All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Al-Anʿām 6:157 Juzʾ 8 Page 149

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

"وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ وصْفٌ بِما فِيهِ مِنَ التَوَسُّعاتِ؛ وإزالَةِ (p-٤٩٧)أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وتَحْرِيماتِها؛ وجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ؛ ووَحْدَةِ أيْدِي مُتَّبِعِيهِ؛ وفَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ؛ ومَعْناهُ: "مُنَمًّى خَيْرُهُ مُكَثَّرٌ"؛ و"اَلْبَرَكَةُ": اَلزِّيادَةُ؛ والنُمُوُّ؛ و"فاتَّبِعُوهُ"؛ دُعاءٌ إلى الدِينِ؛ و"واتَّقُوا": اَلْأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏.

و"أنْ"؛ مِن قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ والعامِلُ فِيهِ "أنْزَلْناهُ"؛ والتَقْدِيرُ: "وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ كَراهِيَةَ أنْ..."؛ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وأضْبَطُها لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ وقِيلَ: اَلْعامِلُ في "أنْ"؛ قَوْلُهُ تَعالى "واتَّقُوا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا..."؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُتَخَرَّجُ عَلى مَعْنى: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا كَذا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ"؛ ولَكِنْ يَعْرِضُ فِيهِ قَلَقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى - أثْناءَ ذَلِكَ -: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ وفي التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَتَّسِقُ نَظْمُ الآيَةِ.

والطائِفَتانِ: اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ والدِراسَةُ: اَلْقِراءَةُ؛ والتَعَلُّمُ بِها؛ و"إنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ؛ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَغافِلِينَ"؛ لامُ تَوْكِيدٍ؛ هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم يُخَفِّفُونَها؛ ويُبْقُونَها عَلى عَمَلِها؛ ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ: "وَإنْ كُلًّا"؛ وأمّا المَشْهُورُ فَإنَّها إذا خُفِّفَتْ تَرْجِعُ حَرْفَ ابْتِداءٍ؛ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَـ "إنْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "ما"؛ النافِيَةِ؛ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَما كُنّا عن دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ".

(p-٤٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إزالَةُ الحُجَّةِ عن أيْدِي قُرَيْشٍ؛ وسائِرِ العَرَبِ؛ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ؛ لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا؛ ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ؛ فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكُمْ؛ ومَعَ رَجُلٍ مِنكُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهي في غَرَضِها؛ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ؛ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ في الآخِرَةِ بِأنَّ الكُتُبَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وأنَّهم غافِلُونَ عَنِ الدِراسَةِ والنَظَرِ في الشَرْعِ؛ وأنَّهم لَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ لَكانُوا أسْرَعَ إلى الهُدى مِنَ الناسِ كُلِّهِمْ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: "قَدْ جاءَكم بَيانٌ مِنَ اللهِ تَعالى وهُدًى ورَحْمَةٌ".

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ جاءَتْ؛ والحُجَّةَ قَدْ قامَتْ؛ حَسُنَ - بَعْدَ ذَلِكَ - أنْ يَقَعَ التَقْرِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ؟".

و"صَدَفَ"؛ مَعْناهُ: حادَ؛ وراغَ؛ وأعْرَضَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كَذَبَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ والجُمْهُورُ: "كَذَّبَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ و"سَنَجْزِي الَّذِينَ"؛ وعِيدٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدِفُونَ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدُفُونَ"؛ بِضَمِّ الدالِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

