All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Ḥāqqah 69:23 Juzʾ 29 Page 567

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Its [fruit] to be picked hanging near.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وهو أنَّ مَن صارَ في ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ.

صفحة ١٠٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:23