All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Baqarah 2:269 Juzʾ 3 Page 45

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

He gives wisdom to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ ويَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، وأنَّ الرَّحْمَنَ يَعِدُ بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والنَّفْسُ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ واتِّباعِ أحْكامِ الخَيالِ والوَهْمِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ والعَقْلِ هو الحَكَمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ والخَلَلِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ والنَّفْسِ تُوقِعُ الإنْسانَ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَكانَ حُكْمُ الحِكْمَةِ والعَقْلِ أوْلى بِالقَبُولِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى وجْهِ النَّظْمِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ إمّا العِلْمُ وإمّا فِعْلُ الصَّوابِ؛ يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ.

وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٨٩] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي ص: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٥١] .

ورابِعُها: القُرْآنُ بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ في النَّحْلِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ١٢٥] .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ. ثُمَّ تَأْمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ فَإنَّهُ تَعالى ما أعْطى إلّا القَلِيلَ مِنَ العِلْمِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

صفحة ٦٠
‏‏ ‏‏‏‏ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٧٧] وانْظُرْ كَمْ مِقْدارُ هَذا القَلِيلِ حَتّى تَعْرِفَ عَظَمَةَ ذَلِكَ الكَثِيرِ، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ أيْضًا يُطابِقُهُ؛ لِأنَّ الدُّنْيا مُتَناهِيَةُ المِقْدارِ، مُتَناهِيَةُ المُدَّةِ، والعُلُومُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِها وعَدَدِها ومُدَّةِ بَقائِها، والسَّعادَةِ الحاصِلَةِ مِنها، وذَلِكَ يُنْبِئُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣١] .
وأمّا الحِكْمَةُ بِمَعْنى فِعْلِ الصَّوابِ فَقِيلَ في حَدِّها: إنَّها التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ اللَّهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، ومَدارُ هَذا المَعْنى عَلى قَوْلِهِ ﷺ: ”«تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى» “ . واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ لا يُمْكِنُ خُرُوجُها عَنْ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في شَيْئَيْنِ: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالمَرْجِعُ بِالأوَّلِ إلى العِلْمِ والإدْراكِ المُطابِقِ، وبِالثّانِي إلى فِعْلِ العَدْلِ والصَّوابِ، فَحُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ ﷺ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [الشُّعَراءِ: ٨٣] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، ونادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [طه: ١٤] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٠] الآيَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مَرْيَمَ: ٣١] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النَّحْلِ: ٢] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، والقُرْآنُ هو مِنَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ لَيْسَ إلّا في هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الحِكْمَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحُكْمِ، وهي كالنَّحْلَةِ مِنَ النَّحْلِ، ورَجُلٌ حَكِيمُ إذا كانَ ذا حِجًى ولُبٍّ وإصابَةِ رَأْيٍ، وهو في هَذا المَوْضِعِ في مَعْنى الفاعِلِ، ويُقالُ: أمْرٌ حَكِيمٌ، أيْ: مُحْكَمٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الدُّخانِ: ٤] وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ مِنَ اشْتِقاقِ اللُّغَةِ يُطابِقُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”ومَن يُؤْتِي الحِكْمَةَ“ بِمَعْنى: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ الحِكْمَةَ، وهَكَذا قَرَأ الأعْمَشُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ الحِكْمَةَ إنْ فَسَّرْناها بِالعِلْمِ لَمْ تَكُنْ مُفَسَّرَةً بِالعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، لِأنَّها حاصِلَةٌ لِلْبَهائِمِ والمَجانِينِ والأطْفالِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا تُوصَفُ بِأنَّها حِكَمٌ، فَهي مُفَسَّرَةٌ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالأفْعالِ الحِسِّيَّةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ والأفْعالِ الحِسِّيَّةِ ثابِتًا مِن غَيْرِهِمْ، وبِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ الغَيْرُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِالِاتِّفاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ والقُرْآنَ، أوْ قُوَّةَ الفَهْمِ والحِسِّيَّةَ عَلى ما هو قَوْلُالرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ ؟ .

قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدْفَعُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ ثَبَتَ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الحَكِيمِ في غَيْرِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ الحِكْمَةُ مُغايِرَةً لِلنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ، بَلْ هي مُفَسَّرَةٌ إمّا بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، أوْ

صفحة ٦١
بِالإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الحَسَنَةِ الصّائِبَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَإنْ حاوَلَتِ المُعْتَزِلَةُ حَمْلَ الإيتاءِ عَلى التَّوْفِيقِ والإعانَةِ والألْطافِ، قُلْنا: كُلُّ ما فَعَلَهُ مِن هَذا الجِنْسِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ فَعَلَ مَثَلَهُ في حَقِّ الكُفّارِ، مَعَ أنَّ هَذا المَدْحَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَناوَلُهم، فَعَلِمْنا أنَّ الحِكْمَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى فِعْلِ الألْطافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ بِهِ عِنْدِي واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى الحِكَمَ والمَعارِفَ حاصِلَةً في قَلْبِهِ، ثُمَّ تَأمَّلَ وتَدَبَّرَ وعَرَفَ أنَّها لَمْ تَحْصُلْ إلّا بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، كانَ مِن أُولِي الألْبابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ المُسَبِّباتِ، بَلْ تَرَقّى مِنها إلى أسْبابِها، فَهَذا الِانْتِقالُ مِنَ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ هو التَّذَكُّرُ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا لِأُولِي الألْبابِ، وأمّا مَن أضافَ هَذِهِ الأحْوالَ إلى نَفْسِهِ، واعْتَقَدَ أنَّهُ هو السَّبَبُ في حُصُولِها وتَحْصِيلِها، كانَ مِنَ الظّاهِرِيِّينَ الَّذِينَ عَجَزُوا عَنِ الِانْتِقالِ مِنَ المُسَبِّباتِ إلى الأسْبابِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم لَمّا فَسَّرُوا الحِكْمَةَ بِقُوَّةِ الفَهْمِ ووَضْعِ الدَّلائِلِ، قالُوا: هَذِهِ الحِكْمَةُ لا تَقُومُ بِنَفْسِها، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها المَرْءُ بِأنْ يَتَدَبَّرَ ويَتَفَكَّرَ، فَيَعْرِفَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقْدُمُ أوْ يَحْجِمُ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن أجْوَدِ المالِ، ثُمَّ حَثَّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حَثَّ عَلَيْهِ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى اخْتِصارِهِ، يُفِيدُ الوَعْدَ العَظِيمَ لِلْمُطِيعِينَ، والوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما في قَلْبِ المُتَصَدِّقِ مِن نِيَّةِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ أوْ مِن نِيَّةِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

وثانِيها: أنَّ عِلْمَهُ بِكَيْفِيَّةِ نِيَّةِ المُتَصَدِّقِ يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الطّاعاتِ، كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ القَدْرَ المُسْتَحَقَّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى تِلْكَ الدَّواعِي والنِّيّاتِ فَلا يُهْمِلُ شَيْئًا مِنها، ولا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُها، لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأخِيرِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٢] وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّ الكِتابَةَ عادَتْ إلى ما في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّها اسْمٌ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣١] .