اَلضَّمِيرُ في "يَنْظُرُونَ"؛ هو لِلطّائِفَةِ الَّتِي قِيلَ لَها قَبْلُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ١٥٧] ؛ وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضَتْ أكْثَرُ آياتِ السُورَةِ في جِدالِهِمْ؛ و"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلْمَلائِكَةُ"؛ هُنا؛ يُرادُ بِها مَلائِكَةُ المَوْتِ؛ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ "عِزْرائِيلَ"؛ اَلْمَخْصُوصَ بِقَبْضِ الأرْواحِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ في قِيامِ الساعَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "تَأْتِيَهُمُ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "لِمَوْقِفِ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ ويَحْكِي الزَجّاجُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ؛ أيْ: "اَلْعَذابُ الَّذِي يُسَلِّطُهُ اللهُ تَعالى في الدُنْيا عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ كالصَيْحاتِ؛ والرَجْفاتِ؛ والخَسْفِ؛ ونَحْوِها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ - عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ - فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أمْرُ رَبِّكَ"؛ أو: "بَطْشُ رَبِّكَ"؛ أو: "حِسابُ رَبِّكَ"؛ وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى ؛ ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحشر: ٢] ؟ فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ؛ وهو عَلى المَجازِ؛ وحَذْفِ المُضافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ أمّا ظاهِرُ اللَفْظِ - لَوْ وقَفْنا مَعَهُ - فَيَقْتَضِي أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِالشَهِيرِ الفَظِيعِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ دُونَ أنْ يَخُصَّ مِن ذَلِكَ شَرْطًا؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ الإبْهامَ؛ الَّذِي يَتْرُكُ السامِعَ مَعَ أقْوى تَخَيُّلِهِ؛ لَكِنْ لَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ وبَيَّنَتِ الآثارُ الصِحاحُ؛ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ ؛ أنَّ الآيَةَ الَّتِي مَعَها هَذا الشَرْطُ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ وقَوّى أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ إنَّما هي إلى طُلُوعِ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ويُقَوِّي أيْضًا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى غَرْغَرَةِ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ؛ أو ما يَكُونُ في مَثابِتِها؛ لِمَن لَمْ يُغَرْغِرْ؛ فَفي الحَدِيثِ أنَّ تَوْبَةَ العَبْدِ تُقْبَلُ؛ ما لَمْ يُغَرْغِرْ؛ وهَذا إجْماعٌ؛ لِأنَّ مَن غَرْغَرَ؛ وعايَنَ؛ فَهو في عِدادِ المَوْتى؛ وكَوْنِ المَرْءِ في هَذِهِ الحالَةِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى ؛ وهَذا عَلى مَن يَرى المَلائِكَةَ المُتَصَرِّفِينَ في قِيامِ الساعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدُ الكافِرِينَ بِأحْوالٍ لا يَخْلُونَ مِنها؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَلْ يَنْظُرُونَ - مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ - إلّا المَوْتَ الَّذِي لَهم بَعْدَهُ أشَدُّ العَذابِ؛ والأخْذاتِ المَعْهُودَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوِ الآياتِ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ؛ وتُعْلِمُ بِقُرْبِ القِيامَةِ؟".

(p-٥٠٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ ثُمَّ خَصَّصَ - بَعْدَ ذَلِكَ - بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ اَلْآيَةَ؛ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ مَعَها؛ وقَدْ بَيَّنَتِ الأحادِيثُ أنَّها طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها.

وقَرَأ زُهَيْرُ الفُرْقُبِيُّ: "يَوْمُ يَأْتِي"؛ بِالرَفْعِ؛ وهو عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "لا يَنْفَعُ"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ والعائِدُ مِنَ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وأبُو العالِيَةِ: "لا تَنْفَعُ"؛ بِتاءٍ؛ وأنَّثَ الإيمانَ؛ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ أو لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ التَوْبَةِ؛ وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ التَأْوِيلِ - كَما تَقَدَّمَ -: اَلْآيَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مِنَ الشِرْكِ؛ أو مِنَ المَعاصِي بَعْدَها؛ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وإمّا خُرُوجُ الدابَّةِ؛ وإمّا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأحادِيثَ تَرُدُّهُ؛ وتُخَصِّصُ الشَمْسَ؛ ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الشَمْسَ تَجْرِي كُلَّ يَوْمٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ؛ وتَسْتَأْذِنُهُ؛ فَيُؤْذَنُ لَها في الطُلُوعِ مِنَ المَشْرِقِ؛ وحَتّى إذا أرادَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سَدَّ بابِ التَوْبَةِ؛ أمَرَها بِالطُلُوعِ مِن مَغْرِبِها؛ قالَ (p-٥٠١)ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فَتَطْلُعُ هي والقَمَرُ كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ"؛» ويُقَوِّي النَظَرَ أيْضًا أنَّ الغَرْغَرَةَ هي الآيَةُ الَّتِي تُرْفَعُ مَعَها التَوْبَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ يُرِيدُ جَمِيعَ أعْمالِ البِرِّ؛ فَرْضَها ونَفْلَها؛ وهَذا الفَصْلُ هو لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ؛ هو لِلْكُفّارِ؛ والآيَةُ المُشارُ إلَيْها تَقْطَعُ تَوْبَةَ الصِنْفَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: "أو كَسَبَتْ في إيمانِها صالِحًا".

