All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Al-Anʿām 6:153 Juzʾ 8 Page 149

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

Read in the muṣḥaf

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) فِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أَيْ تَقَدَّمُوا وَاقْرَءُوا حَقًّا يَقِينًا كَمَا أَوْحَى إِلَيَّ رَبِّي، لَا ظَنًّا وَلَا كَذِبًا كَمَا زَعَمْتُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَقَالَ "أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً" يُقَالُ لِلرَّجُلِ: تَعَالَ، أَيْ تَقَدَّمْ، وَلِلْمَرْأَةِ تَعَالَيْ، وَلِلِاثْنَيْنِ وَالِاثْنَتَيْنِ تَعَالَيَا، وَلِجَمَاعَةِ الرِّجَالِ تَعَالَوْا، وَلِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ تَعَالَيْنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ راجع ج ١٤ ص ١٧٠. ". وجعلوا التقدم ضربا من التعالي وَالِارْتِفَاعِ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِالتَّقَدُّمِ فِي أَصْلِ وَضْعِ هَذَا الْفِعْلِ كَأَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا فَقِيلَ لَهُ تَعَالَ، أَيِ ارْفَعْ شَخْصَكَ بِالْقِيَامِ وَتَقَدَّمْ، وَاتْسَعُوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي، قال ابْنُ الشَّجَرِيِّ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏ الْوَجْهُ فِي "مَا" أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "أَتْلُ" وَالْمَعْنَى: تَعَالَوْا أَتْلُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ عَلَّقْتَ "عَلَيْكُمْ بِ" حَرَّمَ "فَهُوَ الْوَجْهُ، لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ وَهُوَ اختيار البصر بين. وإن علقته" أَتْلُ" فَجَيِّدٌ لِأَنَّهُ الْأَسْبَقُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكُوفِيِّينَ، فَالتَّقْدِيرُ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكُمْ.