صفحة ٦٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّذْرُ ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِإيجابِهِ عَلى نَفْسِهِ يُقالُ: نَذَرَ يَنْذُرُ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَعْقِدُ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ في الأمْرِ المُهِمِّ عِنْدَهُ، وأنْذَرْتُ القَوْمَ إنْذارًا بِالتَّخْوِيفِ، وفي الشَّرِيعَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُفَسَّرٍ وغَيْرِ مُفَسَّرٍ، فالمُفَسَّرُ أنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِلَّهِ عَلَيَّ حَجٌّ، فَهَهُنا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ ولا يَجْزِيهِ غَيْرُهُ. وغَيْرُ المُفَسَّرِ أنْ يَقُولَ: نَذَرْتُ لِلَّهِ أنْ لا أفْعَلَ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ، أوْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَيَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن نَذَرَ نَذْرًا وسَمّى فَعَلَيْهِ ما سَمّى، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ» “ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وهو قِسْمانِ، أمّا ظُلْمُهُ نَفْسَهُ فَذاكَ حاصِلٌ في كُلِّ المَعاصِي، وأمّا ظُلْمُهُ غَيْرَهُ فَبِأنْ لا يُنْفِقَ أوْ يَصْرِفَ الإنْفاقَ عَنِ المُسْتَحِقِّ إلى غَيْرِهِ، أوْ يَكُونَ نِيَّتُهُ في الإنْفاقِ عَلى المُسْتَحِقِّ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، أوْ يُفْسِدَها بِالمَعاصِي، وهَذانِ القِسْمانِ الأخِيرانِ لَيْسا مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى الغَيْرِ، بَلْ مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ، قالُوا: لِأنَّ ناصِرَ الإنْسانِ مَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ، فَلَوِ انْدَفَعَتِ العُقُوبَةُ عَنْهم بِشَفاعَةِ الشُّفَعاءِ لَكانَ أُولَئِكَ أنْصارًا لَهم وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ العُرْفَ لا يُسَمِّي الشَّفِيعَ ناصِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٤٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الشَّفِيعِ والنّاصِرِ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأنْصارِ نَفْيُ الشُّفَعاءِ.

والجَوابُ الثّانِي: لَيْسَ لِمَجْمُوعِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ لَيْسَ لِبَعْضِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ ؟

فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الظّالِمِينَ ولَفْظُ الأنْصارِ جَمْعٌ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ تَوَزَّعَ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، فَكانَ المَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الظّالِمِينَ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ.

قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تُوجِبُ تَوَزُّعَ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَقَطْ لا مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ.

والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ النّافِيَ لِلشَّفاعَةِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، وفي كُلِّ الأوْقاتِ، والدَّلِيلُ المُثْبِتُ لِلشَّفاعَةِ خاصٌّ في حَقِّ البَعْضِ وفي بَعْضِ الأوْقاتِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

والجَوابُ الرّابِعُ: ما بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ العامَّ لا يَكُونُ قاطِعًا في الِاسْتِغْراقِ، بَلْ ظاهِرًا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ القَوِيِّ فَصارَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا، والمَسْألَةُ لَيْسَتْ ظَنِّيَّةً، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِها ساقِطًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ، وأحْبابٍ وحَبِيبٍ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allah, with what you do, is [fully] Acquainted.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الإنْفاقَ مِنهُ ما يَتْبَعُهُ المَنُّ والأذى، ومِنهُ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا أنَّ الإنْفاقَ قَدْ يَكُونُ مِن جَيِّدٍ ومِن رَدِيءٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْفاقَ قَدْ يَكُونُ ظاهِرًا وقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، وذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الصَّدَقَةُ تُطْلَقُ عَلى الفَرْضِ والنَّفْلِ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ١٣] وقالَ: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] وقالَ ﷺ: ”«نَفَقَةُ المَرْءِ عَلى عِيالِهِ صَدَقَةٌ» “ والزَّكاةُ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الفَرْضِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُ الصَّدَقَةِ ”ص د ق“ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ مَوْضُوعٌ لِلصِّحَّةِ والكَمالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ صَدْقُ النَّظَرِ، وصَدْقُ اللِّقاءِ، وصَدَقُوهُمُ القِتالَ، وفُلانٌ صادِقُ المَوَدَّةِ، وهَذا خَلٌّ صادِقُ الحُمُوضَةِ، وشَيْءٌ صادِقُ الحَلاوَةِ، وصَدَقَ فُلانٌ في خَبَرِهِ إذا أخْبَرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ صَحِيحًا كامِلًا، والصَّدِيقُ يُسَمّى صَدِيقًا لِصِدْقِهِ في المَوَدَّةِ، والصَّداقُ سُمِّيَ صَداقًا لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ بِهِ يَتِمُّ ويَكْمُلُ، وسَمّى اللَّهَ تَعالى الزَّكاةَ صَدَقَةً لِأنَّ المالَ بِها يَصِحُّ ويَكْمُلُ، فَهي سَبَبٌ إمّا لِكَمالِ المالِ وبَقائِهِ، وإمّا لِأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى صِدْقِ العَبْدِ في إيمانِهِ وكَمالِهِ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ نِعْمَ ما، إلّا أنَّهُ أُدْغِمَ أحَدُ المِيمَيْنِ في الآخَرِ، ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ القِراءَةِ:

قَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَنِعْما“ بِكَسْرِ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ: لِأنَّها لُغَةُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ: ”«نِعْما بِالمالِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ» “ هَكَذا رُوِيَ في الحَدِيثِ بِسُكُونِ العَيْنِ، والنَّحْوِيُّونَ قالُوا: هَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ إلّا فِيما يَكُونُ الحَرْفُ الأوَّلُ مِنهُما حَرْفَ المَدِّ واللِّينِ، نَحْوَ: دابَّةٍ وشابَّةٍ؛ لِأنَّ ما في الحَرْفِ مِنَ المَدِّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، وأمّا الحَدِيثُ فَلِأنَّهُ لَمّا دَلَّ الحِسُّ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ السّاكِنَيْنِ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا تَكَلَّمَ بِهِ أوْقَعَ في العَيْنِ حَرَكَةً خَفِيفَةً عَلى سَبِيلِ الِاخْتِلاسِ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”فَنِعِمّا هي“ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، وفي تَقْرِيرِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا احْتاجُوا إلى تَحْرِيكِ العَيْنِ حَرَّكُوها مِثْلَ حَرَكَةِ ما قَبْلَها.

والثّانِي: أنَّ هَذا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ ”نِعِمْ“ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ.

القِراءَةُ الثّالِثَةُ: وهي قِراءَةُ سائِرِ القُرّاءِ ”فَنَعِمّا هي“ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، ومَن قَرَأ بِهَذِهِ القِراءَةِ، فَقَدْ أتى بِهَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهي ”نَعِمْ“ قالَ طَرَفَةُ:

صفحة ٦٤

نَعِمَ السّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرِّ
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”ما“ في تَأْوِيلِ الشَّيْءِ، أيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ هو، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الجَيِّدُ في تَمْثِيلِ هَذا أنْ يُقالَ: ”ما“ في تَأْوِيلِ شَيْءٍ؛ لِأنَّ ”ما“ هَهُنا نَكِرَةٌ، فَتَمْثِيلُهُ بِالنَّكِرَةِ أبْيَنُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ”ما“ نَكِرَةٌ هَهُنا أنَّها لَوْ كانَتْ مَعْرِفَةً فَلا بُدَّ لَها مِنَ الصِّلَةِ، ولَيْسَ هَهُنا ما يُوصَلُ بِهِ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ بَعْدَ ”ما“ هو هي، وكَلِمَةُ ”هِيَ“ مُفْرَدَةٌ، والمُفْرَدُ لا يَكُونُ صِلَةً لِما؛ وإذا بَطَلَ هَذا القَوْلُ فَنَقُولُ: ”ما“ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، والتَّقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا هي إبْداءُ الصَّدَقاتِ، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِالصَّدَقَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ: التَّطَوُّعُ، أوِ الواجِبُ، أوْ مَجْمُوعُهُما.
فالقَوْلُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّ المُرادَ مِنهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، قالُوا: لِأنَّ الإخْفاءَ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أفْضَلُ، والإظْهارَ في الزَّكاةِ أفْضَلُ، وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في أنَّ الأفْضَلَ في إعْطاءِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إخْفاؤُهُ أوْ إظْهارُهُ. فَلْنَذْكُرْ أوَّلًا الوُجُوهَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ إخْفاءَهُ أفْضَلُ:

