All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Māʾidah 5:81 Juzʾ 6 Page 121

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And if they had believed in Allah and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

Read in the muṣḥaf

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:

صفحة ٥٤
‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏
‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏

قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .

والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟

صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ

الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.

الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٥١] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِئْسَ ما قَدَّمُوا مِنَ العَمَلِ لِمَعادِهِمْ في دارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ، تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ زَيْدٍ، وفي زَيْدٍ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ ”بِئْسَ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ خَبَرَهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: بِئْسَ رَجُلًا، قِيلَ: ما هو ؟ فَقالَ: زَيْدٌ، أيْ هو زَيْدٌ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ كَما يَدَّعُونَ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكِّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ، وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدْفَعُهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:81