُ"؛ كَما "اَلْأفاضِلُ"؛ جَمْعُ "أفْضَلُ"؛ ويُقالُ: "أكابِرَةٌ"؛ كَما يُقالُ: "أحْمَرُ"؛ و"أحامِرَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٤٥٤)

؎ إنَّ الأحامِرَةَ الثَلاثَةَ أتْلَفَتْ ∗∗∗ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعا

يُرِيدُ: اَلْخَمْرَ؛ واللَحْمَ؛ والزَعْفَرانَ؛ و"اَلْمَكْرُ": اَلتَّحَيُّلُ بِالباطِلِ؛ والخَدِيعَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ؛ يُرِيدُ: لِرُجُوعِ وبالِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ "وَما يَشْعُرُونَ"؛ أيْ: ما يَعْلَمُونَ؛ وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ؛ وهو الشَيْءُ الَّذِي يَلِي البَدَنَ؛ فَكَأنَّ الَّذِي لا يَشْعُرُ نُفِيَ عنهُ أنْ يَعْلَمَ عِلْمَ حِسٍّ؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في صِفَةِ جَهْلِهِ؛ إذِ البَهائِمُ تَعْلَمُ عُلُومَ الحِسِّ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما نُفِيَ فِيها الشُعُورُ في نازِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في الناسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ السالِفَةِ ذِكْرُ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ أُمِرُوا بِتَرْكِ ظاهِرِ الإثْمِ وباطِنِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذِكْرُ قَوْمٍ كافِرِينَ يَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَمَثَّلَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الطائِفَتَيْنِ؛ بِأنْ شَبَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِأمْواتٍ أُحْيُوا؛ هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ وشَبَّهَ الكافِرِينَ وحَيْرَةَ جَهْلِهِمْ بِقَوْمٍ في ظُلُماتٍ يَتَرَدَّدُونَ فِيها ولا يُمْكِنُهُمُ الخُرُوجُ مِنها؛ لِيُبَيِّنَ - عَزَّ وجَلَّ - الفارِقَ بَيْنَ الطائِفَتَيْنِ؛ والبَوْنَ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أوَمَن"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ فَهي ألِفُ اسْتِفْهامٍ؛ دَخَلَتْ عَلى واوِ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"مَن"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أفَمَن"؛ بِالفاءِ؛ والمَعْنى قَرِيبٌ مِن مَعْنى الواوِ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَأحْيَيْناهُ"؛﴾ عاطِفَةٌ؛ و﴿ "نُورًا"؛﴾ أمْكَنُ ما يُعْنى بِهِ: اَلْإيمانُ؛ و﴿ "يَمْشِي بِهِ"؛﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ التَصَرُّفِ في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ النُورُ الَّذِي يُؤْتاهُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و﴿ "فِي الناسِ"؛﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمْشِي"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "كانَ مَيْتًا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى (p-٤٥٣)﴿ "كَمَن مَثَلُهُ"؛﴾ بِمَنزِلَةِ: "كَمَن هُوَ"؛ والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ﴾ ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَما أحْيَيْنا المُؤْمِنِينَ وجَعَلْنا لَهم نُورًا؛ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "كَمَن مَثَلُهُ"؛ أيْ: "كَهَذِهِ الحالِ هو التَزْيِينُ".

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "مَيِّتًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مَيْتًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّخْفِيفُ كالتَشْدِيدِ؛ والياءُ المَحْذُوفَةُ هي الثانِيَةُ المُنْقَلِبَةُ عن واوٍ؛ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ؛ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي مُثِّلَ بِها؛ وإنْ كانَتْ تَعُمُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وكُلَّ كافِرٍ؛ فَإنَّما نَزَلَتْ في مَخْصُوصِينَ؛ فَقالَ الضَحّاكُ: اَلْمُؤْمِنُ الَّذِي كانَ مَيْتًا فَأُحْيِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وقالَ الزَجّاجُ: جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الَّذِي في الظُلُماتِ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ ؛ وإلى حالِهِ وحالِ أمْثالِهِ هي الإشارَةُ؛ والتَشْبِيهُ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ إنْذارًا بِفَسادِ حالِ الكَفَرَةِ؛ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ مَن تَقَدَّمَهم مِن نَظائِرِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُسْتَهْزِئِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَعْنِي أنَّ التَمْثِيلَ لَهُمْ؛ و"جَعَلْنا"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "صَيَّرْنا"؛ فَهي تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فالمَفْعُولُ الأوَّلُ: ‏‏‏‏‏‏ والثانِي: "أكابِرَ"؛ وفي الكَلامِ - عَلى هَذا - تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ مُجْرِمِيها أكابِرَ"؛ وقَدَّمَ الأهَمَّ؛ إذْ لِعِلَّةِ كِبَرِهِمْ أجْرَمُوا؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ: "أكابِرَ"؛ و"مُجْرِمِيها"؛ مُضافًا؛ والمَفْعُولُ الثانِي قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ‏ ‏ ‏‏‏‏ ؛ و"لِيَمْكُرُوا"؛ نُصِبَ بِلامِ الصَيْرُورَةِ.

