(p-164)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا، تَقُولُ: دايَنْتُهُ إذا عامَلْتَهُ نَسِيئَةً مُعْطِيًا أوْ آخِذًا. وفائِدَةُ ذِكْرِ الدَّيْنِ أنْ لا يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّدايُنِ المُجازاةُ ويُعْلَمُ تَنَوُّعُهُ إلى المُؤَجَّلِ والحالِ، وأنَّهُ الباعِثُ عَلى الكَتَبَةِ ويَكُونُ مَرْجِعُ ضَمِيرِ فاكْتُبُوهُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ بِالأيّامِ والأشْهُرِ لا بِالحَصادِ وقُدُومِ الحاجِّ.
فاكْتُبُوهُ لِأنَّهُ أوْثَقُ وأدْفَعُ لِلنِّزاعِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ اسْتِحْبابٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (أنَّ المُرادَ بِهِ السَّلَمَ وقالَ لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا أباحَ السَّلَمَ) . ﴿ ﴾ مَن يَكْتُبُ السَّوِيَّةَ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لِلْمُتَدايِنِينَ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ فَقِيهٍ دَيِّنٍ حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مَوْثُوقًا بِهِ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ.
﴿ ﴾ ولا يَمْتَنِعْ أحَدٌ مِنَ الكِتابِ. ﴿ ﴾ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَتَبَةِ الوَثائِقِ، أوْ لا يَأْبَ أنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِكِتابَتِهِ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ بِتَعْلِيمِها كَقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ . ﴿﴾ تِلْكَ الكِتابَةَ المُعَلَّمَةَ. أمَرَ بِها بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الإباءِ عَنْها تَأْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الكافُ بِالأمْرِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ مِنها مُطْلَقَةً ثُمَّ الأمْرُ بِها مُقَيَّدَةً. ﴿ ﴾ ولْيَكُنِ المُمْلِي مَن عَلَيْهِ الحَقُّ لِأنَّهُ المُقِرُّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، والإمْلالُ والإمْلاءُ واحِدٌ. ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أيِ المُمْلِي. أوِ الكاتِبُ. ﴿ ﴾ ولا يُنْقِصْ. ﴿ ﴾ أيْ مِنَ الحَقِّ، أوْ مِمّا أُمْلِيَ عَلَيْهِ. ﴿ ﴾ ناقِصَ العَقْلِ مُبَذِّرًا. ﴿ ﴾ صَبِيًّا أوْ شَيْخًا مُخْتَلًّا. ﴿ ﴾ أوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلالِ بِنَفْسِهِ لِخَرَسٍ أوْ جَهْلٍ بِاللُّغَةِ. ﴿ ﴾ أيِ الَّذِي يَلِي أمْرَهُ ويَقُومُ مَقامَهُ مِن قَيِّمٍ إنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مُخْتَلِّ العَقْلِ، أوْ وكِيلٍ أوْ مُتَرْجِمٍ إنْ كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ. وهو دَلِيلُ جَرَيانِ النِّيابَةِ في الإقْرارِ ولَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِما تَعاطاهُ القَيِّمُ أوِ الوَكِيلُ. ﴿ ﴾ واطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ عَلى الدِّينِ شاهِدانِ. ﴿ ﴾ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، وهو دَلِيلُ اشْتِراطِ إسْلامِ الشُّهُودِ وإلَيْهِ ذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ﴿ ﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشّاهِدانِ رَجُلَيْنِ. ﴿ ﴾ فَلْيَشْهَدْ أوْ فَلْيَسْتَشْهِدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وهَذا مَخْصُوصٌ بِالأمْوالِ عِنْدَنا وبِما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. ﴿ ﴾ لِعِلْمِكم بِعَدالَتِهِمْ. ﴿ ﴾ عِلَّةُ اعْتِبارِ العَدَدِ أيْ لِأجْلِ أنَّ إحْداهُما إنْ ضَلَّتِ الشَّهادَةَ بِأنْ نَسِيَتْها ذَكَّرَتْها الأُخْرى، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ التَّذْكِيرُ ولَكِنْ لَمّا كانَ الضَّلالُ سَبَبًا لَهُ نَزَلَ مَنزِلَتَهُ كَقَوْلِهِمْ: أعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَجِيءَ عَدُوٌّ فَأدْفَعُهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: إرادَةَ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِنُقْصانِ عَقْلِهِنَّ وقِلَّةِ ضَبْطِهِنَّ. وقَرَأ حَمْزَةُ أنْ تَضِلَّ عَلى الشَّرْطِ « فَتُذَكِّرُ» بِالرَّفْعِ. وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ فَتُذْكِرَ مِنَ الإذْكارِ. ﴿ ﴾ لِأداءِ الشَّهادَةِ أوِ التَّحَمُّلِ. وسُمُّوا شُهَداءَ قَبْلَ التَّحَمُّلِ تَنْزِيلًا لِما يُشارِفُ مَنزِلَةَ الواقِعِ وما مَزِيدَةٌ. ﴿ ﴾ ولا تَمَلُّوا مِن كَثْرَةِ مُدايَناتِكم أنْ تَكْتُبُوا الدَّيْنَ أوِ الحَقَّ أوِ الكِتابَ. وقِيلَ كَنّى بِالسَّأمِ عَنِ الكَسَلِ لِأنَّهُ صِفَةُ المُنافِقِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا يَقُولُ المُؤْمِنُ كَسِلْتُ» ﴿ ﴾ صَغِيرًا كانَ الحَقُّ أوْ كَبِيرًا، أوْ مُخْتَصَرًا كانَ الكِتابُ أوْ مُشَبَّعًا. إلى أجَلِهِ إلى وقْتِ حُلُولِهِ الَّذِي أقَرَّ بِهِ المَدْيُونُ. ﴿﴾ إشارَةٌ إلى أنْ تَكْتُبُوهُ. ﴿ ﴾ أكْثَرُ قِسْطًا. ﴿ ﴾ وأثْبُتُ لَها وأعُونُ عَلى إقامَتِها، وهُما مَبْنِيّانِ مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ وقَوِيمٍ، وإنَّما صَحَّتِ الواوُ في أقْوَمُ كَما صَحَّتْ في التَّعَجُّبِ لِجُمُودِهِ. ﴿ ﴾ وأقْرَبُ في أنْ لا تَشُكُّوا في جِنْسِ الدِّينِ وقَدْرِهِ وأجَلِهِ والشُّهُودِ ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ والتِّجارَةِ الحاضِرَةِ تَعُمُّ المُبايَعَةَ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ، وإدارَتُها بَيْنَهم تَعاطِيهم إيّاها يَدًا بِيَدٍ أيْ: إلّا أنْ تَتَبايَعُوا يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ أنْ لا تَكْتُبُوا، لِبُعْدِهِ عَنِ التَّنازُعِ والنِّسْيانِ. ونَصَبَ عاصِمٌ تِجارَةً عَلى أنَّهُ الخَبَرُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً كَقَوْلِهِ:
؎ بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا... إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا
(p-165)وَرَفَعَها الباقُونَ عَلى أنَّها الِاسْمُ والخَبَرُ ﴿﴾ أوْ عَلى كانَ التّامَّةِ. ﴿ ﴾ هَذا التَّبايُعَ، أوْ مُطْلَقًا لِأنَّهُ أحْوَطُ. والأوامِرُ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِحْبابِ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ. وقِيلَ: إنَّها لِلْوُجُوبِ ثُمَّ اخْتَلَفَ في إحْكامِها ونَسْخِها. ﴿ ﴾ يَحْتَمِلُ البِناءَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ « ولا يُضارَّ» بِالكَسْرِ والفَتْحِ. وهو نَهْيُهُما عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ والتَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ في الكُتُبِ والشَّهادَةِ، أوِ النَّهْيُ عَنِ الضِّرارِ بِهِما مِثْلَ أنْ يُعَجِّلا عَنْ مُهِمٍّ ويُكَلَّفا الخُرُوجَ عَمّا حُدَّ لَهُما، ولا يُعْطى الكاتِبُ جُعْلَهُ، والشَّهِيدُ مُؤْنَةَ مَجِيئِهِ حَيْثُ كانَ. ﴿ ﴾ الضِّرارَ أوْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ. ﴿ ﴾ خُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ لاحِقٌ بِكم.
﴿ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ﴿ ﴾ أحْكامَهُ المُتَضَمَّنَةَ لِمَصالِحِكم. ﴿ ﴾ كَرَّرَ لَفْظَةَ اللَّهِ في الجُمَلِ الثَّلاثِ لِاسْتِقْلالِها، فَإنَّ الأُولى حَثٌّ عَلى التَّقْوى، والثّانِيَةَ وعْدٌ بِإنْعامِهِ، والثّالِثَةَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ. ولِأنَّهُ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِنَ الكِنايَةِ.