All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Jāthiyah 45:37 Juzʾ 25 Page 502

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And to Him belongs [all] grandeur within the heavens and the earth, and He is the Exalted in Might, the Wise.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الأُولى، وعَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَمَّمَ الدَّلِيلَ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ سَواءً كانَتْ مِنَ السَّماواتِ أوْ مِنَ الأرْضِ، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الحَياةِ في هَذِهِ الذّاتِ مُمْكِنٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لَما حَصَلَ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إمْكانَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ بِهَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ذَكَرَ تَفاصِيلَ أحْوالِ القِيامَةِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: عامِلُ النَّصْبِ في يَوْمَ تَقُومُ يَخْسَرُ، ويَوْمَئِذِ بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَقُومُ.

البَحْثُ الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ الحَياةَ والعَقْلَ والصِّحَّةَ كَأنَّها رَأْسُ المالِ، والتَّصَرُّفُ فِيها لِطَلَبِ سَعادَةِ الآخَرِ يَجْرِي مَجْرى تَصَرُّفِ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، والكُفّارُ قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ وما وجَدُوا مِنها إلّا الحِرْمانَ والخِذْلانَ فَكانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ نِهايَةَ الخُسْرانِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ اللَّيْثُ: الجُثُوُّ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، كَما يَجْثِي بَيْنَ يَدَيِ الحاكِمِ، قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ جَذا يَجْذُو، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ جاذِيَةً، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: والجُذُوُّ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: جاثِيَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مُرْتَقِبَةٌ لِما يُعْمَلُ بِها.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى الِابْتِداءِ، وكُلَّ أُمَّةٍ عَلى الإبْدالِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ إلى صَحائِفِ أعْمالِها، فاكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏
صفحة ٢٣٤
[الكهف: ٤٩]، والظّاهِرُ أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَإنْ قِيلَ: الجُثُوُّ عَلى الرُّكْبَةِ إنَّما يَلِيقُ بِالخائِفِ والمُؤْمِنُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قُلْنا: إنَّ المُحِقَّ الآمِنَ قَدْ يُشارِكُ المُبْطِلَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ إلى أنْ يَظْهَرَ كَوْنُهُ مُحِقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: اليَوْمَ تُجْزَوْنَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أُضِيفَ الكِتابُ إلَيْهِمْ وإلى اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِأنَّهُ كِتابُهم بِمَعْنى أنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى أعْمالِهِمْ، وكِتابُ اللَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أمَرَ المَلائِكَةَ بِكَتْبِهِ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانَ، ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المَلائِكَةُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ نَسْتَكْتِبُهم أعْمالَكم.
ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَ المُطِيعِينَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالإيمانِ كَوْنَهم عامِلِينَ لِلصّالِحاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَمَلُ الصّالِحاتِ مُغايِرًا لِلْإيمانِ زائِدًا عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: عَلَّقَ الدُّخُولَ في رَحْمَةِ اللَّهِ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، والمُعَلَّقِ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ يَكُونُ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ أحَدِهِما، فَعِنْدَ عَدَمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وجَوابُنا: أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الوَصْفِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سَمّى الثَّوابَ رَحْمَةً، والرَّحْمَةُ إنَّما تَصِحُّ تَسْمِيَتُها بِهَذا الِاسْمِ إذا لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الثَّوابُ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ ولَمْ يُذْكَرْ قِسْمًا ثالِثًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ إثْباتَ المَنزِلَتَيْنِ باطِلٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ أنَّ اسْتِحْقاقَ العُقُوبَةِ بِأنَّ آياتِهِ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ العُقُوبَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِباتِ لا تَجِبُ إلّا بِالشَّرْعِ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ بَعْضَ الواجِباتِ قَدْ يَجِبُ بِالعَقْلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جَوابُ ﴿أمّا﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهم: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؟ فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُ الكافِرِ بِكَوْنِهِ مُجْرِمًا في مَعْرِضِ الطَّعْنِ فِيهِ والذَّمِّ لَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ كُفّارًا ما كانُوا عُدُولًا في أدْيانِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانُوا فُسّاقًا في ذَلِكَ الدِّينِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ والسّاعَةُ رَفْعًا ونَصْبًا، قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى الوَعْدِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى وقِيلَ: (السّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها)، قالَ الأخْفَشُ: الرَّفْعُ أجْوَدُ في المَعْنى وأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ، إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِ إنَّ لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مَجِيءِ الكَلامِ الأوَّلِ بِتَمامِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم إذا قِيلَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ وإنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها قالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

