All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Ash-Shuʿarāʾ 26:11 Juzʾ 19 Page 367

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

The people of Pharaoh. Will they not fear Allah?"

Read in the muṣḥaf

[ القِصَّةُ الأُولى: قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ] .

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اخْتَلَفَ أهْلُ السُّنَّةِ في النِّداءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، هَلْ هو كَلامُهُ القَدِيمُ، أوْ هو ضَرْبٌ مِنَ الأصْواتِ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ: المَسْمُوعُ هو الكَلامُ القَدِيمُ، وكَما أنَّ ذاتَهُ تَعالى لا تُشْبِهُ سائِرَ الأشْياءِ، مَعَ أنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ ومُرَتَّبَةٌ، فَكَذا كَلامُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُشابَهَةِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، مَعَ أنَّهُ مَسْمُوعٌ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ: الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ نِداءً مِن جِنْسِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلِيلَ لَمّا دَلَّ عَلى أنّا رَأيْنا الجَوْهَرَ والعَرَضَ، ولا بُدَّ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُما لِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ، ولا عِلَّةَ إلّا الوُجُودُ، حَكَمْنا بِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أنْ يُرى، ولَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا أنّا نَسْمَعُ الأصْواتَ والأجْسامَ حَتّى يَحْكُمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الجِسْمِ والصَّوْتِ، فَلَمْ يَلْزَمْ صِحَّةُ كَوْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ مَسْمُوعًا

صفحة ١٠٦
فَظَهَرَ الفَرْقُ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ المَسْمُوعَ ما كانَ إلّا حُرُوفًا وأصْواتًا، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ النِّداءَ وقَعَ عَلى وجْهٍ عَلِمَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ مُعْجِزًا عَلِمَ بِهِ أنَّ اللَّهَ مُخاطِبٌ لَهُ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إلى واسِطَةٍ، وكَفى في الوَقْتِ أنْ يُحَمِّلَهُ الرِّسالَةَ الَّتِي هي ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ في بَدْءِ البَعْثَةِ يَجِبُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَأْمُرُهُ بِالأحْكامِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُ تَعالى بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَرَّفَهُ أنَّهُ سَتَظْهَرُ عَلَيْهِ المُعْجِزاتُ إذا طُولِبَ بِذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى سَجَّلَ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا الِاسْمَ مِن وجْهَيْنِ: مِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ، ومِن وجْهِ ظُلْمِهِمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ.

أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقَدْ عَطَفَ ”‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏“ عَلى ”‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏“ عَطْفَ بَيانٍ، كَأنَّ القَوْمَ الظّالِمِينَ وقَوْمَ فِرْعَوْنَ لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقُرِئَ: ”ألا يَتَّقُونِ“ بِكَسْرِ النُّونِ، بِمَعْنى ألا يَتَّقُونَنِي، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ والياءُ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أتْبَعَهُ تَعالى إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حالِهِمْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ‏‏ ‏‏‏‏‏ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ”الظّالِمِينَ“، أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ وعِقابَهُ، فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ، ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى ألا يا ناسُ اتَّقُونِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ [النَّمْلِ: ٢٥] . وأمّا مَن قَرَأ: ”ألا تَتَّقُونَ“ عَلى الخِطابِ، فَعَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وصَرْفِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَما يَرى مَن يَشْكُو مِمَّنْ رَكِبَ جِنايَةً والجانِي حاضِرٌ، فَإذا انْدَفَعَ في الشِّكايَةِ وحَمِيَ غَضَبُهُ، قَطَعَ مُباثَةَ صاحِبِهِ وأقْبَلَ عَلى الجانِي يُوَبِّخُهُ ويُعَنِّفُهُ بِهِ، ويَقُولُ لَهُ: ألا تَتَّقِي اللَّهَ ألّا تَسْتَحِي مِنَ النّاسِ، فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في هَذا الِالتِفاتِ والخِطابُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ المُناجاةِ، والمُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ غائِبُونَ لا يَشْعُرُونَ ؟ قُلْتُ: إجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ إلى مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهم ومُنْهِيهِ إلَيْهِمْ، ولَهُ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى زِيادَةِ التَّقْوى، وكَمْ مِن آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ الكافِرِينَ وفِيها أوْفَرُ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تَدَبُّرًا لَها واعْتِبارًا بِمَوارِدِها.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shuʿarāʾ 26:11