All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Aḥqāf 46:20 Juzʾ 26 Page 504

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الوَلَدَ البارَّ بِوالِدَيْهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وصَفَ الوَلَدَ العاقَّ لِوالِدَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، قالُوا: كانَ أبَواهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ فَيَأْبى، ويَقُولُ: ‏‏ ‏‏‏‏ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ عَلى صِحَّتِهِ، بِأنَّهُ لَمّا كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى مَرْوانَ يُبايِعُ النّاسَ لِيَزِيدَ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: لَقَدْ جِئْتُمْ بِها هِرَقْلِيَّةَ، أتُبايَعُونَ لِأبْنائِكم ؟ فَقالَ مَرْوانُ: يا أيُّها النّاسُ هو الَّذِي قالَ اللَّهُ فِيهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ . والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهو كُلُّ مَن دَعاهُ أبَواهُ إلى

صفحة ٢١
الدِّينِ الحَقِّ فَأباهُ وأنْكَرَهُ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ عِنْدَنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ: ”‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏“ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ولا شَكَّ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ آمَنَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، وكانَ مِن ساداتِ المُسْلِمِينَ، فَبَطَلَ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإنْ قالُوا: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا دَعاهُ أبَواهُ إلى الإسْلامِ وأخْبَراهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مِنَ القَبْرِ، يَعْنِي: أُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ يَعْنِي: الأُمَمُ الخالِيَةُ، فَلَمْ أرَ أحَدًا مِنهم بُعِثَ، فَأيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعانَ، وأيْنَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ المُرادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَهُ، وهُمُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ، وبِالجُمْلَةِ فَهو عائِدٌ إلى المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ لا إلى المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ هَذا ما ذَكَرَهُ الكَلْبِيُّ في دَفْعِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وهو حَسَنٌ.