فالأوَّلُ: أنَّها تَكُونُ أبْعَدَ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، قالَ ﷺ: ”«لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن مُسْمِعٍ ولا مُراءٍ ولا مَنّانٍ» “ والمُتَحَدِّثُ بِصَدَقَتِهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَطْلُبُ السُّمْعَةَ، والمُعْطِي في مَلَأٍ مِنَ النّاسِ يَطْلُبُ الرِّياءَ، والإخْفاءُ والسُّكُوتُ هو المُخَلِّصُ مِنهُما، وقَدْ بالَغَ قَوْمٌ في قَصْدِ الإخْفاءِ، واجْتَهَدُوا أنْ لا يَعْرِفَهُمُ الآخِذُ، فَكانَ بَعْضُهم يُلْقِيهِ في يَدِ أعْمى، وبَعْضُهم يُلْقِيهِ في طَرِيقِ الفَقِيرِ، وفي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ حَيْثُ يَراهُ ولا يَرى المُعْطِيَ، وبَعْضُهم كانَ يَشُدُّهُ في أثْوابِ الفَقِيرِ وهو نائِمٌ، وبَعْضُهم كانَ يُوصِلُ إلى يَدِ الفَقِيرِ عَلى يَدِ غَيْرِهِ، والمَقْصُودُ عَنِ الكُلِّ الِاحْتِرازُ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ والمِنَّةِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ إذا عَرَفَ المُعْطِيَ فَقَدْ حَصَلَ الرِّياءُ والمِنَّةَ مَعًا، ولَيْسَ في مَعْرِفَةِ المُتَوَسِّطِ الرِّياءُ.

وثانِيها: أنَّهُ إذا أخْفى صَدَقَتَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَيْنَ النّاسِ شُهْرَةٌ ومَدْحٌ وتَعْظِيمٌ، فَكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أكْثَرَ ثَوابًا.

وثالِثُها: قَوْلُهُ ﷺ: ”«أفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّ إلى الفَقِيرِ في سِرٍّ» “ وقالَ أيْضًا: ”«إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلًا في السِّرِّ يَكْتُبُهُ اللَّهُ لَهُ سِرًّا فَإنْ أظْهَرَهُ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ وكُتِبَ في العَلانِيَةِ، فَإنْ تَحَدَّثَ بِهِ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وكُتِبَ في الرِّياءِ» “ وفي الحَدِيثِ المَشْهُورِ: ”«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: أحَدُهم رَجُلٌ تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَلَمْ تَعْلَمْ شِمالُهُ بِما أعْطاهُ يَمِينُهُ» “ وقالَ ﷺ: ”«صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» “ .

ورابِعُها: أنَّ الإظْهارَ يُوجِبُ إلْحاقَ الضَّرَرِ بِالآخِذِ مِن وُجُوهٍ، والإخْفاءَ لا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإخْفاءُ أوْلى، وبَيانُ تِلْكَ المَضارِّ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ في الإظْهارِ هَتْكَ عِرْضِ الفَقِيرِ وإظْهارَ فَقْرِهِ، ورُبَّما لا يَرْضى الفَقِيرُ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ في الإظْهارِ إخْراجَ الفَقِيرِ مِن هَيْئَةِ التَّعَفُّفِ وعَدَمِ السُّؤالِ، واللَّهُ تَعالى مَدَحَ ذَلِكَ في الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٧٣] .

والثّالِثُ: أنَّ النّاسَ رُبَّما أنْكَرُوا عَلى الفَقِيرِ أخْذَ تِلْكَ الصَّدَقَةِ، ويَظُنُّونَ أنَّهُ أخَذَها مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْها، فَيَقَعُ الفَقِيرُ في المَذَمَّةِ والنّاسُ في الغَيْبَةِ.

والرّابِعُ: أنَّ في إظْهارِ الإعْطاءِ إذْلالًا لِلْآخِذِ وإهانَةً لَهُ، وإزْلالُ المُؤْمِنِ غَيْرُ جائِزٍ.

والخامِسُ: أنَّ الصَّدَقَةَ جارِيَةٌ مَجْرى الهَدِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أُهْدِيَ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ وعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهم شُرَكاؤُهُ فِيها» “ ورُبَّما لا يَدْفَعُ الفَقِيرُ مِن تِلْكَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا إلى

