All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Najm 53:2 Juzʾ 27 Page 526

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Your companion [Muhammad] has not strayed, nor has he erred,

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الضَّلالِ والغَيِّ، والَّذِي قالَهُ

صفحة ٢٤٢
بَعْضُهم عِنْدَ مُحاوَلَةِ الفَرْقِ: أنَّ الضَّلالَ في مُقابَلَةِ الهُدى، والغَيَّ في مُقابَلَةِ الرُّشْدِ، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ الأعْرافِ: ١٤٦] وقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [ البَقَرَةِ: ٢٥٦] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الضَّلالَ أعَمُّ اسْتِعْمالًا في الوَضْعِ، تَقُولُ ضَلَّ بِعِيرِي ورَحْلِي، ولا تَقُولُ غَوى، فالمُرادُ مِنَ الضَّلالِ أنْ لا يَجِدَ السّالِكُ إلى مَقْصِدِهِ طَرِيقًا أصْلًا، والغِوايَةُ أنْ لا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ إلى المَقْصِدِ مُسْتَقِيمٌ، يَدُلُّكَ عَلى هَذا أنَّكَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي لَيْسَ عَلى طَرِيقِ السَّدادِ إنَّهُ سَفِيهٌ غَيْرُ رَشِيدٍ، ولا تَقُولُ إنَّهُ ضالٌّ، والضّالُّ كالكافِرِ، والغاوِي كالفاسِقِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏ أيْ ما كَفَرَ، ولا أقَلَّ مِن ذَلِكَ فَما فَسَقَ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [ النِّساءِ: ٦] أوْ نَقُولُ الضَّلالُ كالعَدَمِ، والغِوايَةُ كالوُجُودِ الفاسِدِ في الدَّرَجَةِ والمَرْتَبَةِ، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: سَيِّدُكم والآخَرُ: مُصاحِبُكم، يُقالُ صاحِبُ البَيْتِ ورَبُّ البَيْتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ أيْ ما جُنَّ، فَإنَّ المَجْنُونَ ضالٌّ، وعَلى هَذا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ القَلَمِ: ١ ٤] فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّهُ ما غَوى، بَلْ هو رَشِيدٌ مُرْشِدٌ دالٌّ عَلى اللَّهِ بِإرْشادٍ آخَرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [ ص: ٨٦] وقالَ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [ سَبَأٍ: ٤٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ القَلَمِ: ٤] إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ هاهُنا ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإنَّ هَذا خُلُقٌ عَظِيمٌ، ولِنُبَيِّنَ التَّرْتِيبَ فَنَقُولُ: قالَ أوَّلًا ‏‏ ‏‏ أيْ هو عَلى الطَّرِيقِ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ طَرِيقُهُ الَّذِي هو عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ هو راكِبٌ مَتْنَهُ آخِذٌ سَمْتَ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَسْلُكُ طَرِيقًا لِيَصِلَ إلى مَقْصِدِهِ فَرُبَّما يَبْقى بِلا طَرِيقٍ، ورُبَّما يَجِدُ إلَيْهِ طَرِيقًا بَعِيدًا فِيهِ مَتاعِبُ ومَهالِكُ، ورُبَّما يَجِدُ طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا، ولَكِنَّهُ يَمِيلُ يَمْنَةً ويَسْرَةً فَيَبْعُدُ عَنْهُ المَقْصِدُ، ويَتَأخَّرُ عَلَيْهِ الوُصُولُ، فَإذا سَلَكَ الجادَّةَ ورَكِبَ مَتْنَها كانَ أسْرَعَ وُصُولًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ما ضَلَّ وما غَوى، تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يَضِلُّ أوْ يَغْوى وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، وإنَّما يَضِلُّ مَن يَتَّبِعُ الهَوى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [ ص: ٢٦] فَإنْ قِيلَ ما ذَكَرْتَ مِنَ التَّرْتِيبِ الأوَّلِ عَلى صِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ وصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ في غايَةِ الحُسْنِ، أيْ ما ضَلَّ حِينَ اعْتَزَلَكم وما تَعْبُدُونَ في صِغَرِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ حِينَ اخْتَلى بِنَفْسِهِ ورَأى مَنامَهُ ”ما رَأى“ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الآنَ حَيْثُ أُرْسِلَ إلَيْكم وجُعِلَ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم، فَلَمْ يَكُنْ أوَّلًا ضالًّا ولا غاوِيًا، وصارَ الآنَ مُنْقِذًا مِنَ الضَّلالَةِ ومُرْشِدًا وهادِيًا. وأمّا عَلى ما ذَكَرْتَ أنَّ تَقْدِيرَهُ كَيْفَ يَضِلُّ وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى فَلا تُوافِقُهُ الصِّيغَةُ ؟ نَقُولُ بَلى، وبَيانُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ مَن يُرِيدُ إرْسالَهُ في صِغَرِهِ عَنِ الكُفْرِ والمَعايِبِ القَبِيحَةِ كالسَّرِقَةِ والزِّنا واعْتِيادِ الكَذِبِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ في صِغَرِهِ، لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، وأحْسَنُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ الهَوى أنَّها المَحَبَّةُ، لَكِنْ مِنَ النَّفْسِ، يُقالُ هَوِيتُهُ بِمَعْنى أحْبَبْتُهُ لَكِنَّ الحُرُوفَ الَّتِي في هَوِيَ تَدُلُّ عَلى الدُّنُوِّ والنُّزُولِ والسُّقُوطِ ومِنهُ الهاوِيَةُ، فالنَّفْسُ إذا كانَتْ دَنِيئَةً، وتَرَكَتِ المَعالِيَ وتَعَلَّقَتْ بِالسَّفاسِفِ فَقَدْ هَوَتْ فاخْتَصَّ الهَوى بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ، ولَوْ قُلْتَ أهْواهُ بِقَلْبِي لَزالَ ما فِيهِ مِنَ السَّفالَةِ، لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ بَعْدَ اسْتِبْعادِ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ حَيْثُ لَمْ يُسْتَعْمَلِ الهَوى إلّا في المَواضِعِ الَّذِي يُخالِفُ المَحَبَّةَ، فَإنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مَوْضِعِ المَدْحِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ إلى قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [ النّازِعاتِ: ٣٧ ٤٠] إشارَةٌ إلى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ النَّفْسِ.

صفحة ٢٤٣

The same ayah, in another commentary

An-Najm 53:2