All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Aʿrāf 7:5 Juzʾ 8 Page 151

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

صفحة ١٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإنْذارِ والتَّبْلِيغِ، وأمَرَ القَوْمَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما في تَرْكِ المُتابَعَةِ والإعْراضِ عَنْها مِنَ الوَعِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ (كَمْ) رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ أهْلَكْناها. قالَ: وهو أحْسَنُ مِن أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: لِأنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ أجْوَدُ مِن قَوْلِكَ: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، والنَّصْبُ جَيِّدٌ عَرَبِيٌّ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [القَمَرِ: ١٩] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والبَأْسُ لا يَلِيقُ إلّا بِالأهْلِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَعادَ الضَّمِيرُ إلى أهْلِ القَرْيَةِ.

وثالِثُها: إنَّ الزَّجْرَ والتَّحْذِيرَ لا يَقَعُ لِلْمُكَلَّفِينَ إلّا بِإهْلاكِهِمْ.

ورابِعُها: إنَّ مَعْنى البَياتِ والقائِلَةِ لا يَصِحُّ إلّا فِيهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا قالَ أهْلَكْناها ؟ أجابُوا بِأنَّهُ تَعالى رَدَّ الكَلامَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ (الطَّلاقِ: ٨) فَرَدَّهُ عَلى اللَّفْظِ. ثُمَّ قالَ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَرَدَّهُ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، ولِهَذا السَّبَبِ قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ قالَ: فَجاءَهم بَأْسُنا لَكانَ صَوابًا، وقالَ بَعْضُهم: لا مَحْذُوفَ في الآيَةِ، والمُرادُ إهْلاكُ نَفْسِ القَرْيَةِ؛ لِأنَّ في إهْلاكِها بِهَدْمٍ أوْ خَسْفٍ أوْ غَيْرِهِما إهْلاكَ مَن فِيها، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُتَقَدِّمًا عَلى مَجِيءِ البَأْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَجِيءَ البَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلى الإهْلاكِ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْ هَذا السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أهْلَكْناها) أيْ: حَكَمْنا بِهَلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا.

وثانِيها: كَمْ مِن قَرْيَةٍ أرَدْنا إهْلاكَها فَجاءَها بَأْسُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (المائِدَةِ: ٦)

وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَهم إهْلاكُنا لَمْ يَكُنِ السُّؤالُ وارِدًا، فَكَذا هَهُنا؛ لِأنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الإهْلاكِ بِلَفْظِ البَأْسِ. فَإنْ قالُوا: السُّؤالُ باقٍ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فاءُ التَّعْقِيبِ، وهو يُوجِبُ المُغايَرَةَ. فَنَقُولُ: الفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكم حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ فَيَغْسِلُ وجْهَهُ ويَدَيْهِ» فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَيَغْسِلُ لِلتَّفْسِيرِ، لِأنَّ غَسْلَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ كالتَّفْسِيرِ لِوَضْعِ الطَّهُورِ مَواضِعَهُ. فَكَذَلِكَ هَهُنا البَأْسُ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ، لِذَلِكَ الإهْلاكِ، لِأنَّ الإهْلاكَ، قَدْ يَكُونُ بِالمَوْتِ المُعْتادِ، وقَدْ يَكُونُ بِتَسْلِيطِ البَأْسِ والبَلاءِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ ذِكْرُ البَأْسِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الإهْلاكِ.

الرّابِعُ: قالَ الفَرّاءُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: البَأْسُ والهَلاكُ يَقَعانِ مَعًا، كَما يُقالُ: أعْطَيْتَنِي فَأحْسَنْتَ، وما كانَ الإحْسانُ بَعْدَ الإعْطاءِ ولا قَبْلَهُ، وإنَّما وقَعا مَعًا فَكَذا هَهُنا، وقَوْلُهُ: (بَياتًا) قالَ الفَرّاءُ يُقالُ: باتَ الرَّجُلُ يَبِيتُ بَيْتًا، ورُبَّما قالُوا: بَياتًا، قالُوا: وسُمِّيَ البَيْتُ؛ لِأنَّهُ يَباتُ فِيهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: (بَياتًا) مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ بِمَعْنى بائِتِينَ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: (بَياتًا) كَأنَّهُ قِيلَ: فَجاءَها بَأْسُنا بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ.

