All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

At-Tawbah 9:107 Juzʾ 11 Page 204

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allah and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allah testifies that indeed they are liars.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ أقامَهم في مَقامِ الخَطَرِ أتْبَعَهُ تَعْيِينَ طائِفَةٍ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ المَسْتُورِ المَوْصُوفِ بِالمُرُودِ. فَألْحَقَ بِهِمُ الضَّرَرَ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ وهو مَعْطُوفٌ في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ الواوَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ﴾ [التوبة: ١٠٦] وخَبَرُهُ عَلى ما يَلِيقُ بِالقِصَّةِ: مُنافِقُونَ \ مارِدُونَ، وأمّا عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ بِحَذْفِها فَيَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، وذَلِكَ أنَّهُ [لَمّا] قالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٠١] تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الإعْلامِ بِهِمْ، فَلَمّا قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٠٢] اشْتَغَلَ السّامِعُ بِتَفَهُّمِهِ، ورُبَّما ظَنَّ أنَّهُ يَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما يُغْنِيهِ عَنِ السُّؤالِ، فَلَمّا انْتَقَلَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التوبة: ١٠٦] إلى قِسْمٍ آخَرَ، وخَتَمَ الآيَةَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّرْدِيدَ لِلتَّقْسِيمِ وأنَّهُ إنْ كانَ شَكٌّ فَهو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَمُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَذَكَّرَ السّامِعَ بِالصِّفَتَيْنِ ما كانَ دارَ (p-١٦)فِي خَلَدِهِ ومالَ إلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الإعْلامِ بِالمارِدِينَ عَلى النِّفاقِ، فاشْتَدَّ تَشَوُّفُهُ إلَيْهِ فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: مَن مِنَ المارِدِينَ مِنهُمْ؟ فَقالَ تَعالى [الَّذِينَ] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [أيْ] مِنَ المارِدِينَ وهم مِن أعْظَمِهِمْ مَهارَةً في النِّفاقِ وإخْفاءِ الكَيْدِ والشِّقاقِ لِأنَّهم تَوَصَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنْ كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الأخْذَ لِأعْظَمِ عُرى الدِّينِ مَعَ المُنازَعَةِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى والحَذَرِ مِن أنْ يُفْضَحُوا، فَكانَ خِتامُ هَذِهِ الآيَةِ مِن بَدِيعِ الخِتامِ فَإنَّهُ احْتِراسٌ عَمّا يُتَوَهَّمُ فِيما قَلْبَهُ ودَلِيلٌ عَلى ما بَعْدَهُ، ولِذَلِكَ خَتَمَ قِصَّتَهم أيْضًا بِصِفَتَيِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، ولاحَ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التوبة: ١٠١] يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ: مَرَّةً بِرُجُوعِكَ، ومَرَّةً بِإخْرابِكَ مَسْجِدَهم وتَفْرِيقِكَ لِشَمْلِهِمْ بَعْدَ هَتْكِ سَرائِرِهِمْ بِكَشْفِ ضَمائِرِهِمْ، وبَيَّنَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ اتِّخاذِهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ أيْ: لِأهْلِ مَسْجِدِ قُباءَ أوْ لِحِزْبِ اللَّهِ [عامَّةً] ‏‏‏‏‏ أيْ بِاللَّهِ لِاتِّخاذِ دِينِهِ هُزُؤًا ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ [مِمّا] يُبَيِّتُونَهُ مِنَ المَكايِدِ بِاسْتِجْلابِهِمْ لِبَعْضِ مَن يَخْدَعُونَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَطْمَعُونَ فِيهِ لِيَأْتِيَ مَسْجِدَهم ويَتْرُكَ المَسْجِدَ المُؤَسَّسَ عَلى التَّقْوى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ في مَسْجِدِ قُباءَ فَيَغْتَصُّ بِهِمْ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: إعْدادًا وانْتِظارًا ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ‏‏‏‏‏‏‏ ولَمّا لَمْ تَكُنْ مُحارَبَتُهم مُسْتَغْرِقَةً لِلزَّمَنِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ (p-١٧)أيْ: قَبْلَ اتِّخاذِهِمْ لِهَذا المَسْجِدِ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ وهو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ لِيَأْتِيَ إلَيْهِمْ فَيَزِيدَهم قُوَّةً عَلى نِفاقِهِمْ بِأنْ يَصِيرَ كَهْفًا يَأْوُونَ إلَيْهِ ورَأْسًا [لَهُمْ] يَتَجَمَّعُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ «أنَّهُ كانَ مِن بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وهو والِدُ حَنْظَلَةَ الغَسِيلِ الَّذِي كانَ مِن خِيارِ الصَّحابَةِ، وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ. فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ لَهُ: ما هَذا الدِّينُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ دِينُ إبْراهِيمَ، قالَ أبُو عامِرٍ: أنا عَلَيْها، قالَ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْها، قالَ: بَلى، ولَكِنَّكَ أدْخَلْتَ فِيها ما لَيْسَ مِنها، قالَ: ما فَعَلْتُ، ولَكِنِّي جِئْتُ بِها بَيْضاءَ نَقِيَّةً، قالَ أبُو عامِرٍ: أماتَ اللَّهُ الكاذِبَ مِنّا طَرِيدًا شَرِيدًا وحِيدًا غَرِيبًا! فَقالَ ﷺ: آمِينَ! وسَمّاهُ الفاسِقَ، ثُمَّ تَحَيَّزَ إلى قُرَيْشٍ وقاتَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَعَهم يَوْمَ أُحُدٍ وقالَ: لا أجِدُ قَوْمًا يُقاتِلُونَكَ إلّا قاتَلْتُكَ مَعَهُمْ، فَلَمّا قاتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ مَعَ هَوازِنَ وانْهَزَمُوا أيِسَ وهَرَبَ إلى الشّامِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعَدُّوا فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ فَآتٍ بِجُنُودٍ ومُخْرِجٌ مُحَمَّدًا ! وكانُوا قَدْ حَسَدُوا إخْوانَهم بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلى مَسْجِدِ قُباءَ لَمّا بَنَوْهُ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِيهِ ويُصَلِّي فِيهِ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ (p-١٨)وأرْسَلُوا إلَيْهِ ﷺ لِيَأْتِيَهم فَيُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ يَتَجَهَّزُ لِتَبُوكَ فَقالَ: أنا عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، وإذا قَدِمْنا صَلَّيْنا فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ! فَلَمّا قَدِمَ فَكانَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ نَزَلَتِ الآيَةُ، فَدَعا مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ وجَماعَةً وقالَ [لَهُمُ]: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ، فَفَعَلُوا، وأمَرَ ﷺ أنْ يُتَّخَذَ مَكانَهُ كُناسَةً يُلْقى فِيها الجِيَفُ والقُمامَةُ؛ وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشّامِ [وحِيدًا غَرِيبًا طَرِيدًا]» وقِيلَ: كُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ مُباهاةً أوْ لِغَرَضٍ لَيْسَ بِهِ إخْلاصٌ أوْ بِمالٍ مُشْتَبَهٍ فَهو لاحِقٌ بِمَسْجِدِ الضِّرارِ.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَرائِرِهِمْ أخْبَرَ عَنْ نِفاقِهِمْ في ظَواهِرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ أيْ: جَهْدَ أيْمانِهِمْ ‏‏ أيْ ما ‏‏‏‏‏ [أيْ] بِاتِّخاذِنا لَهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ الخِصالِ؛ ثُمَّ كَذَّبَهم بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ‏‏‏‏ أيْ يُخْبِرُ إخْبارَ الشّاهِدِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَدْ بانَ بِهَذا كُلِّهِ أنَّ سَبَبَ فَضِيحَتِهِمْ ما تَضَمَّنَهُ فِعْلُهم مِن عَظِيمِ الضَّرَرِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ.

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:107