All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nisāʾ 4:2 Juzʾ 4 Page 77

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا افْتَتَحَ السُّورَةَ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لِتَكالِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مُحْتَرِزًا عَنْ مَساخِطِهِ، شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في شَرْحِ أقْسامِ التَّكالِيفِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِ اليَتامى، وهو هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى وصّى في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالأرْحامِ، فَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ وصّى بِالأيْتامِ، لِأنَّهم قَدْ صارُوا بِحَيْثُ لا كافِلَ لَهم ولا مُشْفِقَ شَدِيدَ الإشْفاقِ عَلَيْهِمْ، فَفارَقَ حالُهم حالَ مَن لَهُ رَحِمٌ ماسَّةٌ عاطِفَةٌ عَلَيْهِ لِمَكانِ الوِلادَةِ أوْ لِمَكانِ الرَّحِمِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اليَتامى الَّذِينَ ماتَ آباؤُهم فانْفَرَدُوا عَنْهم، والَيُتْمُ الِانْفِرادُ، ومِنهُ الرَّمْلَةُ اليَتِيمَةُ والدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وقِيلَ: اليُتْمُ في الأناسِيِّ مِن قِبَلِ الآباءِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ. قالَ: وحَقُّ هَذا الِاسْمِ أنْ يَقَعَ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ لِبَقاءِ الِانْفِرادِ عَنِ الآباءِ، إلّا أنَّ في العُرْفِ اخْتَصَّ هَذا الِاسْمُ بِمَن لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الرِّجالِ، فَإذا صارَ بِحَيْثُ يَسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ في تَحْصِيلِ مَصالِحِهِ عَنْ كافِلٍ يَكْفُلُهُ وقَيِّمٍ يَقُومُ بِأمْرِهِ، زالَ عَنْهُ هَذا الِاسْمُ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَتِيمُ أبِي طالِبٍ، إمّا عَلى القِياسِ، وإمّا عَلى حِكايَةِ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها حِينَ كانَ صَغِيرًا ناشِئًا في حِجْرِ عَمِّهِ تَوْضِيعًا لَهُ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ» “ فَهو تَعْلِيمُ الشَّرِيعَةِ لا تَعْلِيمُ اللُّغَةِ، يَعْنِي إذا احْتَلَمَ فَإنَّهُ لا تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الصِّغارِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ جَدَّهُ كَتَبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنِ اليَتِيمِ مَتى يَنْقَطِعُ يُتْمُهُ ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إذا أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ انْقَطَعَ يُتْمُهُ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: إنَّ الرَّجُلَ لِيَقْبِضُ عَلى لِحْيَتِهِ ولَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ يُتْمُهُ بَعْدُ، فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ اليَتِيمِ قَدْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ البُلُوغِ إذا لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ، ثُمَّ قالَ أبُو بَكْرٍ: واسْمُ اليَتِيمِ قَدْ يَقَعُ عَلى المَرْأةِ المُفْرَدَةِ عَنْ زَوْجِها، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ» “ وهي لا تُسْتَأْمَرُ إلّا وهي بالِغَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:

إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى النِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى
فالحاصِلُ مِن كُلِّ ما ذَكَرْنا أنَّ اسْمَ اليَتِيمِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبَ العُرْفِ مُخْتَصٌّ بِالصَّغِيرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ جَمَعَ اليَتِيمَ عَلى يَتامى ؟ واليَتِيمُ فَعِيلٌ، والفَعِيلُ يُجْمَعُ عَلى فَعْلى، كَمَرِيضٍ ومَرْضى وقَتِيلٍ وقَتْلى وجَرِيحٍ وجَرْحى ؟

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: جَمْعُ اليَتِيمِ يَتْمى، ثُمَّ يُجْمَعُ فَعْلى عَلى فَعالى، كَأسِيرٍ وأسْرى وأُسارى.

والثّانِي: أنْ يُقالَ: جَمْعُ يَتِيمٍ يَتائِمُ؛ لِأنَّ اليَتِيمَ جارٍ مَجْرى الأسْماءِ نَحْوُ صاحِبٍ وفارِسٍ، ثُمَّ يُقْلَبُ اليَتائِمُ يَتامى. قالَ

صفحة ١٣٧
القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَجُوزُ يَتِيمٌ ويَتامى، كَنَدِيمٍ ونَدامى، ويَجُوزُ أيْضًا يَتِيمٌ وأيْتامٌ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَهُنا سُؤالٌ ثانٍ: وهو أنّا ذَكَرْنا أنَّ اسْمَ اليَتِيمِ مُخْتَصٌّ بِالصَّغِيرِ، فَما دامَ يَتِيمًا لا يَجُوزُ دَفْعُ مالِهِ إلَيْهِ، وإذا صارَ كَبِيرًا بِحَيْثُ يَجُوزُ دَفْعُ مالِهِ إلَيْهِ لَمْ يَبْقَ يَتِيمًا، فَكَيْفَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ؟