(أَلَّا تُشْرِكُوا) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ فَعَلَ مِنْ لَفْظِ الْأَوَّلِ، أَيْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا، أَيْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيمَ الإشراك، ويحتمل أيكون مَنْصُوبًا بِمَا فِي "عَلَيْكُمْ" مِنَ الْإِغْرَاءِ، وَتَكُونُ "عَلَيْكُمْ" مُنْقَطِعَةً مِمَّا قَبْلَهَا، أَيْ عَلَيْكُمْ تَرْكَ الْإِشْرَاكِ، وَعَلَيْكُمْ إِحْسَانًا بِالْوَالِدَيْنِ، وَأَلَّا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَلَّا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ. كَمَا تَقُولُ: عَلَيْكَ شَأْنَكَ، أي الزم أنك. وَكَمَا قَالَ:" عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ راجع ج ٦ ص ٣٤٢. "قَالَ جَمِيعَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ" أَنْ "فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنْ" مَا"، أَيْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيمَ الْإِشْرَاكِ. وَاخْتَارَ الْفَرَّاءُ أَنْ تَكُونَ "لَا" لِلنَّهْيِ، لِأَنَّ بَعْدَهُ "وَلا". الثَّالِثَةُ- هَذِهِ الْآيَةُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الْخَلْقِ إِلَى سَمَاعِ تِلَاوَةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ. وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُبَلِّغُوا النَّاسَ وَيُبَيِّنُوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا حَلَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ راجع ج ٤ ص ٣٠٤. ". وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ رَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ قال في التقريب: (الربيع بن خيثم) بضم المعجمة وفتح المثلثة، ولكن في الخلاصة: بفتح المعجمة والمثلثة بينها تحتانية ساكنة. تهذيب. لِجَلِيسٍ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تُؤْتَى بِصَحِيفَةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُفَكَّ خَاتَمُهَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَاقْرَأْ "قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ" فَقَرَأَ إِلَى آخِرِ الثَّلَاثِ الْآيَاتِ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هَذِهِ الْآيَةُ مُفْتَتَحُ تقدم عن كعب أيضا أول السورة أن أول الأنعام مفتتح التوراة. التَّوْرَاةِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تعالوا أتل ما حرم رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي سُورَةِ" آل عمران كذا في ز وك وى وفي ب الأنعام. "أَجْمَعَتْ عَلَيْهَا شَرَائِعُ الْخَلْقِ، وَلَمْ تُنْسَخْ قَطُّ فِي مِلَّةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا الْعَشْرُ كَلِمَاتٍ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى مُوسَى. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ بِرُّهُمَا وَحِفْظُهُمَا وَصِيَانَتُهُمَا وَامْتِثَالُ أَمْرِهِمَا وَإِزَالَةُ الرِّقِّ عَنْهُمَا وَتَرْكُ السَّلْطَنَةِ عَلَيْهِمَا. وَ" إِحْساناً" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَنَاصِبُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِنْ لَفْظِهِ، تَقْدِيرُهُ وَأَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ الْإِمْلَاقُ الْفَقْرُ: أَيْ لَا تَئِدُوا- مِنَ الْمَوْءُودَةِ في ك: من الوأد. - بَنَاتِكُمْ خَشْيَةَ الْعَيْلَةِ، فَإِنِّي رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْإِنَاثِ وَالذُّكُورِ خَشْيَةَ الْفَقْرِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ. أَمْلَقَ أَيِ افْتَقَرَ. وَأَمْلَقَهُ أَيْ أَفْقَرَهُ، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. وَحَكَى النَّقَّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ أَنَّهُ قَالَ: الْإِمْلَاقُ الْجُوعُ بِلُغَةِ لَخْمٍ. وَذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ الْإِمْلَاقَ الْإِنْفَاقُ، يُقَالُ: أَمْلَقَ مَالَهُ بِمَعْنَى أَنْفَقَهُ. وَذُكِرَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من ع. قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمْلِقِي مِنْ مَالِكِ مَا شِئْتِ. وَرَجُلٌ مَلِقٌ يُعْطِي بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. فَالْمَلَقُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَأْتِي من ك. بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ. السَّادِسَةُ- وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا مَنْ يَمْنَعُ الْعَزْلَ، لِأَنَّ الْوَأْدَ يَرْفَعُ الْمَوْجُودَ وَالنَّسْلَ، وَالْعَزْلُ مَنْعُ أَصْلِ النَّسْلِ فَتَشَابَهَا، إِلَّا أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ أَعْظَمُ وِزْرًا وَأَقْبَحُ فِعْلًا، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْعَزْلِ: (ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ) الْكَرَاهَةُ لَا التَّحْرِيمُ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ بِإِبَاحَتِهِ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي أَلَّا تَفْعَلُوا. وَقَدْ فَهِمَ مِنْهُ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى النَّهْيَ وَالزَّجْرَ عَنِ الْعَزْلِ. وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أولى، لقوله عليه السلام: (إذا أراد الله خلق شي لم يمنعه شي). قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْعَزْلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا في ك: ولا بإذنها. بِإِذْنِهَا. وَكَأَنَّهُمْ رَأَوُا الْإِنْزَالَ مِنْ تمام لذاتها، وَمِنْ حَقِّهَا فِي الْوَلَدِ، وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، إِذْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، إِذْ لَا حَقَّ لها في شي مما ذكر.

السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى.: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) نَظِيرُهُ" وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ راجع ص ٧٤ وص ٢٤٣. من هذا الجزء. ". فَقَوْلُهُ: "مَا ظَهَرَ" نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَوَاحِشِ وَهِيَ الْمَعَاصِي. "وَما بَطَنَ" ما عقد عليه القلب الْمُخَالَفَةِ. وَظَهَرَ وَبَطَنَ حَالَتَانِ تَسْتَوْفِيَانِ أَقْسَامَ مَا جعلت له من الأشياء. و "ما ظَهَرَ" نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ "الْفَواحِشَ". "وَما بَطَنَ" عُطِفَ عَلَيْهِ. الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي "النَّفْسَ" لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِمْ: أَهْلَكَ النَّاسَ حُبُّ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ. وَمِثْلُهُ" إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ راجع ج ١٨ ص ٢٨٩. هَلُوعاً "ألا ترى قول سُبْحَانَهُ:" إِلَّا الْمُصَلِّينَ"؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:" وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ راجع ج ٢٠ ص ١٧٨. "لِأَنَّهُ قَالَ:" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا "وَهَذِهِ الْآيَةُ نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ مُعَاهَدَةً إِلَّا بِالْحَقِّ الَّذِي يُوجِبُ قَتْلَهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) وَهَذَا الْحَقُّ أُمُورٌ: مِنْهَا مَنْعُ الزَّكَاةِ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَفِي التَّنْزِيلِ" فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ راجع ج ٨ ص ٧١. " وَهَذَا بَيِّنٌ. وَقَالَ ﷺ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ). وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا أي فادفعوا الآخر بالقتل إذا لم يمكن دفعه بدونه. الْآخَرَ مِنْهُمَا). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ). وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي" الْأَعْرَافِ راجع ص ٧٤ وص ٢٤٣. من هذا الجزء. ". وَفِي التَّنْزِيلِ:" إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا راجع ج ٦ ص ١٤٧. " (الْآيَةَ من ك.). وَقَالَ:" وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا راجع ج ١٦ ص ٣١٥. "الْآيَةَ. وَكَذَلِكَ مَنْ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفَ إِمَامَ جَمَاعَتِهِمْ وَفَرَّقَ كَلِمَتَهُمْ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا بِانْتِهَابِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْبَغْيِ عَلَى السُّلْطَانِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ حُكْمِهِ يُقْتَلُ. فَهَذَا معنى قوله:" إِلَّا بِالْحَقِّ".