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ أيْ: فَسَتَرَوْنَ مَن يَحِقُّ كَلامُهُ؛ ويَتَّضِحُ ما أخْبَرَ بِهِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والصَحابَةُ؛ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ": اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ؛ الحَنِيفِيَّةَ؛ وأُضِيفَ الدِينُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ؛ فَهو دِينُ جَمِيعِ الناسِ بِهَذا الوَجْهِ؛ ووَصَفَهم بِالشِيَعِ؛ إذْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم لَها فِرَقٌ؛ واخْتِلافاتٌ؛ فَفي الآيَةِ حَضٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِائْتِلافِ؛ وقِلَّةِ الِاخْتِلافِ؛ وقالَ أبُو الأحْوَصِ ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ زَوْجُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْآيَةُ في أهْلِ البِدَعِ؛ والأهْواءِ؛ والفِتَنِ؛ ومَن جَرى مُجْراهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ الإسْلامِ.

(p-٥٠٢)وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فارَقُوا"؛ ومَعْناهُ: "تَرَكُوا"؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَوْلُهُ: "وَكانُوا شِيَعًا"؛ أنَّهم فَرَّقُوهُ أيْضًا؛ والشِيَعُ: جَمْعُ "شِيعَةٌ"؛ وهي الفِرْقَةُ؛ عَلى مَقْصِدِ ما يَتَشايَعُونَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ؛ أيْ: "لا تَشْفَعُ لَهُمْ؛ ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ"؛ وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ؛ وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ؛ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَرْعِ؛ لِأنَّهم لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ والقَرِينَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي أنَّ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ؛ فِيهِ وعِيدٌ؛ كَما أنَّ القَرِينَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٧٥] ؛ تُعْطِي أنَّ في ذَلِكَ الأمْرِ رَجاءً؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَأمْرُهُ في إقْبالٍ؛ وإلى خَيْرٍ".

وقَرَأ النَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "فَرَّقُوا"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ؛ وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ؛ فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ؛ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ؛ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ؛ فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَسْخَ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ فَضاعَفَ اللهُ حَسَناتِهِمْ؛ لِلْحَسَنَةِ عَشْرٌ؛ وكانَ المُهاجِرُونَ قَدْ ضُوعِفَ لَهُمُ؛ لِلْحَسَنَةِ سَبْعُمِائَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ أيْ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا (p-٥٠٣)المَضْمُونِ قَدْ يَزِيدُ ما يَشاءُ؛ وقَدْ يَزِيدُ أيْضًا عَلى بَعْضِ الأعْمالِ كَنَفَقَةِ الجِهادِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْحَسَنَةُ هَهُنا: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ والسَيِّئَةُ: "اَلْكُفْرُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ هي الغايَةُ مِنَ الطَرَفَيْنِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وأُنِّثَ لَفْظُ العَشْرِ لِأنَّ الأمْثالَ هَهُنا بِالمَعْنى حَسَناتٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الأمْثالَ أُنِّثَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهو الضَمِيرُ؛ كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ

فَأنَّثَ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَعْقُوبُ: "فَلَهُ عَشْرٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "أمْثالُها"؛ بِالرَفْعِ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْأعْمالُ سِتٌّ مُوجِبَةٌ ومُوجِبَةٌ؛ ومُضَعَّفَةٌ ومُضَعَّفَةٌ؛ ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فَلا إلَهَ إلّا اللهُ تُوجِبُ الجَنَّةَ؛ والشِرْكُ يُوجِبُ النارَ؛ ونَفَقَةُ الجِهادِ تُضَعَّفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ؛ والنَفَقَةُ عَلى الأهْلِ حَسَنَتُها بِعَشْرٍ؛ والسَيِّئَةُ جَزاؤُها مِثْلُها؛ ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مِثْلُها".»

(p-٥٠٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا يُوضَعُ في جَزائِهِمْ شَيْءٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها"؛ والمُماثَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والثَوابِ مُتَرَتِّبَةٌ إذا تَدَبَّرْتَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ"؛ اَلْآيَةَ؛ يُرِيدُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ؛ أيْ: "مَن جاءَ مُؤْمِنًا فَلَهُ الجَنَّةُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِالآيَةِ إلى العُمُومِ في جَمِيعِ العالَمِ ألْيَقُ بِاللَفْظِ.

You read 6:157–159 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:157