قوله عزّ وجلّ:
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النارِ﴾ ﴿ ﴾ ﴿ ﴾ ﴿ ﴾
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [كَذَلِكَ سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ]، والمَعْنى: كَما أخَذْتُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فَأهْلَكْتُهم فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتِي عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرَ، أنَّهم أهْلُ النارِ وسُكّانُها.وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "كَلِماتُ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ نِصاحٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وقَتادَةَ، وهَذِهِ كُلُّها عِبارَةٌ عن خَتْمِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ "أنَّهُمْ"﴾ بَدَلٌ مِن "كَلِمَةُ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِخَبَرٍ يَتَضَمَّنُ تَشْرِيفَ المُؤْمِنِينَ ويَعَظِّمُ الرَجاءَ لَهُمْ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ والَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ - وهم أفْضَلُ المَلائِكَةِ - يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَسْألُونَ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَهُمُ الجَنَّةَ والرَحْمَةَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ [الفرقان: ١٦]، أيْ: سَألَتْهُ المَلائِكَةُ، وفَسَّرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ (p-٤٢٤)المُجْمَلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ ﴾ [الشورى: ٥]، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْتَغْفِرُ لِكافِرٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلْكَفّارِ، بِمَعْنى طَلَبِ هِدايَتِهِمْ والمَغْفِرَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا النَحْوِ هو اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأبِيهِ، واسْتِغْفارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْمُنافِقِينَ، وبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ لِبَعْضِ الصالِحِينَ: ادْعُ لِي واسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ لَهُ: تُبْ واتَّبِعْ سَبِيلَ اللهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ مَن هو خَيْرٌ مِنِّي، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وعاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ".» وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "العُرْشَ" بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾. نُصِبَ "رَحْمَةً" عَلى التَمْيِيزِ، وفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ، ومَعْناهُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكُ وعِلْمُكُ كُلَّ شَيْءٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "تَفَقَّأتَ شَحْمًا، وتَصَبَّبَتَ عَرَقًا، وطِبْتَ نَفْسًا". و"سَبِيلُ اللهِ المُتَّبَعَةِ" هي الشَرائِعُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" عَلى جَمْعِ الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ -: "جَنَّةَ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، و"العَدْنُ": الإقامَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾. رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أنَّ الرَجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ، فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي؟ أيْنَ أُمِّي؟ أيْنَ زَوْجَتِي؟ فَيُلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِمْ، ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِمْ وطَلَبِهِ إيّاهُمْ، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَذَرِّيَّتَهُمْ" بِالإفْرادِ.
(p-٤٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿﴾ أصْلُهُ: أوقِهِمْ، حُذِفَتِ الواوَ إتْباعًا لِحَذْفِها في المُسْتَقْبَلِ، واسْتُغْنِيَ عن ألْفِ الوَصْلِ لِتَحَرُّكِ القافِ، ومَعْناهُ: اجْعَلْ لَهم وِقايَةً تَقِيهِمُ السَيِّئاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُعاءُ في أنْ يَدْفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ اللاحِقَ مِنَ السَيِّئاتِ، فَيَكُونُ في اللَفْظِ - عَلى هَذا - حَذْفُ مُضافٍ، كَأنَّهُ قالَ: وقَهِمَ جَزاءَ السَيِّئاتِ.