All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Humazah 104:3 Juzʾ 30 Page 601

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

He thinks that his wealth will make him immortal.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الجَهْلِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنْ أخْلَدَهُ وخَلَّدَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، ثُمَّ في التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى طُولَ المالِ أمَّلَهُ، حَتّى أصْبَحَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ، يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ تَرَكَهُ خالِدًا في الدُّنْيا لا يَمُوتُ وإنَّما قالَ: (أخْلَدَهُ) ولَمْ يَقُلْ: يُخَلِّدُهُ؛ لِأنَّ المُرادَ يَحْسَبُ هَذا الإنْسانُ أنَّ المالَ ضَمِنَ لَهُ الخُلُودَ وأعْطاهُ الأمانَ مِنَ المَوْتِ وكَأنَّهُ حُكْمٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ عَلى الماضِي. قالَ الحَسَنُ: ما رَأيْتُ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ أشْبَهَ بِشَكٍّ لا يَقِينَ فِيهِ كالمَوْتِ.

وثانِيها: يَعْمَلُ الأعْمالَ المُحْكَمَةَ كَتَشْيِيدِ البُنْيانِ بِالآجُرِّ والجِصِّ، عَمَلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَبْقى حَيًّا أوْ لِأجْلِ أنْ يُذْكَرَ بِسَبَبِهِ بَعْدَ المَوْتِ.

وثالِثُها: أحَبَّ المالَ حُبًّا شَدِيدًا حَتّى اعْتَقَدَ أنَّهُ: إنِ انْتَقَصَ مالِي أمُوتُ، فَلِذَلِكَ يَحْفَظُهُ مِنَ النُّقْصانِ لِيَبْقى حَيًّا، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنِ اعْتِقادِ البَخِيلِ.

ورابِعُها: أنَّ هَذا تَعْرِيضٌ بِالعَمَلِ الصّالِحِ وأنَّهُ هو الَّذِي يُخَلِّدُ صاحِبَهُ في الدُّنْيا بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ وفي الآخِرَةِ في النَّعِيمِ المُقِيمِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (كَلّا) فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ رَدْعٌ لَهُ عَنْ حُسْبانِهِ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ أنَّ المالَ يُخَلِّدُهُ بَلِ العِلْمُ والصَّلاحُ، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ماتَ خُزّانُ المالِ وهم أحْياءٌ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ

والقَوْلُ الثّانِي مَعْناهُ: حَقًّا (لَيُنْبَذَنَّ) واللّامُ في: (لَيُنْبَذَنَّ) جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ مَعْنى القَسَمِ في ”كَلّا“ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ النَّبْذِ الدّالِّ عَلى الإهانَةِ، لِأنَّ الكافِرَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مِن أهْلِ الكَرامَةِ، وقُرِئَ ”لَيُنْبَذانِ“ أيْ هو ومالُهُ، و”لَيُنْبَذُنَّ“ بِضَمِّ الذّالِ أيْ هو وأنْصارُهُ، وأمّا: (الحُطَمَةِ) فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّها النّارُ الَّتِي تَحْطِمُ كُلَّ مَن وقَعَ فِيها ورَجُلٌ حُطَمَةٌ أيْ شَدِيدُ الأكْلِ يَأْتِي عَلى زادِ القَوْمِ، وأصْلُ الحَطْمِ في اللُّغَةِ الكَسْرُ، ويُقالُ: شَرُّ الرِّعاءِ الحُطَمَةُ، يُقالُ: راعٍ حُطَمَةٌ وحُطَمٌ بِغَيْرِ هاءٍ كَأنَّهُ يَحْطِمُ الماشِيَةَ أيْ يَكْسِرُها عِنْدَ سَوْقِها لِعُنْفِهِ، قالَ المُفَسِّرُونَ: الحُطَمَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ وهي الدَّرَكَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَكاتِ النّارِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي تَحْطِمُ العِظامَ وتَأْكُلُ اللُّحُومَ حَتّى تَهْجُمَ عَلى القُلُوبِ،

صفحة ٨٩
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِ المَلَكَ لَيَأْخُذُ الكافِرَ فَيَكْسِرُهُ عَلى صُلْبِهِ كَما تُوضَعُ الخَشَبَةُ عَلى الرُّكْبَةِ فَتُكْسَرُ، ثُمَّ يُرْمى بِهِ في النّارِ» .

The same ayah, in another commentary

Al-Humazah 104:3