All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Jāthiyah 45:18 Juzʾ 25 Page 500

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then We put you, [O Muhammad], on an ordained way concerning the matter [of religion]; so follow it and do not follow the inclinations of those who do not know.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أنْعَمَ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، مَعَ أنَّهُ حَصَلَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ عَلى سَبِيلِ البَغْيِ والحَسَدِ، والمَقْصُودُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ طَرِيقَةَ قَوْمِهِ كَطَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ.

واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ عَلى قِسْمَيْنِ: نِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، فَلِهَذا بَدَأ اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ نِعَمِ الدِّينِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والأقْرَبُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِصاحِبِهِ، أمّا ﴿الكِتابَ﴾ فَهو التَّوْراةُ، وأمّا ﴿الحُكْمَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العِلْمَ والحِكْمَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ العِلْمَ بِفَصْلِ الحُكُوماتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَعْرِفَةَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وهو عِلْمُ الفِقْهِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَمَعْلُومَةٌ، وأمّا نِعَمُ الدُّنْيا فَهي المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فَأوْرَثَهم أمْوالَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ودِيارَهم ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أعْطاهم مِن نِعَمِ الدِّينِ ونِعَمِ الدُّنْيا نَصِيبًا وافِرًا، قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهم كانُوا أكْبَرَ دَرَجَةً وأرْفَعَ مَنقَبَةً مِمَّنْ سِواهم في وقْتِهِمْ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ: وفَضَّلْناهم عَنْ عالَمِي زَمانِهِمْ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ آتاهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ، أيْ أدِلَّةً عَلى أُمُورِ الدُّنْيا.

الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي بَيَّنَ لَهم مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن تِهامَةَ إلى يَثْرِبَ، ويَكُونُ أنْصارُهُ أهْلَ يَثْرِبَ.

الثّالِثُ: المُرادُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، والمُرادُ

صفحة ٢٢٨
مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ ﴿حم عسق﴾، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّعَجُّبُ مِن هَذِهِ الحالَةِ، لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ يُوجِبُ ارْتِفاعَ الخِلافِ، وهَهُنا صارَ مَجِيءُ العِلْمِ سَبَبًا لِحُصُولِ الِاخْتِلافِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهم مِنَ العِلْمِ نَفْسَ العِلْمِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ، ثُمَّ هَهُنا احْتِمالاتٌ يُرِيدُ أنَّهم عَلِمُوا ثُمَّ عانَدُوا، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالعِلْمِ الدَّلالَةَ الَّتِي تُوَصِّلُ إلى العِلْمِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى وضَعَ الدَّلائِلَ والبَيِّناتِ الَّتِي لَوْ تَأمَّلُوا فِيها لَعَرَفُوا الحَقَّ، لَكِنَّهم عَلى وجْهِ الحَسَدِ والعِنادِ اخْتَلَفُوا وأظْهَرُوا النِّزاعَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والمُرادُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْتَرَّ المُبْطِلُ بِنِعَمِ الدُّنْيا، فَإنَّها وإنْ ساوَتْ نِعَمَ المُحِقِّ أوْ زادَتْ عَلَيْها، فَإنَّهُ سَيَرى في الآخِرَةِ ما يَسُوؤُهُ، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لَهم، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ لِأجْلِ البَغْيِ والحَسَدِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَعْدِلَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، وأنْ يَتَمَسَّكَ بِالحَقِّ، وأنْ لا يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الصِّدْقِ، فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ عَلى طَرِيقَةٍ ومِنهاجٍ مِن أمْرِ الدِّينِ، فاتَّبِعْ شَرِيعَتَكَ الثّابِتَةَ بِالدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، ولا تَتَّبِعْ ما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ مِن أهْواءِ الجُهّالِ وأدْيانِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الأهْواءِ والجَهْلِ، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو بِمَكَّةَ: ارْجِعْ إلى مِلَّةِ آبائِكَ فَهم كانُوا أفْضَلَ مِنكَ وأسَنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لَوْ مِلْتَ إلى أدْيانِهِمُ الباطِلَةِ فَصِرْتَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذابِ، فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِ اللَّهِ عَنْكَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الظّالِمِينَ يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ولا ولِيَّ لَهم يَنْفَعُهم في إيصالِ الثَّوابِ وإزالَةِ العِقابِ، وأمّا المُتَّقُونَ المُهْتَدُونَ فاللَّهُ ولِيُّهم وناصِرُهم وهم مُوالُوهُ، وما أبْيَنَ الفَرْقَ بَيْنَ الوَلايَتَيْنِ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ البَياناتِ الباقِيَةَ النّافِعَةَ، قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وقَدْ فَسَّرْناهُ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ، والمَعْنى هَذا القُرْآنُ بَصائِرُ لِلنّاسِ جَعَلَ ما فِيهِ مِنَ البَياناتِ الشّافِيَةِ والبَيِّناتِ الكافِيَةِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ، كَما جَعَلَ في سائِرِ الآياتِ رُوحًا وحَياةً، وهو هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، ورَحْمَةٌ مِنَ العَذابِ لِمَن آمَنَ وأيْقَنَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ الظّالِمِينَ وبَيْنَ المُتَّقِينَ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُما مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿أمْ﴾ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ شَيْءٍ حالَ كَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى شَيْءٍ آخَرَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ المَعْطُوفُ مَذْكُورًا أوْ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ هَهُنا: أفَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ هَذا، أمْ يَحْسَبُونَ أنّا نَتَوَلّاهم كَما نَتَوَلّى المُتَّقِينَ ؟