والأكابِرُ جَمْعُ "أكْبَرُ"؛ كَما "اَلْأفاضِلُ"؛ جَمْعُ "أفْضَلُ"؛ ويُقالُ: "أكابِرَةٌ"؛ كَما يُقالُ: "أحْمَرُ"؛ و"أحامِرَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٤٥٤)

؎ إنَّ الأحامِرَةَ الثَلاثَةَ أتْلَفَتْ ∗∗∗ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعا

يُرِيدُ: اَلْخَمْرَ؛ واللَحْمَ؛ والزَعْفَرانَ؛ و"اَلْمَكْرُ": اَلتَّحَيُّلُ بِالباطِلِ؛ والخَدِيعَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ؛ يُرِيدُ: لِرُجُوعِ وبالِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ "وَما يَشْعُرُونَ"؛ أيْ: ما يَعْلَمُونَ؛ وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشِعارِ؛ وهو الشَيْءُ الَّذِي يَلِي البَدَنَ؛ فَكَأنَّ الَّذِي لا يَشْعُرُ نُفِيَ عنهُ أنْ يَعْلَمَ عِلْمَ حِسٍّ؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في صِفَةِ جَهْلِهِ؛ إذِ البَهائِمُ تَعْلَمُ عُلُومَ الحِسِّ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَإنَّما نُفِيَ فِيها الشُعُورُ في نازِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ ذَمٍّ لِلْكُفّارِ؛ وتَوَعُّدٍ لَهُمْ؛ يَقُولُ: "وَإذا جاءَتْهم عَلامَةٌ ودَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الشَرْعِ تَشَطَّطُوا؛ وتَسَحَّبُوا؛ وقالُوا: إنَّما يُفْلَقُ لَنا البَحْرُ؛ إنَّما يُحْيى لَنا المَوْتى"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَرَدَّ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ؛ أيْ: فِيمَنِ اصْطَفاهُ؛ وانْتَخَبَهُ؛ لا فِيمَن كَفَرَ؛ وجَعَلَ يَتَشَطَّطُ عَلى اللهِ تَعالى ؛ قالَ الزَجّاجُ: قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْأبْلَغُ في تَصْدِيقِ الرُسُلِ ألّا يَكُونُوا قَبْلَ المَبْعَثِ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ؛ و"أعْلَمُ"؛ مُعَلَّقُ العَمَلِ؛ والعامِلُ في "حَيْثُ"؛ فِعْلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَعْلَمُ حَيْثُ...".

(p-٤٥٥)ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى بِأنَّ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ الأكابِرَ في الدُنْيا سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللهِ تَعالى صَغارٌ؛ وذِلَّةٌ؛ و"عِنْدَ اللهِ"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "سَيُصِيبُ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ "صَغارٌ"؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلتَّقْدِيرُ: صَغارٌ ثابِتٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَغارٌ"؛ دُونَ تَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ ولا شَيْءٍ غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ اَلْآيَةَ؛ "وَمَن": أداةُ شَرْطٍ؛ و"يَشْرَحْ"؛ جَوابُ الشَرْطِ؛ والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُرِيدُ هُدى المُؤْمِنِ؛ وضَلالَ الكافِرِ؛ وهَذا عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ السُنَّةِ بِالإرادَةِ القَدِيمَةِ؛ الَّتِي هي صِفَةُ ذاتِهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

