All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Anʿām 6:163 Juzʾ 8 Page 150

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنّافِينَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ورَدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أباطِيلِهِمْ، أمَرَهُ أنْ يَخْتِمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِاللَّهِ، وانْتَصَبَ ”دِينًا“ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ صِراطٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَما قالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفَتْحِ: ٢] .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الزَمُوا دِينًا، وقَوْلُهُ: (قِيَمًا) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَيِّمُ فَيْعِلٌ مِن قامَ كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو أبْلَغُ مِنَ القائِمِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: (قِيَمًا) مَكْسُورَةَ القافِ خَفِيفَةَ الياءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ كالصِّغَرِ والكِبَرِ والحِوَلِ والشِّبَعِ، والتَّأْوِيلُ: دِينًا ذا قِيَمٍ، ووَصَفَ الدِّينَ بِهَذا الوَصْفِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقَوْلُهُ: (مِلَّةَ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وحَنِيفًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، والمَعْنى: هَدانِي رَبِّي وعَرَّفَنِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَهُ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ عَرَّفَهُ كَيْفَ يَقُومُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُؤَدِّيهِ مَعَ الإخْلاصِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في العِباداتِ أنْ يُؤْتى بِها كَيْفَ كانَتْ بَلْ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِها مَعَ تَمامِ الإخْلاصِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُسُكِي﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةُ بِعَيْنِها، يَقُولُ: مَن فَعَلَ كَذا فَعَلَيْهِ نُسُكٌ؛ أيْ: دَمٌ يُهَرِيقُهُ، وجَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والذَّبْحِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكَوْثَرِ: ٢] ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، وقِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ، وصَفّاها كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ، فالنُّسُكُ كُلُّ ما تَقَرَّبْتَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. إلّا أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ في العُرْفِ الذَّبْحُ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ حَياتِي ومَوْتِي لِلَّهِ.

صفحة ١١
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَأثْبَتَ كَوْنَ الكُلِّ لِلَّهِ، والمَحْيا والمَماتُ لَيْسا لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلْ مَعْنى كَوْنِهِما لِلَّهِ أنَّهُما حاصِلانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الصَّلاةِ والنُّسُكِ لِلَّهِ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِما واقِعَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ طاعاتِ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وقَرَأ نافِعٌ (مَحْيايْ) ساكِنَةَ الياءِ ونَصَبَها في مَماتِي، وإسْكانُ الياءِ في مَحْيايَ شاذٌّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَلْتَقِيانِ عَلى هَذا الحَدِّ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ، أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ صَلاتَهُ وسائِرَ عِباداتِهِ وحَياتَهُ ومَماتَهُ كُلَّها واقِعَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ وحُكْمِهِ، ثُمَّ نَصَّ عَلى أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَقُولُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ: أيْ وبِهَذا التَّوْحِيدِ أُمِرْتُ.

ثُمَّ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا لِمُسْلِمِي زَمانِهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:163