All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

An-Naml 27:41 Juzʾ 19 Page 380

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

صفحة ١٧١
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: اجْعَلُوا العَرْشَ مُنَكَّرًا مُغَيَّرًا عَنْ شَكْلِهِ، كَما يَتَنَكَّرُ الرَّجُلُ لِلنّاسِ لِئَلّا يَعْرِفُوهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلى ما كانَ لَعَرَفَتْهُ لا مَحالَةَ، وكانَ لا تَدُلُّ مَعْرِفَتُها بِهِ عَلى ثَباتِ عَقْلِها، وإذا غُيِّرَ دَلَّتْ مَعْرِفَتُها أوْ تَوَقُّفُها فِيهِ عَلى فَضْلِ عَقْلٍ، ولا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ ما قِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُلْقِيَ إلَيْهِ أنَّ فِيها نُقْصانَ عَقْلٍ؛ لِكَيْ لا يَتَزَوَّجَها أوْ لا تَحْظى عِنْدَهُ عَلى وجْهِ الحَسَدِ، فَأرادَ بِما ذَكَرْنا اخْتِبارَ عَقْلِها.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ فَقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، واخْتَلَفُوا في (أتَهْتَدِي) عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أتَعْرِفُ أنَّهُ عَرْشُها أمْ لا ؟ كَما قَدَّمْنا.

الثّانِي: أتَعْرِفُ بِهِ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ أمْ لا ؟ ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ كالذَّمِّ ولا يَلِيقُ إلّا بِطَرِيقَةِ الدَّلالَةِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحَبَّ أنْ تَنْظُرَ فَتَعْرِفَ بِهِ نُبُوَّتَهُ مِن حَيْثُ صارَ مُتَنَقِّلًا مِنَ المَكانِ البَعِيدِ إلى هُناكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى صِدْقِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَعْرِفُ بِذَلِكَ أيْضًا فَضْلَ عَقْلِها لِأغْراضٍ كانَتْ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَها.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّ هَكَذا ثَلاثُ كَلِماتٍ، حَرْفُ التَّنْبِيهِ، وكافُ التَّشْبِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ، ولَمْ يَقُلْ: أهَذا عَرْشُكِ، ولَكِنْ أمِثْلُ هَذا عَرْشُكِ ؟ لِئَلّا يَكُونَ تَلْقِينًا، فَقالَتْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ولَمْ تَقُلْ: هو هو، ولا لَيْسَ بِهِ، وذَلِكَ مِن كَمالِ عَقْلِها حَيْثُ تَوَقَّفَتْ في مَحَلِّ التَّوَقُّفِ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَفِيهِ سُؤالانِ: وهو أنَّ هَذا الكَلامَ كَلامُ مَن ؟ وأيْضًا فَعَلى أيِّ شَيْءٍ عَطَفَ هَذا الكَلامَ ؟ وعَنْهُ جَوابانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامُ سُلَيْمانَ وقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِلْقِيسَ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ عَرْشِها، ثُمَّ إنَّها أجابَتْ بِقَوْلِها: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فالظّاهِرُ أنَّ سُلَيْمانَ وقَوْمَهُ قالُوا: إنَّها قَدْ أصابَتْ في جَوابِها، وهي عاقِلَةٌ لَبِيبَةٌ، وقَدْ رُزِقَتِ الإسْلامَ، ثُمَّ عَطَفُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهم: وأُوتِينا نَحْنُ العِلْمَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ قَبْلَ عِلْمِها، ويَكُونُ غَرَضُهم مِن ذَلِكَ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى في أنْ خَصَّهم بِمَزِيَّةِ التَّقَدُّمِ في الإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ بِلْقِيسَ مَوْصُولًا بِقَوْلِها: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ والمَعْنى: وأُوتِينا العِلْمَ بِاللَّهِ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ قَبْلَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ أوْ قَبْلَ هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ إلى آخِرِ الآيَةِ يَكُونُ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ: وصَدَّها عِبادَتُها لِغَيْرِ اللَّهِ عَنِ الإيمانِ.

الثّانِي: وصَدَّها اللَّهُ أوْ سُلَيْمانُ عَمّا كانَتْ تَعْبُدُ، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقُرِئَ (أنَّها) بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فاعِلِ صَدَّ وبِمَعْنى لِأنَّها، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ تَعالى خَلَقَ الكُفْرَ فِيها لَمْ يَكُنِ الصّادُّ لَها كُفْرَها المُتَقَدِّمَ ولا كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ، بَلْ كانَ يَكُونُ الصّادُّ لَها عَنِ الإيمانِ تَجَدُّدَ خَلْقِ اللَّهِ الكُفْرَ فِيها.

والجَوابُ: أمّا عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي فَلا شَكَّ في سُقُوطِ الِاسْتِدْلالِ.

وأمّا عَلى الأوَّلِ فَجَوابُنا: أنَّ كَوْنَها مِن جُمْلَةِ الكُفّارِ صارَ سَبَبًا لِحُصُولِ الدّاعِيَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْقى ظاهِرُ الآيَةِ مُوافِقًا لِقَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

An-Naml 27:41