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بكر قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ كنه الأمر: حقيقته. وقيل: وقته وقدره. وقيل: غايته، يعنى من قتله في غير وقته أو غاية أمره الذي يجوز فيه قتله (عن النهاية). حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ". وَفِي رِوَايَةٍ أخرى لأبي داود قال:) من قتل رجل مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا (. فِي الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا). خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏

إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ المحرمات. والكاف والميم للخطاب، ولاحظ لَهُمَا مِنَ الْإِعْرَابِ.

(وَصَّاكُمْ بِهِ)

الْوَصِيَّةُ الْأَمْرُ الْمُؤَكَّدُ الْمَقْدُورُ. وَالْكَافُ وَالْمِيمُ مَحَلُّهُ النَّصْبُ، لِأَنَّهُ ضَمِيرٌ مَوْضُوعٌ لِلْمُخَاطَبَةِ. وَفِي وَصَّى ضَمِيرُ فَاعِلٍ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ. وَرَوَى مَطَرٌ الْوَرَّاقُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشْرَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: عَلَامَ تَقْتُلُونِي! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ حَصَانَةٍ في ب وج وك: إحصانه. فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ أَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ أَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ) فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا قَتَلْتُ أَحَدًا فَأَقِيدُ نَفْسِي بِهِ في ك: منه.، وَلَا ارْتَدَدْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسول، ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ! الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ أَيْ بِمَا فيه صلاحه وتثميره في ج: تدبيره.، وذلك بحفظ أصول وَتَثْمِيرِ فُرُوعِهِ. وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ جَامِعٌ قَالَ مُجَاهِدٌ: "وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" بِالتِّجَارَةِ فِيهِ، ولا تشتري مِنْهُ وَلَا تَسْتَقْرِضْ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

يَعْنِي قُوَّتَهُ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْبَدَنِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِالتَّجْرِبَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ الْأَشُدَّ وقعت هنا مطلقة وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ حَالِ الْيَتِيمِ فِي سُورَةِ "النِّسَاءِ" مُقَيَّدَةً، فَقَالَ:" وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً راجع ج ٥ ص ٣٣. " فَجَمَعَ بَيْنَ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَهُوَ بُلُوغُ النِّكَاحِ، وَبَيْنَ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ إِينَاسُ الرُّشْدِ، فَلَوْ مُكِّنَ الْيَتِيمُ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ وَبَعْدَ حُصُولِ الْقُوَّةِ لَأَذْهَبَهُ فِي شَهْوَتِهِ وَبَقِيَ صُعْلُوكًا لَا مَالَ لَهُ. وَخُصَّ الْيَتِيمُ بِهَذَا الشَّرْطِ لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فَكَانَ الِاهْتِبَالُ الاهتبال: اغتنام الفرضة وابتغاءها وتكسبها: أي الاشتغال بشأن اليتيم أولى. بِفَقِيدِ الْأَبِ أَوْلَى. وَلَيْسَ بُلُوغُ الْأَشُدِّ مِمَّا يُبِيحُ قُرْبَ مَالِهِ بِغَيْرِ الْأَحْسَنِ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الْبَالِغِ ثَابِتَةٌ. وَخُصَّ الْيَتِيمُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ خَصْمَهُ اللَّهُ. وَالْمَعْنَى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عَلَى الْأَبَدِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، فَإِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَشُدِّ الْيَتِيمِ، فَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: بُلُوغُهُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. بُلُوغُهُ وَإِينَاسُ رُشْدِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَعَجَبًا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا وَلَا نَظَرًا وَإِنَّمَا تَثْبُتُ نَقْلًا، وَهُوَ يُثْبِتُهَا بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَلَكِنَّهُ سَكَنَ دَارَ الضَّرْبِ فَكَثُرَ عِنْدَهُ الْمُدَلِّسُ، وَلَوْ سَكَنَ الْمَعْدِنَ كَمَا قَيَّضَ اللَّهُ لِمَالِكٍ لِمَا صَدَرَ عَنْهُ إِلَّا إِبْرِيزُ الدِّينِ في ك: المذهب وفى ز: الذهب. يريد بدار الضرب: بغداد. والمعدن.: معدن الشريعة ومنجمها المدينة المنورة.. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ انْتِهَاءَ الْكُهُولَةِ فِيهَا مُجْتَمَعُ الْأَشُدِّ، كَمَا قَالَ سُحَيْمُ بْنُ وَثِيلٍ:

أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٍ أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُونِ رجل منجد (بالدال والذال): جرب الأمور وعرفها وأحكمها. ومداورة الشئون: مداوتة الأمور ومعالجتها.

يُرْوَى "نَجَّدَنِي" بِالدَّالِ وَالذَّالِ. وَالْأَشُدُّ وَاحِدٌ لَا جَمْعَ لَهُ، بِمَنْزِلَةِ الْآنُكِ وَهُوَ الرَّصَاصُ. وَقَدْ قِيلَ: وَاحِدُهُ شَدَّ، كَفَلْسٍ وَأَفْلُسٍ. وَأَصْلُهُ مِنْ شَدَّ النَّهَارُ أَيِ ارْتَفَعَ، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ شَدَّ النَّهَارِ وَمَدَّ النَّهَارِ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الضَّبِّيِّ يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ:

عَهْدِي به النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم اللبان (بفتح اللام): الصدر. وفي ع: "البنان" وهى رواية. والعظلم (بكسر العين واللام وسكون الظاء): صبغ أحمر وقيل: هو الوسمة د، شجر له ورق يختضب به.

(وَقَالَ»

آخَرُ:

تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ ... طَوِيلَةٌ أَنْقَاءُ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ السحوق: المرأة الطويلة.

وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: وَاحِدُهُ شِدَّةٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ يُقَالُ: بَلَغَ الْغُلَامُ شِدَّتَهُ، وَلَكِنْ لَا تُجْمَعُ فِعْلَةٌ عَلَى أَفْعُلٍ، وَأَمَّا أَنْعُمٌ فَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ نُعْمٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: يَوْمَ بُؤْسٍ وَيَوْمَ نُعْمٍ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَاحِدُهُ شَدٌّ، مِثْلَ كَلْبٍ وَأَكْلُبٍ، وَشِدٌّ مِثْلَ ذِئْبٍ وَأَذْؤُبٍ فَإِنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ. كَمَا يَقُولُونَ فِي وَاحِدِ الْأَبَابِيلِ: إِبَّوْلُ، قِيَاسًا عَلَى عِجَّوْلٍ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَصَابَتْنِي شُدَّى عَلَى فُعْلَى، أَيْ شِدَّةٌ. وَأَشَدَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَتْ مَعَهُ دَابَّةٌ شَدِيدَةٌ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أَيْ بِالِاعْتِدَالِ فِي الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَالْقِسْطُ: الْعَدْلُ.

(لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) أَيْ طَاقَتُهَا فِي إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْأَوَامِرَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ الْبَشَرِ من التحفظ والتحرر. وَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ الْبَشَرِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَقِيلَ: الْكَيْلُ بِمَعْنَى الْمِكْيَالِ. يُقَالُ: هَذَا كَذَا وَكَذَا كَيْلًا، وَلِهَذَا عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْمِيزَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَضِيقُ نَفْسُهُ عَنْ أَنْ تَطِيبَ لِلْغَيْرِ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا لَهُ أَمَرَ الْمُعْطِيَ بِإِيفَاءِ رَبِّ الْحَقِّ حَقَّهُ الَّذِي هُوَ لَهُ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُ الزِّيَادَةَ، لِمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِ نَفْسِهِ بِهَا. وَأَمَرَ صَاحِبَ الْحَقِّ بِأَخْذِ حَقِّهِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُ الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْهُ، لِمَا فِي النُّقْصَانِ مِنْ ضِيقِ نَفْسِهِ. وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الزنى في قوم الأكثر فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ الختر: الغدر. وفى ك: غدر. قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ رواه الطبراني حديثا عن ابن عباس.. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْأَعَاجِمِ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الكيل والميزان من ك..

