All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Aḥzāb 33:8 Juzʾ 21 Page 419

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

That He may question the truthful about their truth. And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏

يَعْنِي أرْسَلَ الرُّسُلَ. وعاقِبَةُ المُكَلَّفِينَ إمّا حِسابٌ وإمّا عَذابٌ، لِأنَّ الصّادِقَ مُحاسَبٌ والكافِرَ مُعَذَّبٌ، وهَذا كَما قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ الدُّنْيا حَلالُها حِسابٌ وحَرامُها عَذابٌ “ وهَذا مِمّا يُوجِبُ الخَوْفَ العامَّ فَيَتَأكَّدُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ .

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾

تَحْقِيقًا لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ خَوْفٌ مِن أحَدٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ واقِعَةَ اجْتِماعِ الأحْزابِ واشْتِدادِ الأمْرِ عَلى الأصْحابِ حَيْثُ اجْتَمَعَ المُشْرِكُونَ بِأسْرِهِمْ واليَهُودُ بِأجْمَعِهِمْ ونَزَلُوا عَلى المَدِينَةِ وعَمِلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ الخَنْدَقَ، كانَ الأمْرُ في غايَةِ الشِّدَّةِ والخَوْفِ بالِغًا إلى الغايَةِ، واللَّهُ دَفَعَ القَوْمَ عَنْهم مِن غَيْرِ قِتالٍ وآمَنَهم مِنَ الخَوْفِ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَخافَ العَبْدُ غَيْرَ رَبِّهِ فَإنَّهُ كافٍ أمْرَهُ ولا يَأْمَنُ مَكْرَهُ فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ

صفحة ١٧٢
مُمْكِنٍ فَكانَ قادِرًا عَلى أنْ يَقْهَرَ المُسْلِمِينَ بِالكُفّارِ مَعَ أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ كَما قَهَرَ الكافِرِينَ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ قُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن إرْسالِ رِيحٍ بارِدَةٍ عَلَيْهِمْ في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ وإرْسالِ المَلائِكَةِ وقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ حَتّى كانَ البَعْضُ يَلْتَزِقُ بِالبَعْضِ مِن خَوْفِ الخَيْلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، والحِكايَةُ مَشْهُورَةٌ.
وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ التِجاءَكم إلَيْهِ ورَجاءَكم فَضْلَهُ فَنَصَرَكم عَلى الأعْداءِ عِنْدَ الِاسْتِعْداءِ، وهَذا تَقْرِيرٌ لِوُجُوبِ الخَوْفِ وعَدَمِ جَوازِ الخَوْفِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ اللَّهُ يَقْضِي حاجَتَكم وأنْتُمْ لا تَرَوْنَ، فَإنْ كانَ لا يَظْهَرُ لَكم وجْهُ الأمْنِ فَلا تَلْتَفِتُوا إلى عَدَمِ ظُهُورِهِ لَكم لِأنَّكم لا تَرَوْنَ الأشْياءَ فَلا تَخافُونَ غَيْرَ اللَّهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَلا تَقُولُوا بِأنّا نَفْعَلُ شَيْئًا وهو لا يُبْصِرُهُ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بَيانٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ وغايَةِ الخَوْفِ، وقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مِن جانِبِ الشَّرْقِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن جانِبِ الغَرْبِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مالَتْ عَنْ سُنَنِها فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلى العَدُوِّ لِكَثْرَتِهِ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ الشِّدَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ عِنْدَ الغَضَبِ يَنْدَفِعُ وعِنْدَ الخَوْفِ يَجْتَمِعُ فَيَتَقَلَّصُ فَيَلْتَصِقُ بِالحَنْجَرَةِ، وقَدْ يُفْضِي إلى أنْ يَسُدَّ مَجْرى النَّفْسِ لا يَقْدِرُ المَرْءُ يَتَنَفَّسُ ويَمُوتُ مِنَ الخَوْفِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٨٣] .

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ الألِفُ واللّامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونا بِمَعْنى الِاسْتِغْراقِ مُبالَغَةً يَعْنِي تَظُنُّونَ كُلَّ ظَنٍّ؛ لِأنَّ عِنْدَ الأمْرِ العَظِيمِ كُلُّ أحَدٍ يَظُنُّ شَيْئًا ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ظُنُونَهُمُ المَعْهُودَةَ؛ لِأنَّ المَعْهُودَ مِنَ المُؤْمِنِ ظَنُّ الخَيْرِ بِاللَّهِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: “ «ظُنُّوا بِاللَّهِ خَيْرًا» “ ومِنَ الكافِرِ الظَّنُّ السَّوْءُ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ص: ٢٧]، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] فَإنْ قالَ قائِلٌ: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ، فَما الفائِدَةُ في جَمْعِ الظُّنُونِ ؟ فَنَقُولُ: لا شَكَّ في أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ ولَكِنَّ الِاسْمَ قَدْ يُجْعَلُ مَصْدَرًا كَما يُقالُ: ضَرَبْتُهُ سِياطًا وأدَّبْتُهُ مِرارًا. فَكَأنَّهُ قالَ: ظَنَنْتُمْ ظَنًّا بَعْدَ ظَنٍّ أيْ ما ثَبَتُّمْ عَلى ظَنٍّ، فالفائِدَةُ هي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ قالَ: تَظُنُّونَ ظَنًّا، جازَ أنْ يَكُونُوا مُصِيبِينَ فَإذا قالَ ظُنُونًا، تَبَيَّنَ أنَّ فِيهِمْ مَن كانَ ظَنُّهُ كاذِبًا لِأنَّ الظُّنُونَ قَدْ تُكَذَّبُ كُلُّها وقَدْ يُكَذَّبُ بَعْضُها إذا كانَتْ في أمْرٍ واحِدٍ، مِثالُهُ: إذا رَأى جَمْعٌ مِن بَعِيدٍ جِسْمًا وظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ زَيْدٌ وآخَرُونَ أنَّهُ عَمْرٌو وقالَ ثالِثٌ: إنَّهُ بَكْرٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ قَدْ يَكُونُ الكُلُّ مُخْطِئِينَ والمَرْئِيُّ شَجَرٌ أوْ حَجَرٌ. وقَدْ يَكُونُ أحَدُهم مُصِيبًا ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا كُلُّهم مُصِيبِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿الظُّنُونا﴾ أفادَ أنَّ فِيهِمْ مَن أخْطَأ الظَّنَّ، ولَوْ قالَ: تَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظَنًّا ما كانَ يُفِيدُ هَذا.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥzāb 33:8