All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Fuṣṣilat 41:13 Juzʾ 24 Page 478

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] 'Aad and Thamud.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ إنَّما ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [فصلت: ٦] واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٩] وحاصِلُهُ أنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ ؟ ولَمّا تَمَّمَ تِلْكَ الحُجَّةَ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وبَيانُ ذَلِكَ لِأنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلاجٌ في حَقِّهِمْ إلّا إنْزالَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها

صفحة ٩٦
وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والإنْذارُ هو: التَّخْوِيفُ، قالَ المُبَرِّدُ: والصّاعِقَةُ الثّائِرَةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، وقُرِئَ (صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودَ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ واجْتَهَدُوا بِهِمْ وأتَوْا بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ والإعْراضَ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ ولَأعْمَلَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ حِيلَتِي فِيهِ.

السُّؤالُ الثّانِي: المَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ جاءَتْهم مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بِأنَّهم جاءُوهم ؟ قُلْنا: جاءَهم هُودٌ وصالِحٌ داعِيَيْنِ إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ جاءُوهم.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ أمَرُوهم بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنْ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ بِمَعْنى أيْ أوْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَعْبُدُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ قَوْلُنا لَكم لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ إرْسالَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الخَلْقِ أفْضى إلى المَقْصُودِ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ.

ولَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالُوا ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ ولَسْتُمْ بِمَلائِكَةٍ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِرُسُلٍ، وإذا لَمْ تَكُونُوا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ قَوْلِكم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبُهاتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ لَيْسَ بِإقْرارٍ مِنهم بِكَوْنِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ رُسُلًا، وإنَّما ذَكَرُوهُ حِكايَةً لِكَلامِ الرُّسُلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٢٧] .

«رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْشٍ: التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والسِّحْرِ والكِهانَةِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ عَنْ أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والسِّحْرَ والكِهانَةَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى عَلَيَّ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ لِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا ؟ فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسَنا، وإنْ تَكُنْ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ، أيَّ بَناتِ مَن شِئْتَ مِن قُرَيْشٍ، وإنْ كانَ المالُ مُرادَكَ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ، فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا، لا نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ ؟ فَغَضِبَ وأقْسَمَ لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أبَدًا، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ ما هو بِشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ، ولَمّا بَلَغَ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ أمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ، ولَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ

صفحة ٩٧
يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ» .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كُفْرَ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ عَلى الإجْمالِ بَيَّنَ خاصِّيَّةَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهَذا الِاسْتِكْبارُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: إظْهارُ النَّخْوَةِ والكِبْرِ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ.

والثّانِي: الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ واسْتِخْدامُهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا مَخْصُوصِينَ بِكِبَرِ الأجْسامِ وشِدَّةِ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَغْتَرُّوا بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا أقْوى مِن غَيْرِهِمْ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، فَإنْ كانَتِ الزِّيادَةُ في القُوَّةِ تُوجِبُ كَوْنَ النّاقِصِ في طاعَةِ الكامِلِ، فَهَذِهِ المُعامَلَةُ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى، خاضِعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ.

واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ لِلَّهِ، فَقالُوا: القُوَّةُ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ القُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: صِيغَةُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إنَّما تَجْرِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأحَدِهِما مَعَ الآخَرِ نِسْبَةٌ، لَكِنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُتَناهِيَةٌ وقُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ؟ قُلْنا هَذا ورَدَ عَلى قانُونِ قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّها حَقٌّ ولَكِنَّهم جَحَدُوا كَما يَجْحَدُ المُوِدَعُ الوَدِيعَةَ.
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِتَقْرِيرِ السَّبَبِ الدّاعِي لَهم إلى الِاسْتِكْبارِ.

واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ مَجامِعَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ (الإحْسانُ إلى الخَلْقِ والتَّعْظِيمُ لِلْخالِقِ)، فَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُضادٌّ لِلْإحْسانِ إلى الخَلْقِ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مُضادٌّ لِلتَّعْظِيمِ لِلْخالِقِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم قَدْ بَلَغُوا في الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ والإبْطالِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَلِهَذا المَعْنى سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفي الصَّرْصَرِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها العاصِفَةُ الَّتِي تُصَرْصِرُ أيْ تُصَوِّتُ في هُبُوبِها، وفي عِلَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ قِيلَ إنَّ الرِّياحَ عِنْدَ اشْتِدادِ هُبُوبِها يُسْمَعُ مِنها صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الصَّرْصَرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الرِّياحُ بِهَذا الِاسْمِ، وقِيلَ: هو مِن صَرِيرِ البابِ، وقِيلَ: مِنَ الصَّرَّةِ والصَّيْحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ [الذاريات: ٢٩] .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها البارِدَةُ الَّتِي تُحْرِقُ بِبَرْدِها كَما تُحْرِقُ النّارُ بِحَرِّها، وأصْلُها مِنَ الصَّرِّ وهو البَرْدُ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [آل عمران: ١١٧] ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الرِّياحُ ثَمانٍ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ: العاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ والسَّمُومُ، وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ“» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرْسَلَ عَلى عِبادِهِ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ أهْلَكَ الكُلَّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.

The same ayah, in another commentary

Fuṣṣilat 41:13