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

يَتَضَمَّنُ الْأَحْكَامَ وَالشَّهَادَاتِ. وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى أَيْ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى مِثْلِ قَرَابَاتِكُمْ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسَاءِ راجع ج ٥ ص ٤١٠..

(وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)

عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا عَهِدَهُ اللَّهُ إِلَى عباده. ومحتمل أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ مَا انْعَقَدَ بَيْنَ إِنْسَانَيْنِ. وَأُضِيفَ ذَلِكَ الْعَهْدُ إِلَى اللَّهِ مِنْ حيث أمر بحفظه والوفاء بِهِ (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)

تَتَّعِظُونَ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ هَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ عَطْفَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى وَأَمَرَ حَذَّرَ هُنَا عَنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِ، فَأَمَرَ فِيهَا بِاتِّبَاعِ طَرِيقِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ. "وَأَنَّ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ وَاتْلُ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي. عَنِ الْفَرَّاءِ وَالْكِسَائِيِّ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَفْضًا، أَيْ وَصَّاكُمْ بِهِ وَبِأَنَّ هَذَا صِرَاطِي. وَتَقْدِيرُهَا عِنْدَ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ: وَلِأَنَّ هَذَا صِرَاطِي، كَمَا قَالَ:" وَأَنَّ الْمَساجِدَ راجع ج ١٩ ص ١٩. لِلَّهِ "وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ" وَإِنَّ هَذَا" بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَيِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَاتِ من ب ج ز ك. صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبُ "وَأَنْ هَذَا" بِالتَّخْفِيفِ. وَالْمُخَفَّفَةُ مِثْلُ الْمُشَدَّدَةِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ وَالشَّأْنِ، أَيْ وَأَنَّهُ هَذَا. فَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَيَجُوزُ النَّصْبُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:" فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ راجع ج ٩ ص ٢٥٩. ". وَالصِّرَاطُ: الطَّرِيقُ الَّذِي هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ. "مُسْتَقِيمًا" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَمَعْنَاهُ مُسْتَوِيًا قَوِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ. فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ طَرِيقِهِ الَّذِي طَرَقَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرَعَهُ وَنِهَايَتُهُ الْجَنَّةُ. وَتَشَعَّبَتْ مِنْهُ طُرُقٌ فَمَنْ سَلَكَ الْجَادَّةَ نَجَا، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) أَيْ تَمِيلُ. رَوَى الدَّارِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيد حدثنا عاصم بن بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَخُطُوطًا عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ قَالَ (هذه سبل على كل سبيل مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهَا) ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَخَطَّ خَطًّا، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ فَقَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ- ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- "وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ". وَهَذِهِ السُّبُلُ تَعُمُّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَالْمَجُوسِيَّةَ وَسَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالشُّذُوذِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّعَمُّقِ فِي الْجَدَلِ وَالْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ. هَذِهِ كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد، قال ابْنُ عَطِيَّةَ. قُلْتُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ آدَابِ النُّفُوسِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: مَا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ؟ قَالَ: تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أَدْنَاهُ وَطَرَفُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَنْ يَمِينِهِ جَوَادٌ الجواد (بتشديد الدال): الطرق، واحدها جادة، وهى سواء الطريق. وقيل: معظمه وقيل: وسطه. وَعَنْ يَسَارِهِ جَوَادٌ، وَثَمَّ رِجَالٌ يَدْعُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ فَمَنْ أَخَذَ فِي تِلْكَ الْجَوَادِ انْتَهَتْ بِهِ إِلَى النَّارِ، وَمَنْ أَخَذَ عَلَى الصِّرَاطِ انْتَهَى بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا" الْآيَةَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَهْلُهُ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ وَالتَّعَمُّقَ وَالْبِدَعَ عرف الراغب البدعة بقوله: البدعة في المذهب إيراد قوله لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة.، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ العتيق: القديم الأول.. أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: "وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ" قَالَ: الْبِدَعَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً راجع ص ١٤٩. من هذا الجزء. " الْآيَةَ. فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ، وَالنَّجَاةَ النَّجَاةَ! وَالتَّمَسُّكَ بِالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَالسَّنَنِ الْقَوِيمِ، الَّذِي سَلَكَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَفِيهِ الْمَتْجَرُ الرَّابِحُ. رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ موعظة ذرفت مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ البيضاء. يريد ﷺ الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلا. لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَعَلَيْكُمْ بالطاعة وإن عبد احبشيا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ الأنف (ككتف): المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه، فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. وقيل: الأنف الذلول. حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ وَصَحَّحَهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز يسأل عَنِ الْقَدَرِ، فَكَتَبَ (إِلَيْهِ من ك وز.): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مَئُونَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عِصْمَةٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَةٌ فِيهَا، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ، وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كُفُوا، وَإِنَّهُمْ عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلِ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ سبقتموهم إليه، ولين قُلْتُمْ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ فَمَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ السَّابِقُونَ، قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ بِمَا يَكْفِي وَوَصَفُوا مَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مُقَصِّرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مُجَسِّرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ قَوْمٌ دُونَهُمْ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ أَقْوَامٌ فَغَلَوْا وإنهم مع في ك: بين. ذلك لعلى مُسْتَقِيمٍ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: عَلَيْكُمْ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْأَثَرِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنَّهُ سَيَأْتِي عَنْ قَلِيلٍ زَمَانٌ إِذَا ذَكَرَ إِنْسَانٌ النَّبِيَّ ﷺ والاقتداء به في جميع أحوال ذَمُّوهُ وَنَفَرُوا عَنْهُ وَتَبْرَءُوا مِنْهُ وَأَذَلُّوهُ وَأَهَانُوهُ. قَالَ سَهْلٌ: إِنَّمَا ظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ عَلَى يَدَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُمْ ظَاهَرُوهُمْ وَقَاوَلُوهُمْ في ك وع: ناولوهم.، فَظَهَرَتْ أَقَاوِيلُهُمْ وَفَشَتْ فِي الْعَامَّةِ فَسَمِعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يسمعه، فلو تركوهم وَلَمْ يُكَلِّمُوهُمْ لَمَاتَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ما في صدره ولم يظهر منه شي وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى قَبْرِهِ. وَقَالَ سَهْلٌ: لَا يُحْدِثُ أَحَدُكُمْ بِدْعَةً حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ إِبْلِيسُ عِبَادَةً فَيَتَعَبَّدُ بِهَا ثُمَّ يُحْدِثُ لَهُ بِدْعَةً، فَإِذَا نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا نَزَعَ مِنْهُ تِلْكَ الْخَذْمَةَ كذا في ب وفي ج وك: الخدمة.. قَالَ سَهْلٌ: لَا أَعْلَمُ حديثا جاء في المبتدعة أشد هَذَا الْحَدِيثِ: (حَجَبَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَنْ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ). قَالَ: فَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ أَرْجَى مِنْهُمْ. قَالَ سَهْلٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ، وَلَا يُخَاصِمَنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ. وَقَالَ أَيْضًا: اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ. وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إن رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا شَيْئًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا خَيْرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةِ رَجُلٌ وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ لَهُمْ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً. فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً. وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً. قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا، انْتِظَارَ رَأْيِكَ وَانْتِظَارَ أَمْرِكَ. قَالَ أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَلَّا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ. ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي (أَرَاكُمْ عن ك وسنن الدارمي.) تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ وَأَنَا ضَامِنٌ لَكُمْ ألا يضيع من حسناتكم شي، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ. أو مفتتحي كذا في الأصول. والذي في سنن الدارمي. المطبوعة والمخطوطة: ... "ما أسرع هلكتكم. هؤلاء صحابه نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل آنيته ولم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى مله هي أهدى من مله محمد أو مفتتحى باب .. ". إلخ في نخ ط دمشق: أو مفتتحوا. على هامش المطبوع: "أو مفتتح" بغير ياء. راجع ج ١ ص ٦٨ ط الشام. بَابَ ضَلَالَةٍ! قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. فَقَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ. وَعَنْ عُمَرَ بن عبد العزيز وسأله رجل عن شي مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِدِينِ الْأَعْرَابِ وَالْغُلَامِ فِي الْكُتَّابِ، وَالْهُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ إِبْلِيسُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أي شي تأتون بنى آدم؟ فقالوا: من كل شي. قَالَ: فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الِاسْتِغْفَارِ؟ قَالُوا:

