All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Anbiyāʾ 21:20 Juzʾ 17 Page 323

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهانِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى اللَّعِبَ عَنْ نَفْسِهِ، ونَفِيُ اللَّعِبِ لا يَصِحُّ إلّا بِنَفْيِ الحاجَةِ، ونَفْيُ الحاجَةِ لا يَصِحُّ إلّا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ، لا جَرَمَ عَقَّبَ تِلْكَ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى كَمالِ المُلْكِ والقُدْرَةِ. الثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى كَلامَ الطّاعِنِينَ في النُّبُوّاتِ وأجابَ عَنْها وبَيَّنَ أنَّ غَرَضَهم مِن تِلْكَ المَطاعِنِ التَّمَرُّدُ وعَدَمُ الِانْقِيادِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ طاعَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ هو المالِكُ لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ والمَخْلُوقاتِ، ولِأجْلِ أنَّ المَلائِكَةَ مَعَ جَلالَتِهِمْ مُطِيعُونَ لَهُ خائِفُونَ مِنهُ فالبَشَرُ مَعَ نِهايَةِ الضَّعْفِ أوْلى أنْ يُطِيعُوهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ المُكَلَّفِينَ في السَّماءِ والأرْضِ فَهم عَبِيدُهُ وهو الخالِقُ لَهم والمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِأصْنافِ النِّعَمِ، فَيَجِبُ عَلى الكُلِّ طاعَتُهُ والِانْقِيادُ لِحُكْمِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلالَةُ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ بِإجْماعِ الأُمَّةِ ولِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهَذا لا يَلِيقُ بِالبَشَرِ، وهَذِهِ العِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ لا عِنْدِيَّةُ المَكانِ والجِهَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: المَلائِكَةُ مَعَ كَمالِ شَرَفِهِمْ ونِهايَةِ جَلالَتِهِمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طاعَتِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالبَشَرِ الضَّعِيفِ التَّمَرُّدُ عَنْ طاعَتِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ولا يَتْعَبُونَ ولا يَعْيَوْنَ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ الِاسْتِحْسارُ مُبالَغَةٌ في الحُسُورِ فَكانَ الأبْلَغُ في وصْفِهِمْ أنْ يَنْفِيَ عَنْهم أدْنى الحُسُورِ، قُلْتُ في الِاسْتِحْسارِ بَيانُ أنَّ ما هم فِيهِ يُوجِبُ غايَةَ الحُسُورِ وأقْصاهُ وأنَّهم أحِقّاءُ لِتِلْكَ العِباداتِ الشّاقَّةِ بِأنْ يَسْتَحْسِرُوا فِيما يَفْعَلُونَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فالمَعْنى أنَّ تَسْبِيحَهم مُتَّصِلٌ دائِمٌ في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ لا يَتَخَلَّلُهُ فَتْرَةٌ بِفَراغٍ أوْ بِشُغْلٍ آخَرَ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ قالَ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أفَلا تَكُونُ تِلْكَ الرِّسالَةُ مانِعَةً لَهم عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ، وأيْضًا قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ١٦١]

صفحة ١٢٩
فَكَيْفَ يَشْتَغِلُونَ بِاللَّعْنِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ ؟ أجابَ كَعْبُ الأحْبارِ فَقالَ: التَّسْبِيحُ لَهم كالتَّنَفُّسِ لَنا فَكَما أنَّ اشْتِغالَنا بِالتَّنَفُّسِ لا يَمْنَعُنا مِنَ الكَلامِ فَكَذا اشْتِغالُهم بِالتَّسْبِيحِ لا يَمْنَعُهم مِن سائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قِيلَ هَذا القِياسُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالتَّنَفُّسِ إنَّما لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّ آلَةَ التَّنَفُّسِ غَيْرُ آلَةِ الكَلامِ، أمّا التَّسْبِيحُ واللَّعْنُ فَهُما مِن جِنْسِ الكَلامِ فاجْتِماعُهُما مُحالٌ، والجَوابُ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهم ألْسِنَةً كَثِيرَةً بِبَعْضِها يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وبِبَعْضِها يَلْعَنُونَ أعْداءَ اللَّهِ، أوْ يُقالُ مَعْنى قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أنَّهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ العَزْمِ عَلى أدائِهِ في أوْقاتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا يُواظِبُ عَلى الجَماعاتِ لا يَفْتُرُ عَنْها لا يُرادُ بِهِ أنَّهُ أبَدًا مُشْتَغِلٌ بِها بَلْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَزْمِ عَلى أدائِها في أوْقاتِها.

The same ayah, in another commentary

Al-Anbiyāʾ 21:20