All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Mursalāt 77:28 Juzʾ 29 Page 581

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Woe, that Day, to the deniers.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن تَخْوِيفِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ذَكَّرَهم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَّرَهم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ في الآفاقِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، والسَّبَبُ فِيهِ ما قَدَّمْنا أنَّ النِّعَمَ كُلَّما كانَتْ أكْثَرَ كانَتِ الجِنايَةُ أقْبَحَ، فَكانَ اسْتِحْقاقُ الذَّمِّ عاجِلًا والعِقابِ آجِلًا أشَدَّ، وإنَّما قَدَّمَ تِلْكَ الآيَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ النِّعَمَ الَّتِي في الأنْفُسِ كالأصْلِ لِلنِّعَمِ الَّتِي في الآفاقِ، فَإنَّهُ لَوْلا الحَياةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ والأعْضاءُ السَّلِيمَةُ لَما كانَ الِانْتِفاعُ بِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقِ مُمْكِنًا.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا ثَلاثَةَ أشْياءَ:

أوَّلُها: الأرْضُ، وإنَّما قَدَّمَها لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ إلَيْنا مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ هو الأرْضُ، ومَعْنى الكِفاتِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ: كَفَتُّ الشَّيْءَ أيْ ضَمَمْتُهُ، ويُقالُ: جِرابٌ كَفِيتٌ وكِفْتٌ إذا كانَ لا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِمّا يُجْعَلُ فِيهِ، ويُقالُ لِلْقِدْرِ: كِفْتٌ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هو اسْمُ ما يَكْفِتُ، كَقَوْلِهِمْ: الضِّمامُ والجِماعُ لِما يَضُمُّ ويَجْمَعُ، ويُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وتَقُولُ: شَدَدْتُ الشَّيْءَ، ثُمَّ تُسَمِّي الخَيْطَ الَّذِي تَشْدُدُ بِهِ الشَّيْءَ شِدادًا، وبِهِ انْتَصَبَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَأنَّهُ قِيلَ: كافِتَةً أحْياءً وأمْواتًا، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو نَكْفِتُ، ويَكُونُ المَعْنى نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيُنْصَبانِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، هَذا هو اللُّغَةُ، ثُمَّ في المَعْنى وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها تَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها وأمْواتًا في بَطْنِها، والمَعْنى أنَّ الأحْياءَ يَسْكُنُونَ في مَنازِلِهِمْ والأمْواتَ يُدْفَنُونَ في قُبُورِهِمْ، ولِهَذا كانُوا يُسَمُّونَ الأرْضَ أُمًّا؛ لِأنَّها في ضَمِّها لِلنّاسِ كالأُمِّ الَّتِي تَضُمُّ ولَدَها وتَكْفُلُهُ، ولَمّا كانُوا يُضَمُّونَ إلَيْها، جُعِلَتْ كَأنَّها تَضُمُّهم.

وثانِيها: أنَّها كِفاتُ الأحْياءِ، بِمَعْنى أنَّها تَكْفِتُ ما يَنْفَصِلُ عَنِ الأحْياءِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَأمّا أنَّها تَكْفِتُ [ الأحْياءَ ] حالَ كَوْنِهِمْ عَلى ظَهْرِها فَلا.

وثالِثُها: أنَّها كِفاتُ الأحْياءِ بِمَعْنى أنَّها جامِعَةٌ لِما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلَيْهِ في حاجاتِهِ مِن مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، والأبْنِيَةُ الجامِعَةُ لِلْمَصالِحِ الدّافِعَةُ لِلْمَضارِّ مَبْنِيَّةٌ مِنها.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ راجِعٌ إلى الأرْضِ، والحَيُّ ما أُنْبِتَ، والمَيِّتُ ما لَمْ يُنْبَتْ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى التَّنْكِيرِ، وهي كِفاتُ الأحْياءِ والأمْواتِ جَمِيعًا ؟ الجَوابُ: هو مِن

صفحة ٢٤٢
تَنْكِيرِ التَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَكْفِتُ أحْياءً لا يُعَدُّونَ، وأمْواتًا لا يُحْصَرُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ قَطْعِ النَّبّاشِ ؟ الجَوابُ: نَقَلَ القَفّالُ أنَّ رَبِيعَةَ قالَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأرْضَ كِفاتُ المَيِّتِ فَتَكُونُ حِرْزًا لَهُ، والسّارِقُ مِنَ الحِرْزِ يَجِبُ عَلَيْهِ القَطْعُ.

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، فَقَوْلُهُ: ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ: ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ لا تَزُولُ، و﴿شامِخاتٍ﴾ أيْ عالِياتٍ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ، ويُقالُ لِلْمُتَكَبِّرِ: شامِخٌ بِأنْفِهِ. ومَنافِعُ خِلْقَةِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ النِّعَمِ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏، الفُراتُ هو الغايَةُ في العُذُوبَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] .

The same ayah, in another commentary

Al-Mursalāt 77:28