قالَ الفَرّاءُ: وفِيهِ واوٌ مُضْمَرَةٌ، والمَعْنى: أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ وهم قائِلُونَ، إلّا أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ العَطْفِ، ولَوْ قِيلَ: كانَ صَوابًا، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَوابٍ: لِأنَّ واوَ الحالِ قَرِيبَةٌ مِن واوِ العَطْفِ،

صفحة ١٩
فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ المِثْلَيْنِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، ولَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ راجِلًا وهو فارِسٌ لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلى واوِ العَطْفِ.
البَحْثُ الثّانِي: كَلِمَةُ ”أوْ“ دَخَلَتْ هَهُنا بِمَعْنى أنَّهم جاءَهم بَأْسُنا مَرَّةً لَيْلًا ومَرَّةً نَهارًا، وفي القَيْلُولَةِ قَوْلانِ: قالَ اللَّيْثُ: القَيْلُولَةُ نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهارِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ لا نَوْمَ فِيها واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (الفُرْقانِ: ٢٤) ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم جاءَهم بَأْسُنا وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ، إمّا لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ، والمَقْصُودُ: أنَّهم جاءَهُمُ العَذابُ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهم مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ أمارَةٍ تَدُلُّهم عَلى نُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلْكَفّارِ: لا تَغْتَرُّوا بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ والفَراغِ، فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ إذا وقَعَ، وقَعَ دَفْعَةً مِن غَيْرِ سَبْقِ أمارَةٍ، فَلا تَغْتَرُّوا بِأحْوالِكم.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّعْوى اسْمٌ يَقُومُ مَقامَ الِادِّعاءِ، ومَقامَ الدُّعاءِ حَكى سِيبَوَيْهِ: اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دُعاءِ المُسْلِمِينَ، ودَعْوى المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما كانَ تَضَرُّعُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ، فَأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالشِّرْكِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَما كانَ قَوْلُهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا الِاعْتِرافَ بِالظُّلْمِ والإقْرارَ بِالإساءَةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ أنْ رَفْعًا بِكانَ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ نَصْبًا كَقَوْلِهِ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا﴾ (النَّمْلِ: ٥٦) وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ (الحَشْرِ: ١٧) وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ (الجاثِيَةِ: ٢٥) قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا عَلى الضِّدِّ مِن هَذا بِأنْ يَكُونَ الدَّعْوى رَفْعًا، وإنْ قالُوا نَصْبًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: (لَيْسَ البِرُّ أنْ تَوُلُّوا ) (البَقَرَةِ: ١٧٧) عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ البِرَّ، والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّهُ إذا حَصَلَ بَعْدَ كَلِمَةِ كانَ مَعْرِفَتانِ، فَأنْتَ بِالخِيارِ في رَفْعِ أيِّهِما شِئْتَ، وفي نَصْبِ الآخَرِ، كَقَوْلِكَ: كانَ زَيْدٌ أخاكَ، وإنْ شِئْتَ كانَ زَيْدًا أخُوكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أنْ يَقُولَ: (فَما كانَتْ دَعْواهم) فَلَمّا قالَ: كانَ، دَلَّ عَلى أنَّ الدَّعْوى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَذْكِيرُ الدَّعْوى، وإنْ كانَتْ رَفْعًا فَتَقُولُ: كانَ دَعْواهُ باطِلًا، وباطِلَةً، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّسُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وأمَرَ الأُمَّةَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ، وذَكَرَ التَّهْدِيدَ عَلى تَرْكِ القَبُولِ والمُتابَعَةِ بِذِكْرِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى

صفحة ٢٠
يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ الِاقْتِصارُ عَلى ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الِاعْتِرافِ. بَلْ يَنْضافُ إلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَخْتَصُّ بِأهْلِ العِقابِ. بَلْ هو عامٌّ في أهْلِ العِقابِ وأهْلِ الثَّوابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُمُ الأُمَّةُ، والمُرْسَلُونَ هُمُ الرُّسُلُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسْألُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنْ يُخْبِرَ المَسْؤُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ بَعْدَهُ ؟

وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإذا كانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، فَما مَعْنى هَذا السُّؤالِ ؟

والجَوابُ: أنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ مُقَصِّرِينَ، سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ والتَّقْصِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التَحَقَ التَّقْصِيرُ بِكُلِّيَّتِهِ بِالأُمَّةِ، فَيَتَضاعَفُ إكْرامُ اللَّهِ في حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِباتِ التَّقْصِيرِ، ويَتَضاعَفُ أسْبابُ الخِزْيِ والإهانَةِ في حَقِّ الكُفّارِ، لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ كانَ مِنهم.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُكَرِّرُ ويُبَيِّنُ لِلْقَوْمِ ما أعْلَنُوهُ وأسَرُّوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وأنْ يَقُصَّ الوُجُوهَ الَّتِي لِأجْلِها أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُصَّ تِلْكَ الأحْوالَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ما كانَ غائِبًا عَنْ أحْوالِهِمْ بَلْ كانَ عالِمًا بِها. وما خَرَجَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُمَيِّزَ المُطِيعَ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنَ عَنِ المُسِيءِ، فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، امْتَنَعَ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِكَوْنِهِ تَعالى آمِرًا ناهِيًا مُثِيبًا مُعاقِبًا، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ والقِيامَةِ بَيَّنَ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، وأنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا عِلْمَ لِلَّهِ، قَوْلٌ باطِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ (الرَّحْمَنِ: ٣٩) وقَوْلِهِ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ (القَصَصِ: ٧٨) .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إنَّ القَوْمَ لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّ الكُتُبَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها ولَكِنَّهم يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ، وعَنِ الصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها.

وثانِيها: إنَّ السُّؤالَ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِفادَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ والإهانَةِ، كَقَوْلِ القائِلِ: ألَمْ أُعْطِكَ ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ (يس: ٦٠) قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ٢١

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَسْألُ أحَدًا لِأجْلِ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِرْشادِ، ويَسْألُهم لِأجْلِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ وإهانَتِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ٢٧) ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) فَإنَّ الآيَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَهم إنَّما كانَتْ عَلى سَبِيلِ أنَّ بَعْضَهم يَلُومُ بَعْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (القَلَمِ: ٣٠) وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ واللُّطْفِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ المَيْلَ والرَّحْمَةَ والإكْرامَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ ومَواقِفَها كَثِيرَةٌ، فَأخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الأوْقاتِ بِحُصُولِ السُّؤالِ، وعَنْ بَعْضِها بِعَدَمِ السُّؤالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ كُلَّ عِبادِهِ؛ لِأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا أوْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، ويُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا حِسابَ عَلى الأنْبِياءِ والكُفّارِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَوْ كانَ تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ غائِبًا عَنّا.

فَإنْ قالُوا: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما كانَ غائِبًا عَنْهم بِالعِلْمِ والإحاطَةِ.

قُلْنا: هَذا تَأْوِيلٌ والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ.

فَإنْ قالُوا: فَأنْتُمْ لَمّا قُلْتُمْ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، فَقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا بِكَوْنِهِ غائِبًا.

قُلْنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغائِبَ هو الَّذِي يَعْقِلُ أنْ يَحْضُرَ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ وكانَ ذَلِكَ مُحالًا في حَقِّهِ، امْتَنَعَ وصْفُهُ بِالغَيْبَةِ والحُضُورِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّسُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وأمَرَ الأُمَّةَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ، وذَكَرَ التَّهْدِيدَ عَلى تَرْكِ القَبُولِ والمُتابَعَةِ بِذِكْرِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى

صفحة ٢٠
يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ الِاقْتِصارُ عَلى ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الِاعْتِرافِ. بَلْ يَنْضافُ إلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَخْتَصُّ بِأهْلِ العِقابِ. بَلْ هو عامٌّ في أهْلِ العِقابِ وأهْلِ الثَّوابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُمُ الأُمَّةُ، والمُرْسَلُونَ هُمُ الرُّسُلُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسْألُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنْ يُخْبِرَ المَسْؤُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ بَعْدَهُ ؟

وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإذا كانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، فَما مَعْنى هَذا السُّؤالِ ؟

والجَوابُ: أنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ مُقَصِّرِينَ، سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ والتَّقْصِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التَحَقَ التَّقْصِيرُ بِكُلِّيَّتِهِ بِالأُمَّةِ، فَيَتَضاعَفُ إكْرامُ اللَّهِ في حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِباتِ التَّقْصِيرِ، ويَتَضاعَفُ أسْبابُ الخِزْيِ والإهانَةِ في حَقِّ الكُفّارِ، لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ كانَ مِنهم.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُكَرِّرُ ويُبَيِّنُ لِلْقَوْمِ ما أعْلَنُوهُ وأسَرُّوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وأنْ يَقُصَّ الوُجُوهَ الَّتِي لِأجْلِها أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُصَّ تِلْكَ الأحْوالَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ما كانَ غائِبًا عَنْ أحْوالِهِمْ بَلْ كانَ عالِمًا بِها. وما خَرَجَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُمَيِّزَ المُطِيعَ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنَ عَنِ المُسِيءِ، فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، امْتَنَعَ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِكَوْنِهِ تَعالى آمِرًا ناهِيًا مُثِيبًا مُعاقِبًا، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ والقِيامَةِ بَيَّنَ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، وأنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا عِلْمَ لِلَّهِ، قَوْلٌ باطِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ (الرَّحْمَنِ: ٣٩) وقَوْلِهِ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ (القَصَصِ: ٧٨) .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إنَّ القَوْمَ لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّ الكُتُبَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها ولَكِنَّهم يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ، وعَنِ الصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها.

وثانِيها: إنَّ السُّؤالَ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِفادَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ والإهانَةِ، كَقَوْلِ القائِلِ: ألَمْ أُعْطِكَ ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ (يس: ٦٠) قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ٢١

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَسْألُ أحَدًا لِأجْلِ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِرْشادِ، ويَسْألُهم لِأجْلِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ وإهانَتِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ٢٧) ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) فَإنَّ الآيَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَهم إنَّما كانَتْ عَلى سَبِيلِ أنَّ بَعْضَهم يَلُومُ بَعْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (القَلَمِ: ٣٠) وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ واللُّطْفِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ المَيْلَ والرَّحْمَةَ والإكْرامَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ ومَواقِفَها كَثِيرَةٌ، فَأخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الأوْقاتِ بِحُصُولِ السُّؤالِ، وعَنْ بَعْضِها بِعَدَمِ السُّؤالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ كُلَّ عِبادِهِ؛ لِأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا أوْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، ويُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا حِسابَ عَلى الأنْبِياءِ والكُفّارِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَوْ كانَ تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ غائِبًا عَنّا.

فَإنْ قالُوا: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما كانَ غائِبًا عَنْهم بِالعِلْمِ والإحاطَةِ.

قُلْنا: هَذا تَأْوِيلٌ والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ.

فَإنْ قالُوا: فَأنْتُمْ لَمّا قُلْتُمْ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، فَقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا بِكَوْنِهِ غائِبًا.

قُلْنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغائِبَ هو الَّذِي يَعْقِلُ أنْ يَحْضُرَ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ وكانَ ذَلِكَ مُحالًا في حَقِّهِ، امْتَنَعَ وصْفُهُ بِالغَيْبَةِ والحُضُورِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 7:5–9 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Aʿrāf 7:5