صفحة ٦٥
شُرَكائِهِ الحاضِرِينَ فَيَقَعُ الفَقِيرُ بِسَبَبِ إظْهارِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ إخْفاءَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أوْلى.
وأمّا الوَجْهُ في جَوازِ إظْهارِ الصَّدَقَةِ، فَهو أنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ إذا أظْهَرَها صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاقْتِداءِ الخَلْقِ بِهِ في إعْطاءِ الصَّدَقاتِ، فَيَنْتَفِعُ الفُقَراءُ بِها فَلا يَمْتَنِعُ والحالُ هَذِهِ أنْ يَكُونَ الإظْهارُ أفْضَلَ، ورَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ ”«السِّرُّ أفْضَلُ مِنَ العَلانِيَةِ، والعَلانِيَةُ أفْضَلُ لِمَن أرادَ الِاقْتِداءَ بِهِ» “ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الحِكِيمُ التَّرْمِذِيُّ: الإنْسانُ إذا أتى بِعَمَلٍ وهو يُخْفِيهِ عَنِ الخَلْقِ وفي نَفْسِهِ شَهْوَةٌ أنْ يَرى الخَلْقُ مِنهُ ذَلِكَ وهو يَدْفَعُ تِلْكَ الشَّهْوَةَ فَهَهُنا الشَّيْطانُ يُورِدُ عَلَيْهِ ذِكْرَ رُؤْيَةِ الخَلْقِ، والقَلْبُ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَدْفَعُهُ، فَهَذا الإنْسانُ في مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ فَضُوعِفَ العَمَلُ سَبْعِينَ ضِعْفًا عَلى العَلانِيَةِ، ثُمَّ إنَّ لِلَّهِ عِبادًا راضُوا أنْفُسَهم حَتّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ هِدايَتِهِ فَتَراكَمَتْ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْوارُ المَعْرِفَةِ، وذَهَبَتْ عَنْهم وساوِسُ النَّفْسِ، لِأنَّ الشَّهَواتِ قَدْ ماتَتْ مِنهم ووَقَعَتْ قُلُوبُهم في بِحارِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإذا عَمِلَ عَمَلًا عَلانِيَةً لَمْ يَحْتَجْ أنْ يُجاهِدَ، لِأنَّ شَهْوَةَ النَّفْسِ قَدْ بَطَلَتْ، ومُنازَعَةَ النَّفْسِ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَإذا أعْلَنَ بِهِ فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ فَهَذا عَبْدٌ كَمُلَتْ ذاتُهُ فَسَعى في تَكْمِيلِ غَيْرِهِ لِيَكُونَ تامًّا وفَوْقَ التَّمامِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ في تَنْزِيلِهِ وسَمّاهم عِبادَ الرَّحْمَنِ، وأوْجَبَ لَهم أعْلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٥] ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ الخِصالِ الَّتِي طَلَبُوها بِالدُّعاءِ أنْ قالُوا ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٤] ومَدَحَ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ١٥٩] ومَدَحَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] ثُمَّ أبْهَمَ المُنْكَرَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ١٨١] فَهَؤُلاءِ أئِمَّةُ الهُدى وأعْلامُ الدِّينِ وسادَةُ الخَلْقِ بِهِمْ يَهْتَدُونَ في الذَّهابِ إلى اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ فَلِمَ رَجَّحَ الإخْفاءَ عَلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يُفِيدُ التَّرْجِيحَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ إعْطاءَ الصَّدَقَةِ حالَ الإخْفاءِ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، وطاعَةٌ مِن جُمْلَةِ الطّاعاتِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنهُ بَيانَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ خَيْرًا وطاعَةً، لا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ التَّرْجِيحِ.

والوَجْهُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّرْجِيحُ، لَكِنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ إذا كانَتِ الحالُ واحِدَةً في الإبْداءِ والإخْفاءِ، فالأفْضَلُ هو الإخْفاءُ، فَأمّا إذا حَصَلَ في الإبْداءِ أمْرٌ آخَرُ لَمْ يَبْعُدْ تَرْجِيحُ الإبْداءِ عَلى الإخْفاءِ.

* * *
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ الإظْهارَ في إعْطاءِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ أفْضَلُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الأئِمَّةَ بِتَوْجِيهِ السُّعاةِ لِطَلَبِ الزَّكاةِ، وفي دَفْعِها إلى السُّعاةِ إظْهارُها.