أقُولُ: الأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْمَ كانُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن كانَ قاطِعًا بِنَفْيِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، ومِنهم مَن كانَ شاكًّا مُتَحَيِّرًا فِيهِ، لِأنَّهم لِكَثْرَةِ ما سَمِعُوهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، ولِكَثْرَةِ ما سَمِعُوهُ مِن دَلائِلَ القَوْلِ بِصِحَّتِهِ صارُوا شاكِّينَ فِيهِ، وهُمُ الَّذِينَ أرادَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى حَكى مَذْهَبَ أُولَئِكَ القاطِعِينَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِ هَؤُلاءِ؛ فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ مُغايِرِينَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ في الآخِرَةِ، ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ يَعُدُّونَها حَسَناتٍ؛ فَصارَ ذَلِكَ أوَّلَ خُسْرانِهِمْ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، وهَذا كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لَمّا قالُوا: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ إنَّما ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَهَذا الفَرِيقُ شَرٌّ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلِينَ كانُوا مُنْكِرِينَ وما كانُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وهَذا الفَرِيقُ ضَمُّوا إلى الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ الِاسْتِهْزاءَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وفي تَفْسِيرِ هَذا النِّسْيانِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: نَتْرُكُكم في العَذابِ كَما تَرَكْتُمُ الطّاعَةَ الَّتِي هي الزّادُ لِيَوْمِ المَعادِ.

الثّانِي: نَجْعَلُكم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَنسِيِّ غَيْرِ المُبالى بِهِ، كَما لَمْ تُبالُوا أنْتُمْ بِلِقاءِ يَوْمِكم ولَمْ تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ بَلْ جَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ الَّذِي يُطْرَحُ نَسْيًا

صفحة ٢٣٦
مَنسِيًّا.
فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن وُجُوهِ العَذابِ الشَّدِيدِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:

فَأوَّلُها: قَطْعُ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ.

وثانِيها: أنَّهُ يَصِيرُ مَأْواهُمُ النّارَ.

وثالِثُها: أنْ لا يَحْصُلَ لَهم أجْرٌ مِنَ الأعْوانِ والأنْصارِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُقالُ لَهم: إنَّكم إنَّما صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ لِأجْلِ أنَّكم أتَيْتُمْ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ:

فَأوَّلُها: الإصْرارُ عَلى إنْكارِ الدِّينِ الحَقِّ.

وثانِيها: الِاسْتِهْزاءُ بِهِ والسُّخْرِيَةُ مِنهُ.

وهَذانِ الوَجْهانِ داخِلانِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

وثالِثُها: الِاسْتِغْراقُ في حُبِّ الدُّنْيا والإعْراضُ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ بِضَمِّها، ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ ولا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم، أيْ يُرْضُوهُ.
ولَمّا تَمَّ الكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ خَتَمَ السُّورَةَ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ فاحْمِدُوا اللَّهَ الَّذِي هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، بَلْ خالِقُ كُلِّ العالَمِينَ مِنَ الأجْسامِ والأرْواحِ والذَّواتِ والصِّفاتِ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةَ تُوجِبُ الحَمْدَ والثَّناءَ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ والمَرْبُوبِينَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا مُشْعِرٌ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ التَّكْبِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّحْمِيدِ، والإشارَةُ إلى أنَّ الحامِدِينَ إذا حَمِدُوهُ وجَبَ أنْ يَعْرِفُوا أنَّهُ أعْلى وأكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ الحَمْدُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لائِقًا بِإنْعامِهِ، بَلْ هو أكْبَرُ مِن حَمْدِ الحامِدِينَ، وأيادِيهِ أعْلى وأجَلُّ مِن شُكْرِ الشّاكِرِينَ.

والثّانِي: أنَّ هَذا الكِبْرِياءَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا هو.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهُ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ أيِّ شَيْءٍ أرادَ، ولِكَمالِ حِكْمَتِهِ يَخُصُّ كُلَّ نَوْعٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ بِآثارِ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَهَذا يُفِيدُ أنَّ الكامِلَ في القُدْرَةِ وفي الحِكْمَةِ وفي الرَّحْمَةِ لَيْسَ إلّا هو، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، ولا مُحْسِنَ ولا مُتَفَضِّلَ إلّا هو.
قالَ مَوْلانا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الخامِسَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبارَكًا مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا، كَما يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وباهِرِ بُرْهانِهِ وعَظِيمِ إحْسانِهِ، والصَّلاةُ عَلى الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ مِن ساكِنِي أعالِي السَّماواتِ وتُخُومِ الأرْضِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والمُوَحِّدِينَ، خُصُوصًا عَلى سَيِّدِنا ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Jāthiyah 45:37