All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

At-Tawbah 9:107 Juzʾ 11 Page 204

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

قَوْلُهُ تَعالى: وآخَرُونَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: وآخَرُونَ، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ نَصاحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وأهْلُ الحِجازِ: "مُرْجَوْنَ" مِن أرْجى يُرْجى دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأهْلُ البَصْرَةِ: "مُرْجَؤُونَ" مِن أرْجَأ يُرْجِئُ بِالهَمْزِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما (p-٤٠٣)التَأْخِيرُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ لِأنَّهم أخَّرُوا الأعْمالَ، أيْ أخَّرُوا حُكْمَها ومَرْتَبَتَها، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخِيرِ، ولَيْسَ كَما قالَ.

والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ -فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ - الثَلاثَةُ الَّذِينَ خَلِّفُوا، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومَرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ التَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مُعَرَّضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدِ الضِرارِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِإسْقاطِ واوِ العَطْفِ بَدَلًا مِن ﴿آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- فِيها تَرَجٍّ لَهم واسْتِدْعاءٌ إلى الإيمانِ والتَوْبَةِ، وعَلِيمٌ مَعْناهُ: بِمَن يَهْدِي إلى الرُشْدِ، وحَكِيمٌ فِيما يُنَفِّذُهُ مِن تَنْعِيمِ مَن شاءَ وتَعْذِيبِ مَن شاءَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وعَوامُّ القُرّاءِ، والناسُ في كُلِّ قُطْرٍ إلّا بِالمَدِينَةِ: "والَّذِينَ اتَّخَذُوا"، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" بِإسْقاطِ الواوِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِهِمْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ بِغَيْرِ واوٍ. فَأمّا مَن قَرَأ بِالواوِ فَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرُونَ" أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، وأمّا مَن قَرَأ بِإسْقاطِها فَرَفَعَ الَّذِينَ بِالِابْتِداءِ. واخْتُلِفَ في الخَبَرِ فَقِيلَ: الخَبَرُ: "لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا"، قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَتَّجِهُ بِإضْمارٍ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ وإمّا في آخِرِها بِتَقْدِيرِ: "لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ"، وقِيلَ: الخَبَرُ: "لا يَزالُ بُنْيانُهُمْ"، قالَهُ النَحّاسُ، وهَذا أفْصَحُ، وقَدْ ذَكَرْتُ كَوْنَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِن "آخَرُونَ"، آنِفًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مُعَذَّبُونَ" أو نَحْوُهُ.

وأمّا الجَماعَةُ المُرادَةُ بِـ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" فَهم مُنافِقُو بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُهْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ -بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ- وقَدْ كانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ (p-٤٠٤)بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا أقْبَلَ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ مالِكَ بْنَ الدُخْشُمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فانْطَلَقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلا، وحَرَّقاهُ بِنارٍ في سَعَفٍ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ لِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ». وكانَ بانُوهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُتْعَبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حَنِيفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وابْناهُ: مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ وهو كانَ إمامَهُمْ، وحَلَفَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في خِلافَتِهِ أنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأمْرِهِمْ، وزَيْدُ بْنُ جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ مِن بَنِي ضَبِيعَةَ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. وبَحْزَجُ مِنهم هو الَّذِي حَلَفَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى والتَوْسِعَةَ عَلَيْنا وعَلى مَن عَجَزَ أو ضَعُفَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما أرَدْنا إلّا الحُسْنى".

