All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Māʾidah 5:84 Juzʾ 7 Page 122

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And why should we not believe in Allah and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ .

والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ٥٨
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ‏ ‏‏‏‏ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟

قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ‏ ‏‏‏‏ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏
وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفِيدُ الثَّوابَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهَذا الإحْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٨٣]، ومِنَ الإقْرارِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ وهَذا الإقْرارَ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا الإقْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَأمّا أنْ يُنْقَلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى النّارِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقالَ: يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.

الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ لا غَيْرُهم، والمُصاحِبُ لِلشَّيْءِ هو المُلازِمُ لَهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الدَّوامِ بِالكُفّارِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ الفاسِقِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:84