All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

An-Naml 27:18 Juzʾ 19 Page 378

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Until, when they came upon the valley of the ants, an ant said, "O ants, enter your dwellings that you not be crushed by Solomon and his soldiers while they perceive not."

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَمْلِ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ وجُنُودُهُ كانُوا مُشاةً في الأرْضِ، ولِذَلِكَ يَتَّفِقُ حَطْمُ النَمْلِ [بِنُزُولِهِمْ في وادِي النَمْلِ]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا في الكُرْسِيِّ المَحْمُولِ بِالرِيحِ، وأحَسَّتِ النَمْلُ بِنُزُولِهِمْ في وادِ النَمْلِ [وَوادِي النَمْلِ قِيلَ: بِالشامِ، وقِيلَ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مَذْكُورٌ في أشْعارِها].

وأمالَ أبُو عَمْرٍو الواوَ مِن "وادِي"، والجَمِيعُ فَخَّمَ، وبِالإمالَةِ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ. وقَرَأ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: "النَمْلُ" بِضَمِّ المِيمِ كالشَمْسِ، و[قالَتْ نَمْلَةٌ] أيْضًا بِالضَمِّ كَسُمْرَةَ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا ضَمُّ النُونِ والمِيمِ مِنَ "النَمْلِ". وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: كانَ ذَلِكَ النَمْلُ عَلى قَدْرِ الذُبابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ صِغارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ النَمْلَ كانَتْ نِسْبَتُها مِن هَذا الخَلْقِ نِسْبَةَ هَذا النَمْلِ مِنّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهُ أكْمَلَ. وهَذِهِ النَمْلَةُ قالَتْ هَذا المَعْنى -الَّذِي لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا هَذِهِ العِبارَةُ- قَوْلًا فَهِمَهُ عنها النَمْلُ، فَسَمِعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بُعْدِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّها أمَرَتْهم بِما يُؤْمَرُ بِهِ مَن يَعْقِلُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى ثَلاثَةِ (p-٥٢٧)أمْيالٍ فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها. والتَبَسُّمُ ضِحْكُ الأنْبِياءِ في غالِبِ أمْرِهِمْ، لا يَلِيقُ بِهِمْ سِواهُ.

وكانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا، واخْتَلَفَ بِمَ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في إسْماعِهِ وتَفَهُّمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنَبَأِ النَمْلَةِ عَلَيْهِ وعَلى جُنُودِهِ في أنْ نَفَتْ عنهم تَعَمُّدَ القَبِيحِ مِنَ الفِعْلِ، فَجَعَلَتِ الحَطْمَ وهم لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "مَسْكَنِكُمْ" بِسُكُونِ السِينِ عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ "مَساكِنُكُنَّ". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" بِشَدِّ النُونِ وسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ عُبَيْدَةَ: "لا يَحْطِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "لا يُحَطِّمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الطاءِ وشَدِّها وشَدِّ النُونِ، وعنهُ أيْضًا "لا يَحِطِّمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "لا يَحْطِمْكُمْ" مُخَفَّفَةً بِغَيْرِ نُونٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحْطِمَنَكُمْ" مُخَفَّفَةَ النُونِ الَّتِي قَبِلَ الكافِ.

و"ضاحِكًا" نَصَبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "ضَحِكًا"، وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ [بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ"تَبَسَّمَ"، كَأنَّهُ قالَ: "ضَحِكَ ضَحِكًا"، وهَذا مَذْهَبُ صاحِبِ الكِتابِ، أو يَكُونُ مَنصُوبًا بِنَفْسِ "تَبَسَّمَ" لِأنَّهُ في مَعْنى (ضَحِكَ)].

ثُمَّ دَعا سُلَيْمانُ -عَلَيْهِ السَلامُ- رَبَّهُ في أنْ يُعِينَهُ اللهُ تَعالى ويُفَرِّغَهُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، وهَذا هو مَعْنى إيزاعِ الشُكْرِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

(p-٥٢٨)

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So [Solomon] smiled, amused at her speech, and said, "My Lord, enable me to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to do righteousness of which You approve. And admit me by Your mercy into [the ranks of] Your righteous servants."

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَمْلِ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ وجُنُودُهُ كانُوا مُشاةً في الأرْضِ، ولِذَلِكَ يَتَّفِقُ حَطْمُ النَمْلِ [بِنُزُولِهِمْ في وادِي النَمْلِ]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا في الكُرْسِيِّ المَحْمُولِ بِالرِيحِ، وأحَسَّتِ النَمْلُ بِنُزُولِهِمْ في وادِ النَمْلِ [وَوادِي النَمْلِ قِيلَ: بِالشامِ، وقِيلَ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مَذْكُورٌ في أشْعارِها].

