All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Isrāʾ 17:4 Juzʾ 15 Page 282

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We conveyed to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ جَعَلَ التَّوْراةَ هُدًى لَهم - بَيَّنَ أنَّهم ما اهْتَدَوْا بِهُداهُ، بَلْ وقَعُوا في الفَسادِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: القَضاءُ في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الأشْياءِ عَنْ إحْكامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ. . . . . . . . . . . .
فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أعْلَمْناهم وأخْبَرْناهم بِذَلِكَ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ. ولَفْظُ ”إلى“ صِلَةٌ لِلْإيحاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى ”قَضَيْنا“ أوْحَيْنا إلَيْهِمْ كَذا. وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ يُرِيدُ المَعاصِيَ وخِلافَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: أرْضَ مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: أنَّهُ يَكُونُ اسْتِعْلاؤُكم عَلى النّاسِ بِغَيْرِ الحَقِّ اسْتِعْلاءً عَظِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَجَبِّرٍ: قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ، ثم قال: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الفُسّاقِ في المَرَّةِ الأُولى أرْسَلْنا عَلَيْكم قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، ونَجْدَةٍ وشِدَّةٍ، والبَأْسُ القِتالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] . ومَعْنى بَعَثْنا عَلَيْكم: أرْسَلْنا عَلَيْكم، وخَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خاذِلِينَ إيّاكم، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ العِبادِ مَن هم ؟ قِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَظَّمُوا وتَكَبَّرُوا واسْتَحَلُّوا المَحارِمَ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ وسَفَكُوا الدِّماءَ، وذَلِكَ أوَّلُ الفَسادَيْنِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَ مِنهم أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِ نَفْسِهِ، فَبَقُوا هُناكَ في الذُّلِّ إلى أنْ قَيَّضَ اللَّهُ مَلِكًا آخَرَ غَزا أهْلَ بابِلَ، واتَّفَقَ أنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ تِلْكَ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ المَلِكِ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، فَهو قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

صفحة ١٢٥
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ حَتّى أهْلَكَهم وأبادَهم، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو أنَّهُ تَعالى قَوّى طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصَرَ داوُدَ حَتّى قَتَلَ جالُوتَ، فَذاكَ هو عَوْدُ الكَرَّةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى الرُّعْبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِ المَجُوسِ، فَلَمّا كَثُرَتِ المَعاصِي فِيهِمْ أزالَ ذَلِكَ الرُّعْبَ عَنْ قُلُوبِ المَجُوسِ، فَقَصَدُوهم وبالَغُوا في قَتْلِهِمْ وإفْنائِهِمْ وإهْلاكِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ كَثِيرُ غَرَضٍ في مَعْرِفَةِ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ المَقْصُودُ هو أنَّهم لَمّا أكْثَرُوا مِنَ المَعاصِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَتَلُوهم وأفْنَوْهم.

ثم قال تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ اللَّيْثُ: الجَوْسُ والجَوَسانُ التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ والبُيُوتِ في الفَسادِ، والخِلالُ: هو الِانْفِراجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والدِّيارُ: دِيارُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ”﴿فَجاسُوا﴾“، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَتَّشُوا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَلَبُوا مَن فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عاثُوا وأفْسَدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: طافُوا خِلالَ الدِّيارِ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجَوْسُ هو التَّرَدُّدُ والطَّلَبُ، وذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ ما قالُوهُ.

ثم قال تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ قَضاءً جَزْمًا حَتْمًا لا يَقْبَلُ النَّقْضَ والنَّسْخَ، ثم قال تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: أهْلَكْنا أعْداءَكم ورَدَدْنا الدَّوْلَةَ والقُوَّةَ عَلَيْكم، ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ . النَّفِيرُ: العَدَدُ مِنَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِن نَفَرَ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وقَوْمِهِ، والنَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، كالقَدِيرِ والقادِرِ، وذَكَرْنا مَعْنى ”نَفَرَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ١٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١] .

المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا القَضاءُ أقَلُّ احْتِمالاتِهِ الحكم الجَزْمُ، والخَبَرُ الحَتْمُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيُقْدِمُونَ عَلى الفَسادِ والمَعاصِي خَبَرًا جَزْمًا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ؛ لِأنَّ القَضاءَ مَعْناهُ الحكم الجَزْمُ عَلى ما شَرَحْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ القَضاءَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ وُقُوعِ ذَلِكَ الفَسادِ عَنْهم يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابَ حُكْمِهِ الجازِمِ باطِلًا، وانْقِلابَ عِلْمِهِ الحَقِّ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفَسادِ مُحالًا، فَكانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ واجِبًا ضَرُورِيًّا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ والرَّفْعَ، مَعَ أنَّهم كُلِّفُوا بِتَرْكِهِ ولُعِنُوا عَلى فِعْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ ويَصُدُّ عَنْهُ، وقَدْ يَنْهى عَنْ شَيْءٍ ويَقْضِي بِتَحْصِيلِهِ، فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الِاسْتِدَلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

الوجه الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والمُرادُ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَسَلَّطُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والأسْرِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي بَعَثَهم عَلى بَنِي

صفحة ١٢٦
إسْرائِيلَ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَهْبَ أمْوالِهِمْ، وأسْرَ أوْلادِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الظُّلْمِ الكَثِيرِ والمَعاصِي العَظِيمَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ كُلَّ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِن ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو أنَّهُ تَعالى أمَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الفَسادِ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ الفَعْلُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ الأمْرُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وما ألْقَيْنا الخَوْفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا البَعْثِ التَّخْلِيَةُ وعَدَمُ المَنعِ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وإحْراقَ التَّوْراةِ، وقَتْلَ حُفّاظِ التَّوْراةِ - لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ الثّانِي أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ البَعْثَ عَلى الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْوِيَةِ عَلَيْهِ وإلْقاءِ الدَّواعِي القَوِيَّةِ في القَلْبِ، وأمّا التَّخْلِيَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المَنعِ، والأوَّلُ فِعْلٌ، والثّانِي تَرْكٌ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالتَّخْلِيَةِ تَفْسِيرٌ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالآخَرِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Isrāʾ 17:4