والوَجْهُ الثّانِي: في إبْطالِ ذَلِكَ القَوْلِ، ما رُوِيَ أنَّ مَرْوانَ لَمّا خاطَبَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ الكَلامِ سَمِعَتْ عائِشَةُ ذَلِكَ فَغَضِبَتْ وقالَتْ: واللَّهِ ما هو بِهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أباكَ وأنْتَ في صُلْبِهِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ وهو الأقْوى: أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى وصَفَ الوَلَدَ البارَّ بِأبَوَيْهِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، ووَصَفَ الوَلَدَ العاقَّ لِأبَوَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ مِن صِفاتِ ذَلِكَ الوَلَدِ أنَّهُ بَلَغَ في العُقُوقِ إلى حَيْثُ لَمّا دَعاهُ أبَواهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو الإقْرارُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ أصَرَّ عَلى الإنْكارِ وأبى واسْتَكْبَرَ، وعَوَّلَ في ذَلِكَ الإنْكارِ عَلى شُبُهاتٍ خَسِيسَةٍ وكَلِماتٍ واهِيَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ المُرادُ كُلُّ ولَدٍ اتَّصَفَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ البَتَّةَ إلى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ المُطْلَقِ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”أفِّ“ بِالفَتْحِ والكَسْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ التَّنْوِينِ، وهو صَوْتٌ إذا صَوَّتَ بِهِ الإنْسانُ عُلِمَ أنَّهُ مُتَضَجِّرٌ، كَما إذا قالَ: حَسِّ، عُلِمَ أنَّهُ مُتَوَجِّعٌ، واللّامُ لِلْبَيانِ مَعْناهُ هَذا التَّأْفِيفُ لَكُما خاصَّةً، ولِأجْلِكُما دُونَ غَيْرِكُما، وقُرِئَ ”أتَعِدانِنِي“ بِنُونَيْنِ، و”أتَعِدانِي“ بِأحَدِهِما و”أتَعِدانِّي“ بِالإدْغامِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”أتَعِدانَنِي“ بِفَتْحِ النُّونِ كَأنَّهُ اسْتَثْقَلَ اجْتِماعُ النُّونَيْنِ والكَسْرَيْنِ والياءِ، فَفَتْحَ الأُولى تَحَرِّيًا لِلتَّخْفِيفِ كَما تَحَرّاهُ مَن أدْغَمَ ومَن طَرَحَ أحَدَهُما.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أنْ أُبْعَثَ وأُخْرَجَ مِنَ الأرْضِ، وقُرِئَ: ”أخْرُجَ وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي“ يَعْنِي ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: الوالِدانِ يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ، فَإنْ قالُوا: كانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: يَسْتَغِيثانِ بِاللَّهِ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ مَن كُفْرِهِ وإنْكارِهِ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ وُصِلَ الفِعْلُ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الباءُ حُذِفَ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالِاسْتِغاثَةِ هَهُنا الدُّعاءُ عَلى ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ ”يَدْعُوانِ اللَّهَ“ فَلَمّا أُرِيدَ بِالِاسْتِغاثَةِ الدُّعاءُ حُذِفَ الجارُّ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ لا يَقْتَضِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويْلَكَ﴾ أيْ: يَقُولانِ لَهُ ويْلَكَ، ﴿آمِن﴾ وصَدِّقْ بِالبَعْثِ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ، والمُرادُ بِهِ الحَثُّ، والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةَ الهَلاكِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ بِالبَعْثِ حَقٌّ، فَيَقُولُ لَهُما: ما هَذا الَّذِي تَقُولانِ مِن أمْرِ البَعْثِ وتَدْعُوانِنِي إلَيْهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ:
صفحة ٢٢
فالَّذِينَ يَقُولُونَ المُرادُ بِنُزُولِ الآيَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، قالُوا: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ هُمُ القُرُونُ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِ، والَّذِينَ قالُوا: المُرادُ بِهِ لَيْسَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، بَلْ كُلُّ ولَدٍ كانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، قالُوا: هَذا الوَعِيدُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ: أكْرَمَنِي الأمِيرُ في أُناسٍ مِن أصْحابِهِ، يُرِيدُ أكْرَمَنِي في جُمْلَةِ مَن أكْرَمَ مِنهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقُرِئَ ”أنَّ“ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى آمَنَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الوَلَدَ البارَّ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الوَلَدِ العاقِّ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ البارَّ بِوالِدَيْهِ لَهُ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، ومَراتِبُ مُخْتَلِفَةٌ في هَذا البابِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عائِدٌ إلى الفَرِيقَيْنِ، والمَعْنى ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ دَرَجاتٌ في الإيمانِ والكُفْرِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَجُوزُ ذِكْرُ لَفْظِ الدَّرَجاتِ في أهْلِ النّارِ، وقَدْ جاءَ في الأثَرِ: الجَنَّةُ دَرَجاتٌ، والنّارُ دَرَكاتٌ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّغْلِيبِ.