والآيَةُ تَقْتَضِي شَرْحَ شَيْءٍ مِن أمْرِ هَذِهِ المَساجِدِ، فَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وقْتَ الهِجْرَةِ بَنى مَسْجِدًا في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ،» وقِيلَ: (p-٤٠٥)وَجَدَهُ مَبْنِيًّا قَبْلَ وُرُودِهِ، وقِيلَ: وجَدَهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ فَبَناهُ، وتَشَرَّفَ القَوْمُ بِذَلِكَ فَحَسَدَهم مِن حِينِئِذٍ رِجالٌ مِن بَنِي عَمِّهِمْ مِن بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَكانَ فِيهِمْ نِفاقٌ، وكانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ قُباءٍ مَرْبَطًا لِحِمارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ اسْمُها لِيَةُ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: واللهِ لا نَصْبِرُ عَلى الصَلاةِ في مَرْبَطِ حِمارِ لِيَةَ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ، وكانَ أبُو عامِرٍ عَبْدُ عَمْرٍو المَعْرُوفُ بِالراهِبِ مِنهُمْ، وكانَتْ أُمُّهُ مِنَ الرُومِ، فَكانَ يَتَعَبَّدُ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّي الراهِبَ، وهو أبُو حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ سَيِّدًا نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، فَلَمّا جاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الفاسِقَ، ثُمَّ خَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحِزَّبَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ مَظْهِرًا لِعَداوَتِهِ، فَلَمّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ هَرَبَ إلى الطائِفِ. فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطائِفِ خَرَجَ هارِبًا إلى الشامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ المُنافِقِينَ مِنهم أنِ ابْنُوا مَسْجِدًا مُقاوَمَةً لِمَسْجِدِ قُباءٍ وتَحْقِيرًا لَهُ، فَإنِّي سَآتِي بِجَيْشٍ مِنَ الرُومِ أُخْرِجُ بِهِ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ فَبَنَوْهُ وقالُوا: سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ ويُصَلِّي فِيهِ ويَتَّخِذُهُ مُتَعَبَّدًا ويُسَرُّ بِهِ، ثُمَّ إنَّ أبا عامِرٍ هَلَكَ عِنْدَ قَيْصَرَ. ونَزَلَ القُرْآنُ في أمْرِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أبا عامِرٍ وقَوْلُهُمْ: "سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ "، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِلَّذِينِ حارَبُوا اللهَ" وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ أيْ داعِيَةً لِلتَّضارِّ بَيْنَ جَماعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: "ضِرارًا" وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ما يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ كانَ المَصْدَرُ المُلازِمُ لِذَلِكَ مُفاعَلَةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ونُصِبَ "ضِرارٌ" وما بَعْدَهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُرِيدُ: بَيْنَ الجَماعَةِ الَّتِي كانَتْ تُصَلِّي في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ مَن جاوَزَ مَسْجِدَهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: (p-٤٠٦)‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جَماعَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ في المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى، وسَيَأْتِي ذَلِكَ، قالَ النَقّاشُ: يَلْزَمُ مِن هَذا ألّا يُصَلّى عَلَيْهِ في كَنِيسَةٍ ونَحْوِها لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى شَرٍّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَدْ قِيلَ في هَذا: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٠٨].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَفَقُّهٌ غَيْرُ قَوِيٍّ.

والإرْصادُ: الإعْدادُ والتَهْيِئَةُ، والَّذِي حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ: هو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ يُرِيدُ: في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، والحالِفُ المُرادُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ هو بَحْزَجٌ ومَن حَلَفَ مِن أصْحابِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّهم لَكاذِبُونَ" لِأنَّ الشَهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شَقِيقٍ أنَّهُ جاءَ لِيُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ بُنِيَ غاضِرَةً فَوَجَدَ الصَلاةَ قَدْ فاتَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مَسْجِدَ بَنِي فُلانٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ بَعْدُ، فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإنَّهُ بُنِيَ عَلى ضِرارٍ، وكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرارًا ورِياءً وسُمْعَةً فَهو في حُكْمِ مَسْجِدِ الضِرارِ، ورُوِيَ أنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَمّا هُدِمَ وأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً تُرْمى فِيهِ الأقْذارُ والقِماماتُ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allah loves those who purify themselves.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

(p-٤٠٧)قوله عزّ وجلّ:

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏. وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ ﷺ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في (p-٤٠٨)حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ.

قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟

و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي (p-٤٠٩)أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ.

ومَعْنى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ ﷺ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ.

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".»

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ.

(p-٤١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟". وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ (p-٤١١)هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ:

؎ كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ.

وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ. (p-٤١٢)والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ. والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ. و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ:

لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي

أصْلُهُ: لائِثٌ. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ...................... ∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ

عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: (p-٤١٣)

؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا

وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ".

وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ ﷺ وفي مَسْجِدِ قُباءٍ. والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ. و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ. وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.

(p-٤١٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ. ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allah and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allah does not guide the wrongdoing people.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

(p-٤٠٧)قوله عزّ وجلّ:

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏. وقَوْلُهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ﴾ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ ﷺ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في (p-٤٠٨)حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ.

قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟

و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي (p-٤٠٩)أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ.

ومَعْنى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ ﷺ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ.

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".»

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ.

(p-٤١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟". وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ (p-٤١١)هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ:

؎ كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ.

وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ. (p-٤١٢)والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ. والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ. و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ:

لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي

أصْلُهُ: لائِثٌ. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ...................... ∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ

عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: (p-٤١٣)

؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا

وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ".

وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ ﷺ وفي مَسْجِدِ قُباءٍ. والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ. و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ. وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.

(p-٤١٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ. ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.

‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are stopped. And Allah is Knowing and Wise.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

Loading…

You read 9:107–111 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:107