All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Ibrāhīm 14:38 Juzʾ 13 Page 260

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً:

المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ.

والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ.

الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ.

الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ.

السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ.

السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ

صفحة ١٠٨
إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثم قال: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ.

ثم قال: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَباحِثُ:

البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ.

البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم.

البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ‏‏ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَهُمُ المُسْلِمُونَ.

ثم قال: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ.

البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها.

ثم قال: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ

صفحة ١٠٩
يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ.
* * *
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى.

ثم قال: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] .

والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما.

ثم قال: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَباحِثُ:

البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟

قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ.

البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ
وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ.
البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

صفحة ١١٠
وبَيْنَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ.

* * *
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ.

المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٢٤] .

المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [مريم: ٤٨] .

* * *
المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟

والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ.

المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا.

الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ.

الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ

صفحة ١١١
بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ.

الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Ibrāhīm 14:38