All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Anʿām 6:3 Juzʾ 7 Page 128

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [الأنعام: ٢] أيْ خَلَقَكم ولَمْ يُهْمِلْ مُراقَبَتَكم، فَهو يَعْلَمُ أحْوالَكم كُلَّها.

فالضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ [الأنعام: ١] ولَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ إذْ لا يَقَعُ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ. وإذْ كانَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ هَذا الَّذِي خَلَقَ وقَضى هو اللَّهُ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِن مُعادِ الضَّمائِرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ اللَّهُ مَعْنًى يُفِيدُهُ المَقامُ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ كالنَّتِيجَةِ لِلْأخْبارِ الماضِيَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ١] فَنَبَّهَ عَلى فَسادِ اعْتِقادِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ وحَمِدُوا آلِهَتَهم بِأنَّهُ خالِقُ الأكْوانِ وخالِقُ الإنْسانِ ومُعِيدُهُ، ثُمَّ أعْلَنَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ؛ إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا. وإذْ هو عالِمُ السِّرِّ والجَهْرِ، وغَيْرُهُ لا إحْساسَ لَهُ فَضْلًا عَنِ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ عالِمًا.

ولَمّا كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَعْرُوفًا عِنْدَهم لا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ صارَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ في مَعْنى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو صاحِبُ هَذا الِاسْمِ لا غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ، أوْ بِما

صفحة ١٣٣
فِي ‏‏‏‏ ‏ [الأنعام: ١] مِن مَعْنى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، كَما يَقُولُ مَن يَذْكُرُ جَوّادًا ثُمَّ يَقُولُ: هو حاتِمٌ في العَرَبِ، وهَذا لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في صِفاتِهِ في الكائِناتِ كُلِّها.
وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏؛ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ مِمّا يَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأحْوالِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ.

ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّ سِرَّ النّاسِ وجَهْرَهم وكَسْبَهم حاصِلٌ في الأرْضِ خاصَّةً دُونَ السَّماواتِ، فَمَن قَدَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً خَفِيًّا.

وذَكَرَ السِّرَّ لِأنَّ عِلْمَ السِّرِّ دَلِيلُ عُمُومِ العِلْمِ، وذَكَرَ الجَهْرَ لِاسْتِيعابِ نَوْعَيِ الأقْوالِ. والمُرادُ بِـ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جَمِيعُ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَهو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.

والخِطابُ لِجَمِيعِ السّامِعِينَ؛ فَدَخَلَ فِيهِ الكافِرُونَ، وهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الخِطابِ، لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ وإيقاظٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وتَذْكِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:3