All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds strongest and why.

Al-Anʿām 6:3 Juzʾ 7 Page 128

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ (p-٣١٤)قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ‏‏‏ ‏‏ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ (p-٣١٥)وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:3