هيهات! ذلك شي قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ. قَالَ: لَأَبُثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئًا لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ. قَالَ: فَبَثَّ فِيهِمُ الْأَهْوَاءَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَا أَدْرِي أَيَّ النِّعْمَتَيْنِ عَلَيَّ أَعْظَمَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا سُمُّوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ لِأَنَّهُمْ يَهْوُونَ فِي النَّارِ. كُلُّهُ عَنِ الدارمي. وسيل سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ المعتزلة والنكاح منهم وتزوجهم. فَقَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ! هُمْ كُفَّارٌ ليس من أصول أهل السنه تكفير أهل القبلة بخطإ في التأويل. فليتأمل.، كَيْفَ يُؤْمِنُ مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَلَا جَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وَلَا نَارَ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا لِلَّهِ صِرَاطٌ وَلَا شَفَاعَةٌ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ النَّارَ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِنْ مُذْنِبِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَلَا مُنْكَرَ وَلَا نَكِيرَ، وَلَا رُؤْيَةَ لِرَبِّنَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا زِيَادَةَ، وَأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَلَا يَرَوْنَ السُّلْطَانَ وَلَا جُمُعَةَ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهَذَا. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: مَنْ أَحَبَّ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ، وَأَخْرَجَ نُورَ الْإِسْلَامِ مِنْ قَلْبِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، الْمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا، وَالْبِدْعَةُ لَا يُتَابُ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَدْعُو إِلَى السُّنَّةِ وَيَنْهَى عَنِ الْبِدْعَةِ، عِبَادَةٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا. قَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ فَقَالَ: قَدْ نَصَحَكَ وَاللَّهِ وَصَدَقَكَ. وَقَدْ مضى في "آل عمران" معنى قول عَلَيْهِ السَّلَامُ: (تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ). الْحَدِيثَ راجع ج ٤ ص ١٥٩.. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ: هَذِهِ الْفِرْقَةُ الَّتِي زَادَتْ فِي فِرَقِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمْ قَوْمٌ يُعَادُونَ الْعُلَمَاءَ وَيُبْغِضُونَ الْفُقَهَاءَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَطُّ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. وَقَدْ رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَبِالْقُرْآنِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). قَالَ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: (يُقِرُّونَ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). قَالَ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَقُولُونَ؟ قَالَ: (يَجْعَلُونَ إِبْلِيسَ عَدْلًا لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ وَقُوَّتِهِ وَرِزْقِهِ وَيَقُولُونَ الْخَيْرُ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرُّ مِنْ إِبْلِيسَ (. قَالَ: فَيَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ثُمَّ يَقْرَءُونَ عَلَى ذَلِكَ كِتَابَ اللَّهِ، فَيَكْفُرُونَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ؟ قَالَ: (فَمَا تَلْقَى أُمَّتِي مِنْهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْجِدَالِ أُولَئِكَ زَنَادِقَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ). وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمَضَى فِي "النِّسَاءِ" وَهَذِهِ السُّورَةُ النَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَأَنَّ مَنْ جَالَسَهُمْ حُكْمُهُ حُكْمُهُمْ فَقَالَ:" وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا راجع ص ١٢ من هذا الجزء. "الْآيَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ فِي سُورَةِ" النِّسَاءِ "وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ عُقُوبَةَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَخَالَفَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَالَ:" وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ" الْآيَةَ راجع ج ٥ ص ٤١٧.. فَأَلْحَقَ مَنْ جَالَسَهُمْ بِهِمْ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي مَجَالِسِ في ك: مجالسه. أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى الْمُعَاشَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي رَجُلٍ شَأْنُهُ مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ قَالُوا: يُنْهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ، فَإِنِ انْتَهَى وَإِلَّا أُلْحِقَ بِهِمْ، يَعْنُونَ فِي الْحُكْمِ. وَقَدْ حَمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَدَّ عَلَى مُجَالِسِ شَرَبَةِ الْخَمْرِ، وَتَلَا "إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ". قِيلَ لَهُ كذا في ك. وفي ب وج وز وى: قيل لهم. قالوا.: فَإِنَّهُ يَقُولُ إِنِّي أُجَالِسُهُمْ لِأُبَايِنَهُمْ وَأَرُدَّ عَلَيْهِمْ. قَالَ كذا في ك. وفي ب وج وز وى: قيل لهم. قالوا. يُنْهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُلْحِقَ بهم.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:153