و"اَلْهُدى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هو خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ؛ واخْتِراعُهُ؛ وشَرْحُ الصَدْرِ هو تَسْهِيلُ الإيمانِ؛ وتَحْبِيبُهُ؛ وإعْدادُ القَلْبِ لِقَبُولِهِ؛ وتَحْصِيلِهِ؛ و"اَلْهُدى"؛ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تَأْتِي بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٥٢] ؛ وتَأْتِي بِمَعْنى إرْشادِ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ؛ والطُرُقِ والأعْمالِ المُفْضِيَةِ إلَيْها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٧٨] ؛ وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [القصص: ٥٦] ؛ ونَحْوِها؛ لا يُتَّجَهُ حَمْلُها إلّا عَلى خَلْقِ الإيمانِ واخْتِراعِهِ؛ إذِ الوُجُوهُ مِنَ الهُدى تَدْفَعُها قَرائِنُ الكَلامِ مِمّا قَبْلُ؛ وبَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ هَهُنا؛ إذِ الشَرْحُ: اَلتَّوْسِعَةُ؛ والبَسْطُ في الأجْسامِ؛ وإذا كانَ الجِرْمُ مَشْرُوحًا مُوَسَّعًا؛ كانَ مُعَدًّا لِيُحَلَّ فِيهِ؛ فَشَبَّهَ تَوْطِئَةَ القَلْبِ وتَنْوِيرَهُ؛ وإعْدادَهُ لِلْقَبُولِ؛ بِالشَرْحِ؛ والتَوْسِيعِ؛ وشَبَّهَ قَبُولَهُ وتَحْصِيلَهُ لِلْإيمانِ بِالحُلُولِ في الجِرْمِ المَشْرُوحِ؛ والصَدْرُ عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ؛ وهو المَقْصُودُ؛ إذِ الإيمانُ مِن خِصالِهِ؛ وكَذَلِكَ الإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ؛ إذِ الإسْلامُ أعَمُّ مِنهُ؛ وإنَّما المَقْصُودُ هُنا الإيمانُ فَقَطْ؛ بِدَلِيلِ قَرِينَةِ الشَرْحِ والهُدى؛ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالإسْلامِ؛ إذْ هو أعَمُّ؛ وأدْنى الهُدى حُبُّ (p-٤٥٦)الأعْمالِ؛ وامْتِثالُ العِباداتِ؛ وفي "يَشْرَحْ"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الهُدى؛ قالَ: وعَوْدُهُ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أبْيَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَوْلُ بِأنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى المَهْدِيِّ قَوْلٌ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ؛ في خَلْقِ الأفْعالِ؛ ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ ضَعْفُهُ؛ وأنَّ الضَمِيرَ إنَّما هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَإنَّ هَذا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ والمَعْنى: ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ يُشْرَحُ الصَدْرُ؟ قالَ: "إذا نَزَلَ النُورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ لَهُ الصَدْرُ؛ وانْفَسَحَ"؛ قالُوا: وهَلْ لِذَلِكَ عَلامَةٌ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "نَعَمٌ؛ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ؛ والتَجافِي عن دارِ الغُرُورِ؛ والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ".»

والقَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ ألْفاظٌ مُسْتَعارَةٌ تُضادُّ شَرْحَ الصَدْرِ لِلْإسْلامِ؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - تَكُونُ بِمَعْنى: "يَحْكم لَهُ بِهَذا الحُكْمِ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا"؛ أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى يَقْرُبُ مِن: "صَيَّرَ"؛ وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ وقالَ أيْضًا: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ"؛ بِمَعْنى "سَمّى"؛ كَما قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الزخرف: ١٩] ؛ أيْ: "سَمَّوْهُمْ"؛ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى.

