القِصَّةُ الثّانِيَةُ
قِصَّةُ طالُوتَ
﴿ ﴾
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ﴾
المَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ الجَماعَةِ، كالقَوْمِ والرَّهْطِ والجَيْشِ، وجَمْعُهُ أمْلاءٌ، قالَ الشّاعِرُ:
وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها
وأصْلُها مِنَ المَلْءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ العُيُونَ هَيْبَةً ورِواءً، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ المَكانَ إذا حَضَرُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ الرُّؤَساءُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَأ الرَّجُلُ يَمْلَأُ مِلْأةً فَهو مَلِيءٌ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَرَضَ القِتالَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ أمَرَنا بِالإنْفاقِ فِيهِ لِما لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ في كَمالِ المُرادِ بِالقِتالِ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهي أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالقِتالِ نَكَثُوا وخالَفُوا فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ونَسَبَهم إلى الظُّلْمِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يُقَدِّمَ المَأْمُورُونَ بِالقِتالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى المُخالَفَةِ، وأنْ يَكُونُوا مُسْتَمِرِّينَ في القِتالِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حاصِلٌ، سَواءٌ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ مَن كانَ مِن أُولَئِكَ، وأنَّ أُولَئِكَ المَلَأ مَن كانُوا أوْ لَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّرْغِيبُ في بابِ الجِهادِ وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ، وإنَّما يُعْلَمُ مَن ذَلِكَ النَّبِيُّ ومَن ذَلِكَ المَلَأُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ وهو مَفْقُودٌ، وأمّا خَبَرُ الواحِدِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ كَما يَحْتَمِلُ الِاتِّصالَ يَحْتَمِلُ الحُصُولَ مِن بَعْدِ زَمانٍ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ اسْمُ ذَلِكَ النَّبِيِّ أشْمُوِيلَ مِن بَنِي هارُونَ واسْمُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقالَ
صفحة ١٤٥
السُّدِّيُّ: هو شَمْعُونُ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّها دَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَها ولَدًا فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها، فَسَمَّتْهُ شَمْعُونَ، يَعْنِي سَمِعَ دُعاءَها فِيهِ، والسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِالعِبْرانِيَّةِ، وهو مِن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: إنَّ المَعاصِيَ كَثُرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ، والخَطايا عَظُمَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ لَهم فَسَبى كَثِيرًا مِن ذَرارِيهِمْ، فَسَألُوا نَبِيَّهم مَلِكًا تَنْتَظِمُ بِهِ كَلِمَتُهم ويَجْتَمِعُ بِهِ أمْرُهم، ويَسْتَقِيمُ حالُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ، وقِيلَ: تَغَلَّبَ جالُوتُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قِوامُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَلِكٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ يُجاهِدُ الأعْداءَ، ويُجْرِي الأحْكامَ، ونَبِيٍّ يُطِيعُهُ المَلِكُ، ويُقِيمُ أمْرَ دِينِهِمْ، ويَأْتِيهِمْ بِالخَبَرِ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (نُقاتِلْ) بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيِ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَصْنَعُونَ بِالمَلِكِ، قالُوا: نُقاتِلُ، وقُرِئَ بِالياءِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَلِكًا) أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ هَهُنا، وفي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، واللُّغَةُ المَشْهُورَةُ فَتْحُها ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ ما حَكاهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّهم يَقُولُونَ: هو عَسِيٌّ بِكَذا وهَذا يُقَوِّي (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، ألا تَرى أنَّ (عَسِيٌّ بِكَذا)، مِثْلُ حَرِيٍّ وشَحِيحٍ ؟ وطَعَنَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ (عَسِيٌّ رَبُّكم) أجابَ أصْحابُ نافِعٍ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الياءَ إذا سَكَنَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها حَصَلَ في التَّلَفُّظِ بِها نَوْعُ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولَيْسَتِ الياءُ مِن (عَسِيٌّ) كَذَلِكَ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في الكِتابَةِ ياءً إلّا أنَّها في اللَّفْظِ مَدَّةٌ، وهي خَفِيفَةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى خِفَّةٍ أُخْرى.
