قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ قيل: سَبَب سُؤَاله ذَلِك: أَن إِبْرَاهِيم مر على حَيَوَان على شط الْبَحْر مزقته السبَاع والوحش، وَكَانَ يَأْكُل مِنْهُ حيتان الْبَحْر، فَقَالَ: رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى.
وَفِيه قَول آخر: أَنه لما حجه نمروذ فِي إحْيَاء الْمَوْتَى؛ أَرَادَ أَن يعرف بالعيان مَا آمن بِهِ بالْخبر وَالِاسْتِدْلَال.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَو لم تؤمن﴾ يَعْنِي: قد آمَنت فَلم تسْأَل؟ وَهَذَا مثل قَول الشَّاعِر:
(ألستم خير من ركب المطايا ... )
يَعْنِي: أَنْتُم كَذَلِك.
وَقَوله: ﴿قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَكَانَ إِبْرَاهِيم شاكا فِيهِ ﴿لِيَطمَئِن قلبِي قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ﴾ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى السُّؤَال، وَمَا معنى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم "؟ وَالْجَوَاب: أَنه لم يكن شاكا فِيهِ، وَلكنه إِنَّمَا آمن بالْخبر وَالِاسْتِدْلَال، فَأَرَادَ أَن يعرفهُ عيَانًا.
قَالَ عِكْرِمَة: لِيَزْدَادَ يَقِينا على يَقِين؛ لِأَن العيان فَوق الْخَبَر فِي ارْتِفَاع الْعلم. وَقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: " لَيْسَ الْخَبَر كالمعاينة ".
وَأما قَوْله: ﴿وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنه لما سَأَلَ ذَلِك تعلق بِهِ قلبه، فَقَالَ: وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي عَن ذَلِك التَّعَلُّق.
وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن الله تَعَالَى لما اتَّخذهُ خَلِيلًا، قَالَ ملك الْمَوْت: يَا رب، ائْذَنْ لي حَتَّى أُبَشِّرهُ؛ فبشره بِأَن الله اتخذك خَلِيلًا فَأَرَادَ أَن يرِيه الله إحْيَاء الْمَوْتَى تَخْصِيصًا لَهُ بكرامته؛ لِيَطمَئِن قلبه بالخلة.
وَقيل مَعْنَاهُ: وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي، فأعرف أَنِّي إِذا سَأَلتك أَعْطَيْتنِي، وَإِذا دعوتك أجبتني. وَأما قَوْله: " نَحن أَحَق بِالشَّكِّ من إِبْرَاهِيم " إِنَّمَا قَالَه على سَبِيل التَّوَاضُع، يَعْنِي: نَحن دونه، وأحق بِالشَّكِّ مِنْهُ، فَإِذا لمن نشك نَحن فَكيف يشك إِبْرَاهِيم؟
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَخذ أَرْبَعَة من الطير﴾ قيل: هِيَ الطاووس، والديك، والحمامة، والغراب.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فصرهن إِلَيْك﴾ أَي: فَضَمَّهُنَّ إِلَيْك. وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الصَّاد.
وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فَخذ أَرْبَعَة من الطير إِلَيْك فصرهن، أَي: فقطعن،
وَقَوله: ﴿ثمَّ اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ قيل: جعلهَا على أَرْبَعَة أجبل.
وَقَالَ السدى: على سَبْعَة أجبل، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: على أَرْبَعَة أَربَاع الْعَالم، جُزْءا على جبل بِجَانِب الشرق، وجزءا على جبل جَانب الغرب، وجزءا على الشمَال، وجزءا على الْجنُوب.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بقوله: ﴿اجْعَل على كل جبل مِنْهُنَّ جُزْءا﴾ أَي: عشرا، وَكَانَ على عشرَة أجبل؛ حَتَّى ذهب بعض الْعلمَاء من هَذَا إِلَى أَنه لَو أوصى الْإِنْسَان بِجُزْء من مَاله ينْصَرف إِلَى الْعشْر.
وَقَوله: ﴿ثمَّ ادعهن يأتينك سعيا﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَنه جُزْء تِلْكَ الطُّيُور الْأَرْبَعَة، وخلط اللَّحْم بِاللَّحْمِ، والريش بالريش، والعظم بالعظم، وَجعلهَا على الأجبل.
وَقيل: دقه بالهاون وَأخذ رءوسهن بَين أَصَابِعه، وَقيل: مناقيرهن، ثمَّ دعاهن؛ فَكَانَ يطير الريش إِلَى الريش، وَاللَّحم إِلَى اللَّحْم، وَالدَّم إِلَى الدَّم، ويركب بَعْضهَا على بعض، وأتين ساعيات إِلَى رءوسهن.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَم أَن الله عَزِيز حَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.