All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Māʾidah 5:75 Juzʾ 6 Page 120

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏

قالَ الفَرّاءُ: هَذا أمْرٌ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٩١] في آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ جاءَ بِآياتٍ مِنَ اللَّهِ كَما أتَوْا بِأمْثالِها، فَإنْ كانَ اللَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيا المَوْتى عَلى يَدِهِ فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى وفَلَقَ البَحْرَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ كانَ
صفحة ٥٢
خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّها صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها وبِكُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ ولَدُها، قالَ تَعالى في صِفَتِها: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التَّحْرِيمِ: ١٢] .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مَرْيَمَ: ١٧] فَلَمّا كَلَّمَها جِبْرِيلُ وصَدَّقَتْهُ وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الصِّدِّيقَةِ.

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ بِكَوْنِها صِدِّيقَةً غايَةُ بُعْدِها عَنِ المَعاصِي وشِدَّةُ جِدِّها واجْتِهادِها في إقامَةِ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ، فَإنَّ الكامِلَ في هَذِهِ الصِّفَةِ يُسَمّى صِدِّيقًا قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٦٩] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ: الِاسْتِدْلالُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ لَهُ أُمٌّ فَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مَخْلُوقًا لا إلَهًا.

والثّانِي: أنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ؛ لِأنَّهُما كانا مُحْتاجَيْنِ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ، والإلَهُ هو الَّذِي يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ مَن أكَلَ الطَّعامَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُحْدِثَ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن أكَلَ أحْدَثَ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ولا يُحْدِثُونَ.

الثّانِي: أنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنِ الحاجَةِ إلى الطَّعامِ، وهَذِهِ الحاجَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى جَعْلِهِ كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟

الثّالِثُ: أنَّ الإلَهَ هو القادِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، فَلَوْ كانَ إلَهًا لَقَدَرَ عَلى دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَما لَمْ يَقْدِرْ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا لِلْعالَمِينَ ؟ وبِالجُمْلَةِ فَفَسادُ قَوْلِ النَّصارى أظْهَرُ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى دَلِيلٍ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إفْكًا إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْءِ مَأْفُوكٌ عَنْهُ، وقَدْ أفَكَتِ الأرْضُ إذا صُرِفَ عَنْها المَطَرُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أنّى يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنْ تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسانُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصْرِفَ نَفْسَهُ عَنِ الحَقِّ والصِّدْقِ إلى الباطِلِ والجَهْلِ والكَذِبِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَخْتارُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏
وهَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى فَسادِ قَوْلِ النَّصارى، وهو يَحْتَمِلُ أنْواعًا مِنَ الحُجَّةِ:

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُعادُونَهُ ويَقْصِدُونَهُ بِالسُّوءِ، فَما قَدَرَ عَلى الإضْرارِ بِهِمْ، وكانَ أنْصارُهُ وصَحابَتُهُ يُحِبُّونَهُ فَما قَدَرَ عَلى إيصالِ نَفْعٍ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا إلَيْهِمْ، والعاجِزُ عَنِ الإضْرارِ والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟

الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى أنَّ اليَهُودَ صَلَبُوهُ ومَزَّقُوا أضْلاعَهُ، ولَمّا عَطِشَ وطَلَبَ الماءَ مِنهم صَبُّوا الخَلَّ في مَنخِرَيْهِ، ومَن كانَ في الضَّعْفِ هَكَذا كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا ؟

الثّالِثُ: أنَّ إلَهَ العالَمِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، ويَكُونُ كُلُّ ما سِواهُ مُحْتاجًا إلَيْهِ، فَلَوْ كانَ عِيسى كَذَلِكَ لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإلَهَ لا يَعْبُدُ شَيْئًا، إنَّما العَبْدُ هو الَّذِي يَعْبُدُ الإلَهَ، ولَمّا عُرِفَ بِالتَّواتُرِ كَوْنُهُ كانَ مُواظِبًا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما كانَ يَفْعَلُها لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا في تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ إلى غَيْرِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ المَنافِعِ إلى العِبادِ ودَفْعِ المَضارِّ

صفحة ٥٣
عَنْهم ؟ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عَبْدًا كَسائِرِ العَبِيدِ، وهَذا هو عَيْنُ الدَّلِيلِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ لِأبِيهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٤٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمُرادُ مِنهُ التَّهْدِيدُ يَعْنِي: سَمِيعٌ بِكُفْرِهِمْ عَلِيمٌ بِضَمائِرِهِمْ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:75