والجَوابُ الثّانِي: هَبْ أنَّ القِياسَ يَقْتَضِي جَوازَ (عَسِيٌّ رَبُّكم) إلّا أنّا ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ، فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ بِاللُّغَتَيْنِ فَيَسْتَعْمِلَ إحْداهُما في مَوْضِعٍ والأُخْرى في مَوْضِعٍ آخَرَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَبَرُ (هَلْ عَسَيْتُمْ) هو قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ والشَّرْطُ فاصِلٌ بَيْنَهُما، والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ أنْ تُقاتِلُوا؛ بِمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ فَأدْخَلَ (هَلْ) مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ ومَظْنُونٌ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ، وثَبَتَ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ لَهُ، وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ﴾ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى ضَمانٍ قَوِيٍّ خُصُوصًا وأتْبَعُوا ذَلِكَ بِعِلَّةٍ قَوِيَّةٍ تُوجِبُ التَّشَدُّدَ في ذَلِكَ، وهو قَوْلُهم: ﴿ ﴾ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنهُ العَدُوُّ هَذا المَبْلَغَ فالظّاهِرُ مِن أمْرِهِ الِاجْتِهادُ في قَمْعِ عَدُوِّهِ ومُقاتَلَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: المَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ: ما لَكَ تَفْعَلُ كَذا ؟ ولا يُقالُ: ما لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا ؟ قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ [نوح: ١٣] وقالَ: ﴿ ﴾ [الحديد: ٨] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ: أنَّ (ما) في هَذِهِ الآيَةِ جَحْدٌ لا اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: ما لَنا نَتْرُكُ القِتالَ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ السُّؤالُ.
صفحة ١٤٦
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ (ما) هَهُنا بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: (أنْ) هَهُنا زائِدَةٌ، والمَعْنى: ما لَنا لا نُقاتِلُ وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القَوْلَ بِثُبُوتِ الزِّيادَةِ في كَلامِ اللَّهِ خِلافُ الأصْلِ.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الكَلامُ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ: ما لَكَ لا تُقاتِلُ ؟ مَعْناهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تُقاتِلَ ؟ فَلَمّا ذَهَبَ إلى مَعْنى المَنعِ حَسُنَ إدْخالُ (أنْ) فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿ ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿ ﴾ [الحجر: ٣٢] .
الثّالِثُ: قالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى ﴿ ﴾: أيُّ شَيْءٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ ؟ ثُمَّ سَقَطَتْ كَلِمَةُ (في)، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قَوْلَ الكِسائِيِّ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: ما يَمْنَعُنا مِن أنْ نُقاتِلَ، إذا كانَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ عَلى القَوْلَيْنِ، ثُمَّ عَلى قَوْلِ الكِسائِيِّ يَبْقى اللَّفْظُ مَعَ هَذا الإضْمارِ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ لا يَبْقى، فَكانَ قَوْلُ الكِسائِيِّ لا مَحالَةَ أوْلى وأقْوى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ فَبَعَثَ لَهم مَلِكًا وكَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ فَتَوَلَّوْا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ عَبَرُوا مِنهُمُ النَّهَرَ وسَيَأْتِي ذِكْرُهم، وقِيلَ: كانَ عَدَدُ هَذا القَلِيلِ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ عَلى عَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿ ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِمَن ظَلَمَ نَفْسَهُ حِينَ خالَفَ رَبَّهُ ولَمْ يَفِ بِما قِيلَ مِن رَبِّهِ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿ ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ في الجِهادِ وعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ عَلى مِثْلِهِ فَهو ظالِمٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَسْتَحِقُّهُ الظّالِمُ وهَذا بَيِّنٌ في كَوْنِهِ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وفي كَوْنِهِ بَعْثًا عَلى الجِهادِ، وأنْ يَسْتَمِرَّ كُلُّ مُسْلِمٍ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.