(p-٤٥٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الوَجْهُ يَضْعُفُ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ؛ والسَبْعَةُ - سِوى ابْنِ كَثِيرٍ -: "ضَيِّقًا"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وتَشْدِيدِها؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ضَيْقًا"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ في "اَلْفُرْقانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهُما بِمَنزِلَةِ: "اَلْمَيِّتُ"؛ و"اَلْمَيْتُ"؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وبِمَنزِلَةِ: "اَلْهَيِّنُ"؛ و"اَللَّيِّنُ"؛ و"اَلْهَيْنُ"؛ و"اَللَّيْنُ"؛ قالَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلضَّيْقُ"؛ مَصْدَرًا؛ مِن قَوْلِكَ: "ضاقَ الأمْرُ؛ يَضِيقُ؛ ضَيْقًا؛ وضِيقًا"؛ وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: "اَلضِّيقُ"؛ بِشَدِّ الضادِ؛ وكَسْرِها: في الأجْرامِ؛ والمَعاشِ؛ و"اَلضَّيْقُ"؛ بِفَتْحِ الضادِ: في الأُمُورِ والمَعانِي.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حَرَجًا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "حَرِجًا"؛ بِكَسْرِها؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَمَن فَتَحَ الراءَ كانَ وصْفًا بِالمَصْدَرِ؛ كَما تَقُولُ: "رَجُلٌ قَمَنٌ بِكَذا"؛ و"حَرَيٌ بِكَذا"؛ و"دَنَفٌ"؛ ومَن كَسَرَ الراءَ فَهو كَـ "دَنِفٌ"؛ و"قَمِنٌ"؛ و"فَرِقٌ"؛ ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَرَأها يَوْمًا بِفَتْحِ الراءِ؛ فَقَرَأها لَهُ بَعْضُ الصَحابَةِ بِكَسْرِ الراءِ؛ فَقالَ: "اُبْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ ؛ ولْيَكُنْ راعِيًا مِن بَنِي مُدْلِجٍ"؛ فَلَمّا جاءَهُ قالَ لَهُ: "يا فَتى؛ ما الحَرَجَةُ عِنْدَكُمْ؟"؛ قالَ: اَلشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ؛ ولا وحْشِيَّةٌ؛ قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ؛ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ؛ أيْ: كَأنَّ هَذا الضَيِّقَ الصَدْرِ يُحاوِلُ الصُعُودَ في السَماءِ مَتى حاوَلَ الإيمانَ؛ أو فَكَّرَ فِيهِ؛ ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُعُودِ في السَماءِ؛ قالَ بِهَذا التَأْوِيلِ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اَلْمَعْنى: لا يَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَضايُقِ.

(p-٤٥٨)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَصَّعَّدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصَعَّدُ"؛ في الصادِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "يَصّاعَدُ"؛ بِإدْغامِ التاءِ؛ مِن "يَتَصاعَدُ في السَماءِ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يَصْعَدُ"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَتَصَعَّدُ"؛ بِزِيادَةِ تاءٍ.

و"فِي السَماءِ"؛ يُرِيدُ: مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ في الهَواءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُرِدِ السَماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها؛ وإنَّما هو كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: "والقَيْدُودُ: اَلطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ"؛ يُرِيدُ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ صَعَدًا؛ قالَ: ومِن هَذا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٤] ؛ أيْ في جِهاتِ الجَوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى غَيْرِ مَن تَأوَّلَ "تَقَلُّبَ الوَجْهِ"؛ أنَّهُ الدُعاءُ إلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ في الهِدايَةِ إلى قِبْلَةٍ؛ فَإنَّ مَعَ الدُعاءِ يَسْتَقِيمُ أنْ يُقَلِّبَ وجْهَهُ في السَماءِ المُظِلَّةِ؛ حَسَبَ عادَةِ الداعِينَ؛ إذْ قَدْ ألِفُوا مَجِيءَ النِعَمِ والآلاءِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَشْبِيهُ بِالصاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ؛ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها الهَواءَ؛ و"يَصْعَدُ"؛ مَعْناهُ: يَعْلُو؛ و"يَصَّعَّدُ"؛ مَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِكاحِ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ؛ و"يَصّاعَدُ"؛ في المَعْنى؛ مِثْلُ "يَصَّعَّدُ".

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ أيْ: وكَما كانَ هَذا كُلُّهُ مِنَ الهُدى والضَلالِ بِإرادَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومَشِيئَتِهِ؛ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ؛ قالَ أهْلُ اللُغَةِ: اَلرِّجْسَ يَأْتِي بِمَعْنى العَذابِ؛ ويَأْتِي بِمَعْنى النَجَسِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: اَلرِّجْسَ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ؛ وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: اَلرِّجْسُ والنَجَسُ لُغَتانِ بِمَعْنًى؛ و"يَجْعَلْ" - في هَذا المَوْضِعِ - يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "يُلْقِي"؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ"؛ وكَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ [الأنفال: ٣٧].

(p-٤٥٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا المَعْنى في "جَعَلَ"؛ حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ؛ ويَحْسُنُ أنَّ تَكُونَ "يَجْعَلْ" - في هَذِهِ الآيَةِ - بِمَعْنى: "يُصَيِّرْ"؛ ويَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي في ضِمْنِ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ كَأنَّهُ قالَ - سُبْحانَهُ -: "قَرِينَ الَّذِينَ"؛ أو: "لَزِيمَ الَّذِينَ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ.

You read 6:122–124 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:122