وأمالَ أبُو عَمْرٍو الواوَ مِن "وادِي"، والجَمِيعُ فَخَّمَ، وبِالإمالَةِ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ. وقَرَأ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: "النَمْلُ" بِضَمِّ المِيمِ كالشَمْسِ، و[قالَتْ نَمْلَةٌ] أيْضًا بِالضَمِّ كَسُمْرَةَ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا ضَمُّ النُونِ والمِيمِ مِنَ "النَمْلِ". وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: كانَ ذَلِكَ النَمْلُ عَلى قَدْرِ الذُبابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ صِغارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ النَمْلَ كانَتْ نِسْبَتُها مِن هَذا الخَلْقِ نِسْبَةَ هَذا النَمْلِ مِنّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهُ أكْمَلَ. وهَذِهِ النَمْلَةُ قالَتْ هَذا المَعْنى -الَّذِي لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا هَذِهِ العِبارَةُ- قَوْلًا فَهِمَهُ عنها النَمْلُ، فَسَمِعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بُعْدِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّها أمَرَتْهم بِما يُؤْمَرُ بِهِ مَن يَعْقِلُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى ثَلاثَةِ (p-٥٢٧)أمْيالٍ فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها. والتَبَسُّمُ ضِحْكُ الأنْبِياءِ في غالِبِ أمْرِهِمْ، لا يَلِيقُ بِهِمْ سِواهُ.

وكانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا، واخْتَلَفَ بِمَ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في إسْماعِهِ وتَفَهُّمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنَبَأِ النَمْلَةِ عَلَيْهِ وعَلى جُنُودِهِ في أنْ نَفَتْ عنهم تَعَمُّدَ القَبِيحِ مِنَ الفِعْلِ، فَجَعَلَتِ الحَطْمَ وهم لا يَشْعُرُونَ.

وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "مَسْكَنِكُمْ" بِسُكُونِ السِينِ عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ "مَساكِنُكُنَّ". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" بِشَدِّ النُونِ وسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ عُبَيْدَةَ: "لا يَحْطِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "لا يُحَطِّمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الطاءِ وشَدِّها وشَدِّ النُونِ، وعنهُ أيْضًا "لا يَحِطِّمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "لا يَحْطِمْكُمْ" مُخَفَّفَةً بِغَيْرِ نُونٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحْطِمَنَكُمْ" مُخَفَّفَةَ النُونِ الَّتِي قَبِلَ الكافِ.

و"ضاحِكًا" نَصَبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "ضَحِكًا"، وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ [بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ"تَبَسَّمَ"، كَأنَّهُ قالَ: "ضَحِكَ ضَحِكًا"، وهَذا مَذْهَبُ صاحِبِ الكِتابِ، أو يَكُونُ مَنصُوبًا بِنَفْسِ "تَبَسَّمَ" لِأنَّهُ في مَعْنى (ضَحِكَ)].

ثُمَّ دَعا سُلَيْمانُ -عَلَيْهِ السَلامُ- رَبَّهُ في أنْ يُعِينَهُ اللهُ تَعالى ويُفَرِّغَهُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، وهَذا هو مَعْنى إيزاعِ الشُكْرِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

(p-٥٢٨)