البَحْثُ الثّانِي: الِاجْتِراحُ: الِاكْتِسابُ، ومِنهُ الجَوارِحُ، وفُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ أيْ كاسِبُهم، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٦٠] .

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وفي ثَلاثَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: واللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، ولَوْ كانَ ما

صفحة ٢٢٩
تَقُولُونَ حَقًّا لَكانَ حالُنا أفْضَلَ مِن حالِكم في الآخِرَةِ، كَما أنّا أفْضَلُ حالًا مِنكم في الدُّنْيا، فَأنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حالُ المُؤْمِنِ المُطِيعِ مُساوِيًا لِحالِ الكافِرِ العاصِي في دَرَجاتِ الثَّوابِ، ومَنازِلِ السَّعاداتِ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ ﴿حَسِبَ﴾ يَسْتَدْعِي مَفْعُولَيْنِ:

أحَدُهُما: الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

والثّانِي: الكافُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والمَعْنى: أحَسِبَ - هَؤُلاءِ المُجْتَرِحِينَ - أنْ نَجْعَلَهم أمْثالَ الَّذِينَ آمَنُوا ؟ .

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [السجدة: ١٨]، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [غافر: ٥١، ٥٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [ص: ٢٨] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (سَواءً) بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، واخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ النَّصْبُ، أمّا وجْهُ القِراءَةِ بِالرَّفْعِ فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ في حُكْمِ المُفْرَدِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ﴿أمْ نَجْعَلُ﴾ وهو الكافُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ظَنَنْتُ زَيْدًا أبُوهُ مُنْطَلِقٌ، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ بِالنَّصْبِ فَقالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: أجْرى ﴿سَواءً﴾ مُجْرى مُسْتَوِيًا فارْتَفَعَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ عَلى الفاعِلِيَّةِ وكانَ مُفْرَدًا غَيْرَ جُمْلَةٍ، ومَن قَرَأ: ﴿ومَماتُهُمْ﴾ بِالنَّصْبِ جَعَلَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ظَرْفَيْنِ كَمَقْدَمِ الحاجِّ، وخُفُوقِ النَّجْمِ، أيْ سَواءً في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ سَواءً جَعَلَ المَحْيا والمَماتَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَجْعَلَهم فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً، قالَ: ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَهُ حالًا ويَكُونُ المَفْعُولُ الثّانِي هو الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَعْنِي أحَسِبُوا أنَّ حَياتَهم ومَماتَهم كَحَياةِ المُؤْمِنِينَ ومَوْتِهِمْ ؟ كَلّا، فَإنَّهم يَعِيشُونَ كافِرِينَ ويَمُوتُونَ كافِرِينَ، والمُؤْمِنُونَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ ما دامَ يَكُونُ في الدُّنْيا فَإنَّهُ يَكُونُ ولِيُّهُ هو اللَّهُ وأنْصارُهُ المُؤْمِنُونَ وحُجَّةُ اللَّهِ مَعَهُ، والكافِرُ بِالضِّدِّ مِنهُ، كَما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، وعِنْدَ القُرْبِ إلى المَوْتِ، فَإنَّ حالَ المُؤْمِنِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النحل: ٣٢]، وحالُ الكافِرِ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النحل: ٢٨]، وأمّا في القِيامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ ٤١]، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى بَيانِ وُقُوعِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ قَدْ يَسْتَوِي مَحْياهم في الصِّحَّةِ والرِّزْقِ والكِفايَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الكافِرُ أرْجَحَ حالًا مِنَ المُؤْمِنِ، وإنَّما يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَهُما في المَماتِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مُسْتَأْنَفٌ عَلى مَعْنى أنَّ مَحْيا المُسِيئِينَ ومَماتَهم سَواءٌ، فَكَذَلِكَ مَحْيا المُحْسِنِينَ ومَماتُهم، أيْ كُلٌّ يَمُوتُ عَلى حَسَبِ ما عاشَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِإنْكارِ تِلْكَ التَّسْوِيَةِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏، وهو ظاهِرٌ.

The same ayah, in another commentary

Al-Jāthiyah 45:18