All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Muʾminūn 23:32 Juzʾ 18 Page 344

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We sent among them a messenger from themselves, [saying], "Worship Allah; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ هُودٍ أوْ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ٨٥

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي قِصَّةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِحِكايَةِ اللَّهِ تَعالى قَوْلَ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] ومَجِيءُ قِصَّةِ هُودٍ عَقِيبَ قِصَّةِ نُوحٍ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ والشُّعَراءِ. وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِهِمْ صالِحٌ وثَمُودُ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ هُمُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، أمّا كَيْفِيَّةُ الدَّعْوى فَكَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: حَقُّ (أرْسَلَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (إلى) كَأخَواتِهِ الَّتِي هي: وجَّهَ وأنْفَذَ وبَعَثَ، فَلِمَ -عُدِّيَ في القُرْآنِ بِـ (إلى) تارَةً وبِـ (فِي) أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ [الرَّعْدِ: ٣٠] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ﴾ [الأعْرافِ: ٩٤] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المُؤْمِنُونَ: ٣٢] أيْ: في عادٍ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعْرافِ: ٦٥]؟ الجَوابُ: لَمْ يُعَدَّ بِـ (فِي) كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) ولَكِنَّ الأُمَّةَ أوِ القَرْيَةَ جُعِلَتْ مَوْضِعًا لِلْإرْسالِ، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ (بَعَثَ) في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفُرْقانِ: ٥١].

السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما قالَهُ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِالأوَّلِ، وإنَّما قالَهُ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إقامَةِ الحجة عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم مُخَوِّفًا مِمّا هم عَلَيْهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَخافَةَ العَذابِ الَّذِي أنْذَرْتُكم بِهِ؟ الجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِأنْ رَآهم مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحَذَّرَهم مِنَ العِقابِ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى صِفاتِ أُولَئِكَ القَوْمِ وحَكى كَلامَهُمْ، أمّا الصِّفاتُ فَثَلاثٌ هي شَرُّ الصِّفاتِ، أوَّلُها: الكُفْرُ بِالخالِقِ سُبْحانَهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَفَرُوا﴾ وثانِيها: الكُفْرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وثالِثُها: الِانْغِماسُ في حُبِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: نَعَّمْناهُمْ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ اللَّهُ مَقالَةَ قَوْمِ هُودٍ في جَوابِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ بِغَيْرِ واوٍ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ٦٦]، قالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هُودٍ: ٢٧] وهاهُنا مَعَ الواوِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: الَّذِي بِغَيْرِ واوٍ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ قالَ: فَما قالَ قَوْمُهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الَّذِي مَعَ الواوِ فَعَطْفٌ لِما قالُوهُ عَلى ما قالَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ اجْتَمَعَ في هَذِهِ الواقِعَةِ هَذا الكَلامُ الحَقُّ وهَذا الكَلامُ الباطِلُ. وأمّا شُبُهاتُ القَوْمِ فَشَيْئانِ: أوَّلُهُما: قَوْلُهُمْ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في القِصَّةِ الأُولى. وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِن مَشْرُوبِكم، أوْ حُذِفَ مِنهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَجَعَلُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ خُسْرانًا، ولَمْ يَجْعَلُوا عِبادَةَ الأصْنامِ خُسْرانًا، أيْ: لَئِنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمُوهُ الطّاعَةَ مِن غَيْرِ أنْ

صفحة ٨٦
يَكُونَ لَكم بِإزائِها مَنفَعَةٌ فَذَلِكَ هو الخُسْرانُ. وثانِيهِما: أنَّهم طَعَنُوا في صِحَّةِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، ثُمَّ طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِذَلِكَ. أمّا الطَّعْنُ في صِحَّةِ الحَشْرِ فَهو قَوْلُهُمْ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُعادُونَ أحْياءً لِلْمُجازاةِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ حَتّى قَرَنُوا بِهِ الِاسْتِبْعادَ العَظِيمَ وهو قَوْلُهُمْ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ أكَّدُوا الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِمْ: ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ (نَمُوتُ ونَحْيا) الشَّخْصَ الواحِدَ، بَلْ أرادُوا أنَّ البَعْضَ يَمُوتُ والبَعْضَ يَحْيا، وأنَّهُ لا إعادَةَ ولا حَشْرَ. فَلِذَلِكَ قالُوا: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ولَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعْنِ في صِحَّةِ الحَشْرِ بَنَوْا عَلَيْهِ الطَّعْنَ في نُبُوَّتِهِ، فَقالُوا: لَمّا أتى بِهَذا الباطِلِ فَقَدَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ثُمَّ لَمّا قَرَّرُوا الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ قالُوا: وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كالتَّبَعِ لَهم. واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أجابَ عَنْ هاتَيْنِ الشُّبْهَتَيْنِ لِظُهُورِ فَسادِهِما. أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ضَعْفِها. وأمّا الثّانِيَةُ: فَلِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الحَشْرَ، ولا يُسْتَبْعَدُ الحَشْرُ لِوَجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ لَوْلا الإعادَةُ لَكانَ تَسْلِيطُ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ في الدُّنْيا ظُلْمًا. وهو غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ، عَلى ما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [طه: ١٥] وهاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ثَنّى (إنَّكُمْ) لِلتَّوْكِيدِ، وحَسُنَ ذَلِكَ الفَصْلُ ما بَيْنَ الأوَّلِ والثّانِي بِالظَّرْفِ، و(مُخْرَجُونَ) خَبَرٌ عَنِ الأوَّلِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ“.

المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”هَيْهاتَ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، كُلُّها بِتَنْوِينٍ وبِلا تَنْوِينٍ، وبِالسُّكُونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ.

المسألة الثّالِثَةُ: هي في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ضَمِيرٌ لا يُعْلَمُ ما يُعْنى بِهِ إلّا بِما يَتْلُوهُ مِن بَيانِهِ، وأصْلُهُ: إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، ثُمَّ وضَعَ (هِيَ) مَوْضِعَ الحَياةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ومِنهُ [قُوْلُ الشّاعِرِ]:

هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ
والمَعْنى لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ، ولِأنَّ ”إنْ“ النّافِيَةَ دَخَلَتْ عَلى (هِيَ) الَّتِي في مَعْنى الحَياةِ الدّالَّةِ عَلى الجِنْسِ فَنَفَتْها، فَوازَنَتْ (لا) الَّتِي نَفَتْ ما بَعْدَها نَفْيَ الجِنْسِ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ لَمّا يَئِسَ مِن قَبُولِ الأكابِرِ والأصاغِرِ فَزِعَ إلى رَبِّهِ وقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما سَألَ وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأنْ يَظْهَرَ لَهم عَلاماتُ الهَلاكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ مِنهُمُ الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلى تَرْكِ القَبُولِ، ويَكُونُ الوَقْتُ وقْتَ إيمانِ اليَأْسِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِالنَّدامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى الهَلاكَ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وُجُوهًا.

أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ صاحَ بِهِمْ، وكانَتِ الصَّيْحَةُ عَظِيمَةً فَماتُوا عِنْدَها.

وثانِيها: الصَّيْحَةُ هي الرَّجْفَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

وثالِثُها: الصَّيْحَةُ هي نَفْسُ العَذابِ والمَوْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن يَمُوتُ: دُعِيَ فَأجابَ، عَنِ الحَسَنِ.

ورابِعُها: أنَّهُ العَذابُ المُصْطَلِمُ. قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ٨٧

صاحَ الزَّمانُ بِآلِ بَرْمَكٍ صَيْحَةً ∗∗∗ خَرُّوا لِشِدَّتِها عَلى الأذْقانِ
والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَمَعْناهُ أنَّهُ دَمَّرَهم بِالعَدْلِ، مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَقْضِي بِالحَقِّ: إذا كانَ عادِلًا في قَضاياهُ. وقالَ المُفَضَّلُ: بِالحَقِّ؛ أيْ: بِما لا يُدْفَعُ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ق: ١٩].
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فالغُثاءُ حَمِيلِ السَّيْلِ مِمّا بَلِيَ واسْوَدَّ مِنَ الوَرَقِ والعِيدانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعْلى:٥].

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: بُعْدًا وسُحْقًا ودُمْرًا، ونَحْوُها، مَصادِرُ مَوْضُوعَةٌ مَواضِعَ أفْعالِها، وهي مِن جُمْلَةِ المَصادِرِ الَّتِي قالَ سِيبَوَيْهَ: نُصِبَتْ بِأفْعالٍ لا يُسْتَعْمَلُ إظْهارُها. ومَعْنى بُعْدًا بَعُدُوا، أيْ: هَلَكُوا، يُقالُ: بَعُدَ بُعْدًا وبَعَدًا، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ رَشَدَ رُشْدًا ورَشَدًا، بِفَتْحِ الشِّينِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا﴾ بِمَنزِلَةِ اللَّعْنِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ مِنَ الخَيْرِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْفافِ والإهانَةِ لَهُمْ، وقَدْ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ البُعْدِ مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ أعْظَمُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ حالًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِمَن يَجِيءُ بَعْدَهم.

The same ayah, in another commentary

Al-Muʾminūn 23:32