والجَوابُ عَنْهُ عَلى طَرِيقَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: المُرادُ مِنَ اليَتامى الَّذِينَ بَلَغُوا وكَبِرُوا، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى سَمّاهم يَتامى عَلى مُقْتَضى أصْلِ اللُّغَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى سَمّاهم بِاليَتامى لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِاليُتْمِ وإنْ كانَ قَدْ زالَ في هَذا الوَقْتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] أيِ الَّذِينَ كانُوا سَحَرَةً قَبْلَ السُّجُودِ، وأيْضًا سَمّى اللَّهُ تَعالى مُقارَبَةَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، بُلُوغَ الأجَلِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الطلاق: ٢] والمَعْنى مُقارَبَةُ البُلُوغِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ اليَتامى في هَذِهِ الآيَةِ البالِغُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٦] والإشْهادُ لا يَصِحُّ قَبْلَ البُلُوغِ وإنَّما يَصِحُّ بَعْدَ البُلُوغِ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ نَقُولَ: المُرادُ بِاليَتامى الصِّغارُ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَفي الآيَةِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ أمْرٌ، والأمْرُ إنَّما يَتَناوَلُ المُسْتَقْبَلَ، فَكانَ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم يَتامى في الحالِ آتُوهم بَعْدَ زَوالِ صِفَةِ اليُتْمِ عَنْهم أمْوالَهم، وعَلى هَذا الوَجْهِ زالَتِ المُناقَضَةُ.

والثّانِي: المُرادُ: وآتُوا اليَتامى حالَ كَوْنِهِمْ يَتامى ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ لِنَفَقَتِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ إنْفاقُ مالِهِ عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ صَغِيرًا، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ. وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ: وآتُوهم مِن أمْوالِهِمْ، فَلَمّا أوْجَبَ إيتاءَهم كُلَّ أمْوالِهِمْ سَقَطَ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: نَقَلَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ «عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْوالِ اليَتامى كَرِهُوا أنْ يُخالِطُوهم وعَزَلُوا أمْوالَ اليَتامى عَنْ أمْوالِهِمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ) [البقرة: ٢٢٠] قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: وأظُنُّ أنَّهُ غَلَطٌ مِنَ الرّاوِي، لِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ إيتاؤُهم أمْوالَهم بَعْدَ البُلُوغِ، وإنَّما غَلِطَ الرّاوِي بِآيَةٍ أُخْرى، وهو ما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] و‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: ١٠] ذَهَبَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى اليَتامى، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٢٠] فَخَلَطُوا عِنْدَ ذَلِكَ طَعامَهم بِطَعامِهِمْ وشَرابَهم بِشَرابِهِمْ» .

قالَ المُفَسِّرُونَ: الصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ، كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ، فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ المالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ، فَتَراجَعا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَلَمّا سَمِعَها العَمُّ قالَ: أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ، ودَفَعَ مالَهُ إلَيْهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ويُطِعْ رَبَّهُ هَكَذا فَإنَّهُ يَحُلُّ دارَهُ» “ أيْ جَنَّتَهُ، فَلَمّا قَبَضَ الصَّبِيُّ مالَهُ أنْفَقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«ثَبَتَ الأجْرُ وبَقِيَ الوِزْرُ“ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَرَفْنا أنَّهُ ثَبَتَ الأجْرُ، فَكَيْفَ بَقِيَ الوِزْرُ وهو يُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ثَبَتَ أجْرُ الغُلامِ وبَقِيَ الوِزْرُ عَلى والِدِهِ» .

صفحة ١٣٨
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ السَّفِيهَ، لا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بَعْدَ الخَمْسِ والعِشْرِينَ، قالَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ السَّفِيهَ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ قَبْلَ الخَمْسِ والعِشْرِينَ سَنَةً لِاتِّفاقِ العُلَماءِ عَلى أنَّ إيناسَ الرُّشْدِ قَبْلَ بُلُوغِ هَذا السِّنِّ، شَرْطٌ في وُجُوبِ دَفْعِ المالِ إلَيْهِ، وهَذا الإجْماعُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ هَذا السِّنِّ، فَوَجَبَ إجْراءُ الأمْرِ بَعْدَ هَذا السِّنِّ عَلى حُكْمِ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ.
أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ: بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ، لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ اليَتامى فِيها جُمْلَةً، ثُمَّ إنَّهم مَيَّزُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: ٦] وبِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٥] حَرَّمَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إيتاءَهم أمْوالَهم إذا كانُوا سُفَهاءَ، ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولا تَتَبَدَّلُوا، أيْ ولا تَسْتَبْدِلُوا، والتَّفَعُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ غَيْرُ عَزِيزٍ، ومِنهُ التَّعَجُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِعْجالِ، والتَّأخُّرُ بِمَعْنى الِاسْتِئْخارِ. وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقالُ: تَبَدَّلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذا أخَذَهُ مَكانَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ هَذا التَّبَدُّلِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: لا تَسْتَبْدِلُوا الحَرامَ وهو مالُ اليَتامى، بِالحَلالِ وهو مالُكُمُ الَّذِي أُبِيحَ لَكم مِنَ المَكاسِبِ ورِزْقِ اللَّهِ المَبْثُوثِ في الأرْضِ، فَتَأْكُلُوهُ مَكانَهُ.

