All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Baqarah 2:270 Juzʾ 3 Page 46

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن أجْوَدِ المالِ، ثُمَّ حَثَّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حَثَّ عَلَيْهِ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى اخْتِصارِهِ، يُفِيدُ الوَعْدَ العَظِيمَ لِلْمُطِيعِينَ، والوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما في قَلْبِ المُتَصَدِّقِ مِن نِيَّةِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ أوْ مِن نِيَّةِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

وثانِيها: أنَّ عِلْمَهُ بِكَيْفِيَّةِ نِيَّةِ المُتَصَدِّقِ يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الطّاعاتِ، كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ القَدْرَ المُسْتَحَقَّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى تِلْكَ الدَّواعِي والنِّيّاتِ فَلا يُهْمِلُ شَيْئًا مِنها، ولا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُها، لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأخِيرِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١١٢] وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّ الكِتابَةَ عادَتْ إلى ما في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّها اسْمٌ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣١] .

صفحة ٦٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّذْرُ ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِإيجابِهِ عَلى نَفْسِهِ يُقالُ: نَذَرَ يَنْذُرُ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَعْقِدُ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ في الأمْرِ المُهِمِّ عِنْدَهُ، وأنْذَرْتُ القَوْمَ إنْذارًا بِالتَّخْوِيفِ، وفي الشَّرِيعَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُفَسَّرٍ وغَيْرِ مُفَسَّرٍ، فالمُفَسَّرُ أنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِلَّهِ عَلَيَّ حَجٌّ، فَهَهُنا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ ولا يَجْزِيهِ غَيْرُهُ. وغَيْرُ المُفَسَّرِ أنْ يَقُولَ: نَذَرْتُ لِلَّهِ أنْ لا أفْعَلَ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ، أوْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَيَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن نَذَرَ نَذْرًا وسَمّى فَعَلَيْهِ ما سَمّى، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ» “ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وهو قِسْمانِ، أمّا ظُلْمُهُ نَفْسَهُ فَذاكَ حاصِلٌ في كُلِّ المَعاصِي، وأمّا ظُلْمُهُ غَيْرَهُ فَبِأنْ لا يُنْفِقَ أوْ يَصْرِفَ الإنْفاقَ عَنِ المُسْتَحِقِّ إلى غَيْرِهِ، أوْ يَكُونَ نِيَّتُهُ في الإنْفاقِ عَلى المُسْتَحِقِّ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، أوْ يُفْسِدَها بِالمَعاصِي، وهَذانِ القِسْمانِ الأخِيرانِ لَيْسا مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى الغَيْرِ، بَلْ مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ، قالُوا: لِأنَّ ناصِرَ الإنْسانِ مَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ، فَلَوِ انْدَفَعَتِ العُقُوبَةُ عَنْهم بِشَفاعَةِ الشُّفَعاءِ لَكانَ أُولَئِكَ أنْصارًا لَهم وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ العُرْفَ لا يُسَمِّي الشَّفِيعَ ناصِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٤٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الشَّفِيعِ والنّاصِرِ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأنْصارِ نَفْيُ الشُّفَعاءِ.

والجَوابُ الثّانِي: لَيْسَ لِمَجْمُوعِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ لَيْسَ لِبَعْضِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ ؟

فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الظّالِمِينَ ولَفْظُ الأنْصارِ جَمْعٌ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ تَوَزَّعَ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، فَكانَ المَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الظّالِمِينَ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ.

قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تُوجِبُ تَوَزُّعَ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَقَطْ لا مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ.

والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ النّافِيَ لِلشَّفاعَةِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، وفي كُلِّ الأوْقاتِ، والدَّلِيلُ المُثْبِتُ لِلشَّفاعَةِ خاصٌّ في حَقِّ البَعْضِ وفي بَعْضِ الأوْقاتِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

والجَوابُ الرّابِعُ: ما بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ العامَّ لا يَكُونُ قاطِعًا في الِاسْتِغْراقِ، بَلْ ظاهِرًا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ القَوِيِّ فَصارَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا، والمَسْألَةُ لَيْسَتْ ظَنِّيَّةً، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِها ساقِطًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ، وأحْبابٍ وحَبِيبٍ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:270