وثانِيها: أنَّ في إظْهارِها نَفْيَ التُّهْمَةِ، «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ كانَ أكْثَرَ صَلاتِهِ في البَيْتِ إلّا المَكْتُوبَةَ» فَإذا اخْتَلَفَ حُكْمُ فَرْضِ الصَّلاةِ ونَفْلِها في الإظْهارِ والإخْفاءِ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ، فَكَذا في الزَّكاةِ.

وثالِثُها: أنَّ إظْهارَها يَتَضَمَّنُ المُسارَعَةَ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى وتَكْلِيفِهِ، وإخْفاءَها يُوهِمُ تَرْكَ الِالتِفاتِ إلى أداءِ الواجِبِ فَكانَ الإظْهارُ أوْلى، هَذا كُلُّهُ في بَيانِ قَوْلِ مَن قالَ المُرادُ

صفحة ٦٦
بِالصَّدَقاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَقَطْ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ اللَّفْظَ مُتَناوِلٌ لِلْواجِبِ والمَندُوبِ، وأجابَ عَنْ قَوْلِ مَن قالَ: الإظْهارُ في الواجِبِ أوْلى مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ إظْهارَ زَكاةِ الأمْوالِ تُوجِبُ إظْهارَ قَدْرِ المالِ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلضَّرَرِ، بِأنْ يُطْمِعَ الظَّلَمَةَ في مالِهِ، أوْ بِكَثْرَةِ حُسّادِهِ، وإذا كانَ الأفْضَلُ لَهُ إخْفاءَ مالِهِ لَزِمَ مِنهُ لا مَحالَةَ أنْ يَكُونَ إخْفاءُ الزَّكاةِ أوْلى.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في أيّامِ الرَّسُولِ ﷺ، والصَّحابَةُ ما كانُوا مُتَّهَمِينَ في تَرْكِ الزَّكاةِ فَلا جَرَمَ كانَ إخْفاءُ الزَّكاةِ أوْلى لَهم؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، أمّا الآنَ فَلَمّا حَصَلَتِ التُّهْمَةُ كانَ الإظْهارُ أوْلى بِسَبَبِ حُصُولِ التُّهْمَةِ.

الثّالِثُ: أنّا لا نُسَلِّمُ دَلالَةَ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ عَلى التَّرْجِيحِ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فالإخْفاءُ نَقِيضُ الإظْهارِ وقَوْلُهُ: (فَهو) كِنايَةٌ عَنِ الإخْفاءِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ في نَفْسِهِ خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، كَما يُقالُ: الثَّرِيدُ خَيْرٌ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّرْجِيحُ، وإنَّما شَرَطَ تَعالى في كَوْنِ الإخْفاءِ أفْضَلَ أنْ تُؤْتُوها الفُقَراءَ؛ لِأنَّ عِنْدَ الإخْفاءِ الأقْرَبَ أنْ يَعْدِلَ بِالزَّكاةِ عَنِ الفُقَراءِ، إلى الأحْبابِ والأصْدِقاءِ الَّذِينَ لا يَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكاةِ، ولِذَلِكَ شَرَطَ في الإخْفاءِ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ إيتاءُ الفُقَراءِ، والمَقْصُودُ بَعْثُ المُتَصَدِّقِ عَلى أنْ يَتَحَرّى مَوْضِعَ الصَّدَقَةِ، فَيَصِيرُ عالِمًا بِالفُقَراءِ، فَيُمَيِّزُهم عَنْ غَيْرِهِمْ، فَإذا تَقَدَّمَ مِنهُ هَذا الِاسْتِظْهارُ ثُمَّ أخْفاها حَصَلَتِ الفَضِيلَةُ.

* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّكْفِيرُ في اللُّغَةِ التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ، ورَجُلٌ مُكَفَّرٌ في السِّلاحِ مُغَطًّى فِيهِ، ومِنهُ يُقالُ: كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، أيْ سَتَرَ ذَنْبَ الحِنْثِ بِما بَذَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، والكَفّارَةُ سِتارَةٌ لِما حَصَلَ مِنَ الذَّنْبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”نُكَفِّرُ“ بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ما بَعْدَ الفاءِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ونَحْنُ نُكَفِّرُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ مُبْتَدَأٍ بِمُسْتَأْنِفَةٍ مُنْقَطِعَةٍ عَمّا قَبْلَها.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ قِراءَةُ حَمْزَةَ ونافِعٍ والكِسائِيِّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، ووَجْهُهُ أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ مَوْضِعَهُ جَزْمٌ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تُخْفُوها تَكُنْ أعْظَمَ لِثَوابِكم، لَجَزَمَ فَيَظْهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ومِثْلُهُ في الحَمْلِ عَلى مَوْضِعِ الجَزْمِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرْهم) [الأعْرافِ: ١٨٦] بِالجَزْمِ.