الثّانِي: لا تَسْتَبْدِلُوا الأمْرَ الخَبِيثَ، وهو اخْتِزالُ أمْوالِ اليَتامى، بِالأمْرِ الطَّيِّبِ وهو حِفْظُها والتَّوَرُّعُ مِنها. وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، إنَّهُ كانَ ولِيَّ اليَتِيمِ يَأْخُذُ الجَيِّدَ مِن مالِهِ ويَجْعَلُ مَكانَهُ الدُّونَ، يَجْعَلُ الزّائِفَ بَدَلَ الجَيِّدِ، والمَهْزُولَ بَدَلَ السَّمِينِ.

وطَعَنَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في هَذا الوَجْهِ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا بِتَبَدُّلٍ إنَّما هو تَبْدِيلٌ إلّا أنْ يُكارِمَ صَدِيقًا لَهُ فَيَأْخُذَ مِنهُ عَجْفاءَ مَكانَ سَمِينَةٍ مِن مالِ الصَّبِيِّ.

الرّابِعُ: هو أنَّ هَذا التَّبَدُّلَ مَعْناهُ: أنْ يَأْكُلُوا مالَ اليَتِيمِ سَلَفًا مَعَ التِزامِ بَدَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي هَذا يَكُونُ مُتَبَدِّلًا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ ولا تَضُمُّوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم في الإنْفاقِ حَتّى تُفَرِّقُوا بَيْنَ أمْوالِكم وأمْوالِهِمْ في حالِ الِانْتِفاعِ بِها.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”إلى“ بِمَعْنى ”مَعَ“ قالَ تَعالى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ ( آلِ عِمْرانَ: ٥٢ ] أيْ مَعَ اللَّهِ. والأوَّلُ: أصَحُّ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وإنْ ذَكَرَ الأكْلَ، فالمُرادُ بِهِ التَّصَرُّفُ؛ لِأنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ كَما يَحْرُمُ، فَكَذا سائِرُ التَّصَرُّفاتِ المُهْلِكَةِ لِتِلْكَ الأمْوالِ مُحَرَّمَةٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ في المالِ ما لا يَصِحُّ أنْ يُؤْكَلَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّصَرُّفُ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلَ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يَقَعُ لِأجْلِهِ التَّصَرُّفُ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أكْلَ أمْوالِ اليَتامى ظُلْمًا في الآيَةِ الأُولى المُتَقَدِّمَةِ دَخَلَ فِيها أكْلُها وحْدَها وأكْلُها مَعَ غَيْرِها، فَما الفائِدَةُ في إعادَةِ النَّهْيِ عَنْ أكْلِها مَعَ أمْوالِهِمْ ؟

قُلْنا: لِأنَّهم إذا كانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْ أمْوالِ اليَتامى بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن حَلالٍ وهم مَعَ ذَلِكَ يَطْمَعُونَ في أمْوالِ اليَتامى، كانَ القُبْحُ أبْلَغَ والذَّمُّ أحَقَّ.

صفحة ١٣٩
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَرَّفَ الخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ المُحَرَّمَةِ إثْمٌ عَظِيمٌ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الكِنايَةُ تَعُودُ إلى الأكْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دَلَّ عَلى الأكْلِ (والحُوبُ) الإثْمُ الكَبِيرُ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوبٌ» “ وكَذَلِكَ الحَوْبُ والحابُ ثَلاثُ لُغاتٍ في الِاسْمِ والمَصْدَرِ، قالَ الفَرّاءُ: الحَوْبُ لِأهْلِ الحِجازِ، والحابُ لِتَمِيمٍ، ومَعْناهُ الإثْمُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي واغْسِلْ حَوْبَتِي» “ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الحَوْبُ والحابُ كالقَوْلِ والقالِ. قالَ القَفّالُ: وكَأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ مِنَ التَّحَوُّبِ وهو التَّوَجُّعُ، فالحُوبُ هو ارْتِكابُ ما يَتَوَجَّعُ المُرْتَكِبُ مِنهُ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الحَوْبُ بِفَتْحِ الحاءِ مَصْدَرٌ، والحُوبُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ، والحَوْبَةُ، المَرَّةُ الواحِدَةُ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَعْضُها في البَعْضِ كالكَلامِ فَإنَّهُ اسْمٌ، ثُمَّ يُقالُ: قَدْ كَلَّمْتُهُ كَلامًا فَيَصِيرُ مَصْدَرًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ حَوْبًا، وقُرِئَ: حابًا.

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:2