All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Mursalāt 77:23 Juzʾ 29 Page 581

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And We determined [it], and excellent [are We] to determine.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن تَخْوِيفِ الكُفّارِ، ووَجْهُ التَّخْوِيفِ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَّرَهم عَظِيمَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ، وكُلَّما كانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أكْثَرَ كانَتْ جِنايَتُهم في حَقِّهِ أقْبَحَ وأفْحَشَ، وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ كانَ العِقابُ أعْظَمَ، فَلِهَذا قالَ عَقِيبَ ذِكْرِ هَذا الإنْعامِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَّرَهم كَوْنَهُ قادِرًا عَلى الِابْتِداءِ، وظاهِرٌ في العَقْلِ أنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، فَلَمّا أنْكَرُوا هَذِهِ الدَّلالَةَ الظّاهِرَةَ لا جَرَمَ قالَ في حَقِّهِمْ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، وأمّا التَّفْسِيرُ فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [السجدة: ٨]، ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وهو الرَّحِمُ؛ لِأنَّ ما يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ لا بُدَّ وأنْ يَثْبُتَ في الرَّحِمِ ويَتَمَكَّنَ، بِخِلافِ ما لا يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ، ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ كَوْنُهُ في الرَّحِمِ إلى وقْتِ الوِلادَةِ، وذَلِكَ الوَقْتُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [لقمان: ٣٤] . ‏‏‏‏‏‏ قَرَأ نافِعٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أمّا التَّشْدِيدُ فالمَعْنى: إنّا قَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [عبس: ١٩] ولِأنَّ إيقاعَ الخَلْقِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّحْدِيدِ نِعْمَةٌ مِنَ المُقَدِّرِ عَلى المَخْلُوقِ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ في مَوْضِعِ ذِكْرِ

صفحة ٢٤١
المِنَّةِ والنِّعْمَةِ، ومَن طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ قالَ: لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَقَدَّرْنا فَنَعِمَ المُقَدِّرُونَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَرَبَ قَدْ تَجْمَعُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الطارق: ١٧]، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فَفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ فَقَدَرْنا عَلى خَلْقِهِ وتَصْوِيرِهِ كَيْفَ شِئْنا، وأرَدْنا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ خَلَقْناهُ في أحْسَنِ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقالُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى مَعْنى قَدَّرْتُهُ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدَرَ عَلَيْهِ المَوْتَ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ المَوْتَ، وقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وقَدَّرَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] .

The same ayah, in another commentary

Al-Mursalāt 77:23