الثّانِي: قالَ ابْنُ زَيْدٌ: دَرَجُ أهْلِ الجَنَّةِ يَذْهَبُ عُلُوًّا، ودَرَجُ أهْلِ النّارِ يَنْزِلُ هُبُوطًا.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالدَّرَجاتِ المَراتِبُ المُتَزايِدَةُ، إلّا أنَّ زِياداتِ أهْلِ الجَنَّةِ في الخَيْراتِ والطّاعاتِ، وزِياداتِ أهْلِ النّارِ في المَعاصِي والسَّيِّئاتِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُوَفِّيَهُمْ﴾ وقُرِئَ بِالنُّونِ وهَذا تَعْلِيلٌ مُعَلَّلُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم ولا يَظْلِمَهم حُقُوقَهم قَدَّرَ جَزاءَهم عَلى مَقادِيرِ أعْمالِهِمْ، فَجَعَلَ الثَّوابَ دَرَجاتٍ والعِقابَ دَرَكاتٍ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُوَصِّلُ حَقَّ كُلِّ أحَدٍ إلَيْهِ بَيَّنَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ أوَّلًا، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ قِيلَ: يَدْخُلُونَ النّارَ، وقِيلَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمُ النّارَ لِيَرَوْا أهْوالَها: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”آذَهَبْتُمْ“ اسْتِفْهامٌ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ، وابْنُ عامِرٍ اسْتِفْهامٌ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدَّةٍ والباقُونَ ”أذْهَبْتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما قُدِّرَ لَكم مِنَ الطَّيِّباتِ والرّاحاتِ فَقَدِ اسْتَوْفَيْتُمُوهُ في الدُّنْيا وأخَذْتُمُوهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَكم بَعْدَ اسْتِيفاءِ حَظِّكم شَيْءٌ مِنها، وعَنْ عُمَرَ: ”لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أطْيَبُكم طَعامًا وأحْسَنُكم لِباسًا، ولَكِنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ وهم يُرَقِّعُونَ ثِيابَهم بِالأدَمِ ما يَجِدُونَ لَها رِقاعًا فَقالَ:“ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ أمْ يَوْمَ يَغْدُو أحَدُكم في حُلَّةٍ ويَرُوحُ في أُخْرى، ويُغْدى عَلَيْهِ بِجَفْنَةٍ ويُراحُ عَلَيْهِ بِأُخْرى ويُسْتَرُ بَيْتُهُ كَما تُسْتَرُ الكَعْبَةُ، قالُوا: نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ، قالَ: بَلْ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ ؟ ”»، رَواهُ صاحِبُ“الكَشّافِ”. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ الصّالِحِينَ يُؤْثِرُونَ التَّقَشُّفَ والزُّهْدَ في الدُّنْيا رَجاءَ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم في الآخِرَةِ أكْمَلَ، إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ التَّنَعُّمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في حَقِّ الكافِرِ، وإنَّما وبَّخَ اللَّهُ الكافِرَ لِأنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِالدُّنْيا ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَ المُنْعِمِ بِطاعَتِهِ والإيمانِ بِهِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يُؤَدِّي بِإيمانِهِ شُكْرَ المُنْعِمِ فَلا يُوَبَّخُ بِتَمَتُّعِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأعْرافِ: ٣٢] نَعَمْ لا يُنْكَرُ أنَّ الِاحْتِرازَ عَنِ التَّنَعُّمِ أوْلى؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا اعْتادَتِ التَّنَعُّمَ صَعُبَ عَلَيْها الِاحْتِرازُ والِانْقِباضُ، وحِينَئِذٍ فَرُبَّما حَمَلَهُ المَيْلُ إلى تِلْكَ الطَّيِّباتِ عَلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، وذَلِكَ مِمّا يَجُرُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ ويَقَعُ في البُعْدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ الهَوانِ، وقُرِئَ“عَذابَ الهَوانِ "
صفحة ٢٣
‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَعَلَّلَ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ بِأمْرَيْنِ:
أوَّلُهُما: الِاسْتِكْبارُ والتَّرَفُّعُ وهو ذَنْبُ القَلْبِ.

الثّانِي: الفِسْقُ وهو ذَنْبُ الجَوارِحِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي لِأنَّ أحْوالَ القُلُوبِ أعْظَمُ وقْعًا مِن أعْمالِ الجَوارِحِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن الِاسْتِكْبارِ أنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، ويَسْتَنْكِفُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا الفِسْقُ فَهو المَعاصِي واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى عَلَّلَ عَذابَهم بِأمْرَيْنِ: أوَّلُهُما: الكُفْرُ.

وثانِيهِما: الفِسْقُ، وهَذا الفِسْقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِذَلِكَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايَرَةَ، فَثَبَتَ أنَّ فِسْقَ الكُفّارِ يُوجِبُ العِقابَ في حَقِّهِمْ، ولا مَعْنى لِلْفِسْقِ إلّا تَرْكُ المَأْمُوراتِ وفِعْلُ المَنهِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥqāf 46:20