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَفَقُّدِهِ الطَيْرَ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ بِحَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ العِنايَةُ بِأُمُورِ المُلْكِ والتَهَمُّمِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَفَقَّدَ جَمِيعَ الطَيْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ تَفَقَّدُ الطَيْرَ لِأنَّ الشَمْسَ دَخَلَتْ مِن عَلى المَلِكِ مِن مَوْضِعِ الهُدْهُدِ حِينَ غابَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبُ تَفَقُّدِ الطَيْرِ لِيَتَبَيَّنَ مِن أيْنَ دَخَلَتِ الشَمْسُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: إنَّما طَلَبَ الهُدْهُدَ لِأنَّهُ احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ الماءِ عَلى كَمْ هو مِن وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ كانَ نَزَلَ في مَفازَةِ حُرِمَ فِيها الماءَ، ولِأنَّ الهُدْهُدَ كانَ يَرى بَطْنَ الأرْضِ وظاهِرَها، كانَتْ تَشُفُّ لَهُ، وكانَ يُخْبِرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَوْضِعِ الماءِ، ثُمَّ كانَتِ الجِنُّ تُخْرِجُهُ في ساعَةٍ يَسِيرَةٍ، تُسْلَخُ عنهُ وجْهُ الأرْضِ كَما تُسْلَخُ الشاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عن أبِي سَلامٍ وغَيْرِهِ، وقالَ في كِتابِ النَقّاشِ: كانَ الهُدْهُدَ مُهَنْدِسًا، ورُوِيَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ هَذا، فَقالَ لَهُ: قِفْ يا وقّافُ، كَيْفَ يَرى الهُدْهُدُ بَطْنَ الأرْضِ وهو لا يَرى الفَخَّ حِينَ يَقَعُ فِيهِ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا جاءَ القَضاءُ عَمِيَ البَصَرُ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَتِ الطَيْرُ تَنْتابُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُلِّ نَوْعٍ واحِدٍ نَوْبَةٌ مَعْهُودَةٌ، فَفَقَدَ الهُدْهُدَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ إنَّما المَقْصِدُ أنَّ الهُدْهُدَ غابَ، لَكِنَّهُ أخَذَ اللازِمَ عن غِيابِهِ وهو ألّا يَراهُ، فاسْتَفْهَمَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- عَنِ اللازِمْ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ والِاسْتِفْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ "ما لِيَ" نابَ مَنابَ الألِفِ الَّتِي تَحْتاجُها "أمْ". ثُمَّ تَوَعَّدَهُ (p-٥٢٩)عَلَيْهِ السَلامُ بِالعَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ تَعْذِيبَهُ لِلطَّيْرِ كانَ بِأنْ يَنْتِفَ رِيشَهُ أجْمَعَ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ: جَناحَهُ، ورُوِيَ عن وهَبٍ أنَّهُ بِأنْ يَنْتِفَ بَعْضُهُ ويَبْقى بِضْعُهُ. و "السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وحْدَهُ: "لِيَأْتِينَنِي" بِنُونَيْنِ، وفَعَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا بِالهُدْهُدِ وحْدَهُ إغْلاظًا عَنِ العاصِينَ، وعَلى إخْلالِهِ بِنَوْبِهِ ورُتْبَتِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَمَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "فَمَكَثَ" بِفَتْحِها، ومَعْناهُ -فِي القِراءَتَيْنِ-: أقامَ، والفَتْحُ في الكافِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها لُغَةُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: "ماكِثِينَ"؛ إذْ هو مِن "مَكَثَ" بِفَتْحِ الكافِ، ولَوْ كانَ مَن "مَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ لَكانَ جَمْعُ "مَكِيثٌ"، والضَمِيرُ في "مَكَثَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أوِ الهُدْهُدِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ جاءَ فَقالَ"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ قالَ أحَطْتَ". وقَوْلُهُ: "غَيْرَ بَعِيدٍ" كَما في مَصاحِفِ الجُمْهُورِ يُرِيدُ بِهِ الزَمَنَ والمُدَّةَ، وقَوْلُهُ: "أحَطْتُ" أيْ: عَلِمْتُ عِلْمًا تامًّا لَيْسَ في عِلْمِكَ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "سَبَأٍ"، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَبَأٍ" بِالصَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "سَبَأ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِن سَبَإٍ" بِالكَسْرِ وتَرْكِ الصَرْفِ، ورَوى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ اليَزِيدِيِّ "سَبَأْ" بِألْفٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ قَنْبَلُ -عَنِ النَبالِ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، فالأُولى عَلى أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ

(p-٥٣٠)وَقالَ الآخَرُ:

؎ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَآرِبَ ∗∗∗....................

وهَذا عَلى أنَّها قَبِيلَةٌ، والثانِيَةُ عَلى أنَّها بَلْدَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وكِلا القَوْلَيْنِ قَدْ قِيلَ، ولَكِنْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن حَدِيثِ فَرْوَةِ بْنِ مُسَيْكٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ «وُلِدَ لَهُ عَشْرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، تَيامَنَ مِنهم سِتَّةً وتَشاءَمَ أرْبَعَةً»، وحُكِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى الزَجّاجِ فَخَبَطَ عَشْواءَ. والثالِثَةُ عَلى البِناءِ. والرابِعَةُ والخامِسَةُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ السَبْعِ فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا لِلتَّثْقِيلِ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تُبْنى عَلى الأُولى، بَلْ هي إمّا عَلى الثانِيَةِ أوِ الثالِثَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ دُونَ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنَبى" بِالألْفِ مَقْصُورَةً.

(p-٥٣١)وَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ مُبالَغَةٌ، أيْ: مِمّا تَحْتاجُ المَمْلَكَةُ، قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ أمْرِ الدُنْيا، ووَصَفَ عَرْشَها بِالعِظَمِ في الهَيْئَةِ ورُتْبَةِ السُلْطانِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الوَقْفُ عَلى [عَرْشٍ]، فَـ "عَظِيمٌ" -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهَذِهِ المَرْأةِ هي بِلْقِيسٌ بِنْتُ شَراحِيلِ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: بِنْتُ القَشْرَحِ، وقِيلَ: كانَتْ أُمُّها جِنِّيَّةً، وأكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في قِصَصِها بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمْ مِنَ الآيَةِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِامْرَأةٍ مُلِّكَتْ عَلى مَدائِنِ اليَمَنِ، وكانَتْ ذاتَ مُلْكٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ كافِرَةً مِن قَوْمٍ كُفّارٍ.

You read 27:18–20 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

An-Naml 27:18