والقِراءَةُ الثّالِثَةُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ”يُكَفِّرُ“ بِالياءِ وكَسْرِ الفاءِ ورَفْعِ الرّاءِ، والمَعْنى: يُكَفِّرُ اللَّهُ أوْ يُكَفِّرُ الإخْفاءُ، وحُجَّتُهم أنَّ ما بَعْدَهُ عَلى لَفْظِ الإفْرادِ، وهو قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَقَوْلُهُ (يُكَفِّرُ) يَكُونُ أشْبَهَ بِما بَعْدَهُ، والأوَّلُونَ أجابُوا وقالُوا: لا بَأْسَ بِأنْ يَذْكُرَ لَفْظَ الجَمْعِ أوَّلًا ثُمَّ لَفْظَ الإفْرادِ ثانِيًا كَما أتى بِلَفْظِ الإفْرادِ أوَّلًا والجَمْعِ ثانِيًا في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [الإسْراءِ: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسْراءِ: ٢] .

ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قِراءَةً رابِعَةً ”وتُكَفِّرْ“ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفاعِلُ الصَّدَقاتُ.

وقِراءَةً خامِسَةً وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِالتّاءِ والنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“ ومَعْناها: إنْ تُخْفُوها يَكُنْ خَيْرًا لَكم، وأنْ نُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم فَهو خَيْرٌ لَكم.

صفحة ٦٧
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في دُخُولِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وُجُوهٌ:
أحَدُها: المُرادُ: ونُكَفِّرُ عَنْكم بَعْضَ سَيِّئاتِكم لِأنَّ السَّيِّئاتِ كُلَّها لا تُكَفَّرُ بِذَلِكَ، وإنَّما يُكَفَّرُ بَعْضُها ثُمَّ أبْهَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ البَعْضِ لِأنَّ بَيانَهُ كالإغْواءِ بِارْتِكابِها إذا عَلِمَ أنَّها مُكَفَّرَةٌ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَكُونَ العَبْدُ في كُلِّ أحْوالِهِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإبْهامِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”مِن“ بِمَعْنى مِن أجْلِ، والمَعْنى: ونُكَفِّرُ عَنْكم مِن أجْلِ ذُنُوبِكم، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُكَ مِن سُوءِ خُلُقِكَ أيْ مِن أجْلِ ذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٦٦] والتَّقْدِيرُ: ونُكَفِّرُ عَنْكم جَمِيعَ سَيِّئاتِكم. والأوَّلُ أوْلى وهو الأصَحُّ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو إشارَةٌ إلى تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ وأنْتُمْ إنَّما تُرِيدُونَ بِالصَّدَقَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِ، فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُكم في السِّرِّ، فَما مَعْنى الإبْداءِ ! فَكَأنَّهم نُدِبُوا بِهَذا الكَلامِ إلى الإخْفاءِ لِيَكُونَ أبْعَدَ مِنَ الرِّياءِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Not upon you, [O Muhammad], is [responsibility for] their guidance, but Allah guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the countenance of Allah. And whatever you spend of good - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[Charity is] for the poor who have been restricted for the cause of Allah, unable to move about in the land. An ignorant [person] would think them self-sufficient because of their restraint, but you will know them by their [characteristic] sign. They do not ask people persistently [or at all]. And whatever you spend of good - indeed, Allah is Knowing of it.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Those who spend their wealth [in Allah 's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Those who consume interest cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allah has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allah. But whoever returns to [dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Allah destroys interest and gives increase for charities. And Allah does not like every sinning disbeliever.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakah will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, fear Allah and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

مفاتيح الغيبAl-Rāzī

Loading…

You read 2:269–278 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:269